فكر مختارات مقالات

علي حسين يكتب عن تجربته مع المعلم سامي عبد الحميد

في ذكرى رحيله:
تجربتي مع المعلم سامي عبد الحميد

بقلم: علي حسين

من المفارقات أن تمر الذكرى الاولى لرحيل الفنان الكبير سامي عبد الحميد مع ذكرى رحيل الكاتب الاسباني ثيرفانتس صاحب الرواية الشهيرة ” دون كيشوت ” ، فالفنان الكبير الراحل كان من اشد المغرمين بشخصية الفارس الحالم الذي اصر ان يحارب الطواحين من اجل اشاعة العدل والمعرفة ، فسامي عبد الحميد وعلى مدى اكثر من 70 عاما في المسرح كان يحارب طواحين الجهل والتخلف والانتهازية ، بسيف المسرح وبفكر يسعى لتغيير العالم لا لتفسيره ، وتشاء الصدف ان اعمل عام 1994 مع الفنان الكبير على مسرحية بعنوان ” دون كيشوت يدخل بغداد ” حيث كانت التمارين برفقة الفنان محمود ابو العباس يؤدي دور دون كيشوت وناصر طه يؤدي دور سانشو وحكيم جاسم يؤدي دور الملك واياد راضي يؤدي دور المؤلف سيرفانتيس وسها سالم لاداء شخصية دولسينا ، كان هؤلاء السحرة يشكلون ظاهرة لن تتكرر في المسرح العراقي، ولان ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فقد وقفت ظروف عدة ضد تقديم العمل، عام 1999 كاد الحظ ان يقف الى جانبي حين اعاد سامي عبد الحميد العمل على مسرحية دون كيشوت ليقدمها للفرقة القومية للتمثيل، ، لكن الفرقة رفضت اجازة النص بسبب ايحاءاته السياسية.واخبرني فنان كبير كان قد كلف بقراءة النص المسرحي انه رفض اجازة العمل لان المسرحية تتضمن ايحاءات سياسية مباشرة تمس الواقع العراقي ، وان سبب رفضه العمل هو خوفه على العاملين في المسرحية .

سامي المعلم الكبير الذي اصر حتى الساعات الاخيرة من حياته وه على سرير المرض ان يواصل عمله في قراءة اطروحات طلبته ، وان يحلم بمسرح يعيد الالق لهذه البلاد التي استبدلت اضواء مسرح بغداد ، بظلام الجهل وفتاوى التخلف .

وكنت في الايام القليلة الماضية اعيش مع سامي عبد الحميد بعد ان كُلفت من قبل الصديق احمد حسن موسى مدير عام دائرة السينما والمسرح بكتابة عمل مسرحي لتقديمه في الذكرى الاولى لوفاته ، واسترجعت في العمل تجربتي الحياتية والفنية مع الفنان الكبير والتي امتدت اكثر من 40 عاما ، حيث كانت المرة الأولى التي التقي فيها المعلم سامي عبد الحميد في نهاية السبعينيات، يومها ارسلني استاذي الراحل صلاح خالص لكتابة موضوع عن مسرح يوسف العاني.. في ذلك الوقت كان سامي عبد الحميد يعرض مسرحية بيت برنارد البا على قاعة مسرح بغداد، حيث حول منتصف قاعة المسرح الى قفص حديدي كانت النسوة”ناهده الرماح، فوزية عارف، مي شوقي، إقبال محمد علي، عواطف نعيم، سميرة الورد، باهرة رفعت واقبال نعيم ، اشبة بسبايا يحرسهن سوط العمة المتجبرة والتي ادت دورها باتقان فنانة الشعب زينب..هذه المسرحية التي يمكن ان يكتب عنها دون تحفظ، بانها صنعت المسرح التجربيي العربي، والتي اثبت فيها سامي عبد الحميد، انه الأستاذ و المعلم، والمستقبلي وصاحب الرؤية الفنية الواضحة.. وقد كانت هذه المسرحية بوابة دخولي الى عالم النقد المسرحي، حيث كتبت عنها مقالا نقديا نشر في جريدة طريق الشعب، وهو اول موضوع ينشر لي

