يحيى حقي
مختارات مقالات

يحى حقي وعطر الأحباب

يحى حقي – عطر الأحباب

بقلم: محمد عد العاطي – مصر

عرفت الأستاذ يحى حقي روائيا وقصاصا من خلال بعض أعماله ذائعة الصيت مثل قنديل أم هاشم وخليها على الله ودماء وطين لكن هذه هي المرة الأولى التي أتعرف عليه فيها بدقة ناقدا وكاتبا للمقال الفكري والأدبي والاجتماعي، وذلك من خلال كتابه عطر الأحباب الصادر عن دار نهضة مصر عام 2008.

وواضح من إهداء الدار الذي تصدر الصفحة الأولى الداخلية أنها كلفت أحدا بتجميع مقالات هذا الأديب الكبير لإتاحتها لقراء العربية في ذكرى وفاته من جهة وفي الذكرى السبعين لإنشاء دار نهضة مصر من جهة ثانية.

وعليه فالكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام، في القسم الأول حديث عن مناهج النقد الأدبي في القصة والرواية، وفي الثاني تطبيق لتلك المناهج على بعض النماذج المختارة مثل روايتي اللص والكلاب والمرايا لنجيب محفوظ ولاعب الشطرنج لاستيفان زفايج والبلطة لميخائيل سادوفيانو، وغيرها لكتاب مصريين وعرب وأجانب.

أما القسم الثالث والأخير وهو موضوع حديثي هنا فقد عنونه بعطر الأحباب وهو نفسه عنوان الكتاب، وهو عبارة عن مقالات كتبها في حينه رثاءً لأعلام الفكر والأدب والترجمة والعمارة الذين رحلوا بعد أن تركوا بصمة في حياتنا الفكرية ونهضتها الحضارية. وقد نشر هذه المقالات الرثائية في صحيفة “المساء” ومجلة “المجلة” في الستينيات والسبعينيات.

لم تكن تلك المقالات مجرد تدبيج جمل عاطفية مختومة بدعاء بالرحمة كما اعتدنا في كثير من المراثي أو إن شئت الدقة فقل في كثير من النعي الذي نقرأ، وإنما هي أشبه بتقديم لهؤلاء الراحين وإبراز لأهم أعمالهم وتسليط للضوء على أثرهم وتأثيرهم، وحسنا فعل، ذلك لأنه بذلك خلَّد ذكراهم، خاصة بالنسبة لأجيال أتت بعدهم –مثلنا- قلما تعرف عنهم هذه التفاصيل التي أشار إليها المؤلف.

من ذلك مثلا ما ذكره عن الروائي محمد عبد الحليم عبد الله واهتمامه الطاغي بموضوع الحب وأثره في حياة الإنسان، فقد علمنا مما كتبه الأستاذ يحى حقي أن ذلك راجع لكونه (محمد عبد الحليم عبد الله) فقد أمه في طفولته وفقد معها الحب والحنان، وحينما تزوج أبوه بامرأة ثانية ظن أنها ستعوضه عما فقده ولو جزئيا فإذا بها تكون أسوأ مثل لزوجة الأب، فانبرى يكتب عن الحب بكافة صوره، حب الوالدين، وحب الزوجة، وحب الطبيعة، فكان إماما للرومانسية حينما كتب عن ذلك بلغة رقيقة شاعرة ولا يزال على هذا الحال حتى مات شابا لم يبلغ الخمسين من عمره بعد.

ومن ذلك أيضا ما كتبه عن المازني وكيف أنه توقف عن نظم الشعر في لحظة صدق مع نفسه حينما اتضح له أنه “يفتعل” الإحساس افتعالا خدمة لأبيات القصيدة ويبالغ في ذلك كي تخرج في أبهى حلة، وهو ما لم يعجبه فطلق الشعر واتجه إلى النثر المصحوب بسخرية دفينة لاذعة من أحواله وأحوال الناس والدنيا من حوله، وقد زاد على ذلك تأثيرا هذا العرج الذي أصيب به نتيجة انحناء حاد في العمود الفقري.

ومن ذلك ما كتبه عن المعماري الكبير علي لبيب جبر الذي آثر أن يبني مساكن حديثة بخامات محلية تحمي ساكنيها من حر الصيف وبرد الشتاء رغم ما في ذلك من صعوبة بالغة في عصر أصبح فيه الطوب والاسمنت والحديد المسلح هو لب البناء ولبابه.

ومن ذلك ما كتبه عن الدكتور محمد عوض محمد، الجغرافي والمترجم الكبير، صاحب ترجمة “فاوست” لجوته وصحاب كتاب “النيل” الذي قاله عنه يحى حقي إن كل مثقف خليق أن يقرأ هذا الكتاب، وأحد مؤسسي لجنة التأليف والنشر والترجمة مع أحمد أمين وطه حسين، وسر إبداع هذا الرجل في الترجمة رغم أنها بعيدة عن حقل تخصصه الرئيس هو عشقه للبحث عن المفردة الصحيحة والسهلة في آن معا.

وما كتبه أخيرا عن محمد عبده الزيات وإسهامه في اللغة والأدب والترجمة ثم ما لا نعرفه على نطاق واسع عنه وهو المتعلق بتخصصه كأستاذ في القانون وما أضافه في هذا الباب.

وهكذا ينتقل بنا الأستاذ يحى حقي في كتابه لينثر علينا من “عطر الأحباب” بعضا من شذاهم الندي فنستمتع بهم عقلا ونفسا .. وهكذا يكون الرثاء في معرض الفكر والفكر في معرض الرثاء .. ورحمة الله على الجميع.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.