بعدها كتبت عشرات الموضوعات والدراسات، وكان سامي عبد الحميد ايضا محورا مهما فيها، فقد نشرت عام 1980 اول كتاب لي وهو دراسة عن اساليب الاخراج المسرحي في العراق، واتخذت من تجربة سامي عبد الحميد أنموذجا ليصدر الكتاب واحصل من خلاله على اول مكافئة”دسمة”في حياتي ..واعود الى العمل الذي انجزته قبل ايام بعنوان ” عودة سامي عبد الحميد ” والذي لم ينتج للاسف ولا اعرف حتى هذه اللحظة لماذا قررت دائرة السينما والمسرح في اللحظات الاخيرة عدم تقديم العمل . يكفي الفرقة القومية فخرا انه تولى ادارتها في الستينيات وقدم فيها اهم الاعمال ، ويكفي دائرة السينما والمسرح ان سامي عبد الحميد مثلها في مهرجانات عربية ، كان فيها يصدح بصوت المتنبي او يغني مع جعفر لقلق زادة .. المهم ان العمل الذي انجزته بمحبة لا يزال حبيس جهاز الكومبيوتر .. ولم تكن هذه المرة الاولى التي اكتب فيها عملا مسرحيا عن سامي عبد الحميد ، ففي نهاية التسعينيات كتبت عملا مثيرا عن الفنان الكبير شارك فيه نجوم المسرح العراقي الذين قدموا التحية للفنان الكبير الذي شاركهم باداء بعض المشاهد ، وبعدها باعوام اقنعت الراحل الكبير بالمشاركة بعمل مسرحي عن تاريخ المسرح العراقي وابرز المحطات فيه ولا زلت اتذكر المشهد الذي جمع سامي عبد الحميد بالفنان الكبير ” بابا جعفر السعدي ” والراحل العظيم يوسف العاني وهم يؤدون واحدا من اجمل المشاهد المسرحية ، وقد شاركهم العمل، سامي قفطان وشذي سالم وحيدر منعثر وعبد الخالق المختار وميمون الخالدي وعبد الستار البصري وهيثم عبد الرزاق وعواطف نعيم واقبال نعيم .. بعد ذلك التقيت مع الراحل بعمل بعنوان اغنية شكسبير الاخيرة وهو منودراما تستحضر شخصية شكسبير التي كان سامي عبد الحميد يعشقها .. وفي عام 2008 كتبت مسرحية عن الروائي الكبير غائب طعمة فرمان انتجتها مؤسسة المدى حيث كان سامي عبد الحميد فرحا وهو يؤدي شخصية الروائي الكبير ، يشاركه العمل والشغف شذى سالم وسامي قفطان ورياض شهيد ومحمد هاشم وكانت المسرحية من اخراج حيد منعثر ، وقد اخبرني الفنان الراحل انه لتقى بغائب طعمة فرمان مرة عندما زارهم في مسرح بغداد ومرة اخرى في لقاء عابر في القاهرة ، وعندما اعددت رواية النخلة والجيران كتبت شخصية خاصة بسامي عبد الحميد لم تكن موجودة في الرواية حيث اداها ببراعة كبيرة كعادته . قد لا تكفي هذه السطور للحديث عن فنان ارتبطت معه بصداقة التلميذ للاستاذ ، وبمحبة المعلم لتلامذته ، والذي رحل وهو يحمل سنواته التي تجاوزت التسعين، لكن الذاكرة ظلت ترسم لنا صورة لصبي صغير يتجول في ازقة السماوة ، ثم وهو شابا في بغداد يحاول مع زملاء لهم ابرزهم يوسف العاني وابراهيم جلال وجعفر السعدي وبدري حسون فريد اصطياد حكايات العراقيين وأحلامهم وقلقهم ونرى بغداد كلما استرجعنا اعمالا مسرحية اضاءت ايام وليالي هذه المدينة ، حيث كانت فيها خشبة مسرح بغداد تشع بالمعرفة والتنوير والثقافة .

سامي عبد الحميد فنان جاهد بعزم من اجل تقديم تعريف مرئي لفلسفته الخاصة بالمسرح. ومن الصعب اعتبار الوسائل التي استخدمها في نشر هذه الفلسفة وسائل تقنية فقط، بل هي في المقام الأول وسائل معرفية وجمالية، وهو في كل هذا اثبت أن بإمكان الفنان سبر اغوار العلاقة بين الوسائل البصرية والمعرفية بالمسرح بدربة ودراية ووعي اجتماعي وفكري متميز.

فنان يمنح أعماله المسرحية تكوينات خاصة ربما تبدو غريبة أحياناً على عين المشاهد لكنها تحمل في داخلها مفاجأة تنطوي على مغامرة جديدة في المسرح. هو واحد من القلة الذين يراهنون على قدراتهم الإخراجية، لاطمئنانه من الخبرة التي يمتلكها ولذلك هو يعتقد بأن أية مسرحية كائناً من يكون كاتبها هي في متناول قدراته. وكان لرهانه سلسلة طويلة من الأعمال الناجحة مع طلبة المسرح، أو مع الفرقة القومية للتمثيل.. سامي عبد الحميد فنان يقف مؤرخو المسرح بخشوع أمام الحصيلة الفنية المزدحمة التي قدمها والتي ضمت أشهى الأفكار وأغرب وجهات النظر صارعها بشغف على خشبة المسرح.

على مدى معرفتي بسامي عبد الحميد اجريت معه الكثير من الحوارات بعضها ضمه كتابي عنه ، والبعض الآخر نشر في الصحف العراقية ، وفي كل حوار كان الراحل الكبير يؤكد على ان المسرح حركة اجتماعية :” ان المسرح يكسب مشروعيته وخلوده عندما يطرح القضايا الاجتماعية الرئيسية ، والدليل على ذلك ان الآلاف من العروض المسرحية سقطت من ذاكرة الفن ، اما الباقي في الذاكرة هي العروض التي ارتبطت بهموم الناس وقدمت في الوقت نفسه متعة جمالية ” . ويضيف المعلم الراحل :” أن المسرح هو المؤسسة الثقافية التي تشكل البرلمان الثقافي في المجتمع والذي لا تحدده حدود ولا محاذير .. ذلك ان المسرح مهرجان او برلمان يتحقق فيه الحوار بين الفنان والجمهور ضمن فراغ الصالة ، وكلما كانت القضية التي تطرحها المسرحية ساخنة ، كان هذا البرلمان يقدم افضل النتائج

سامي عبدالحميد.. تسعون عاماً من الجهد والبحث والمتابعة والنشاط على خشبة المسرح.. فنان بقدر ما يحرص على عملية الممازجة بين رؤاه الإبداعية وبين أفكار النص المسرحي، فإنه يحرص في الوقت نفسه على أن يشد وتائر قلبه في أضلع خشبة المسرح العراقي.. هو ابن العراق المأخوذ بجماله. لم ينظر إلى المسرح كمفردة مجردة أو حالة عابرة وإنما نظر إليه باعتباره جزءاً من عملية بناء هذا المجتمع. الأستاذ وهو اليوم على فراش المرض يرغمنا على التأمل ملياً في أعماله التي تكتسب تنوعها وخصوصيتها بشمولية الفنان واتساع نظرته وقدرته على الإفصاح عن دواخله الإنسانية بشاعرية متفردة ومتوقدة.

سامي عبد الحميد، ولد ليكون رجل مسرح ولكن على نحو عاصف. وملحاح ومثابر.

ذكريات كثيرة جمعتني مع المعلم خلال اكثر من 40 عاما توزعت بين كلية الفنون الجميلة ومسرح بغداد وعملنا في لجنة المسرح العراقي سوية، وفي لجنة فحص النصوص المسرحية .

كان تشيخوف يقول لصديقه غوركي وهما يغادران مزرعة إيسيانا بوليانا : لماذا تعتقد ان تولستوي يمتدح ما نكتب؟ يضحك غوركي وهو يقول: ” لانه ينظر الينا كأطفال، كل ما كتبناه لعب اطفال بالنسبة اليه ” ..في كل مرة اذهب فيها الى بيت سامي عبد الحميد، اسال نفسي لماذا يعاملني هذا العملاق كزميل له، لاكتشف ان الكبار دائما ما يعطفون على مقلديهم في الحياة.

تحية الى المعلم في ذكرى رحيله ، حيث نتذكر سنوات اضاء فيها حياتنا بالحب والفن والابداع والمعرفة والصدق .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0