التطبيع الاماراتي الاسرائيلي
سياسة مختارات مقالات

الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي .. ماذا بعد؟

الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي .. ماذا بعد؟

بقلم: د. أحمد دلول
مختص بالشأن الفلسطيني، وحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية

أعلنت الامارات وإسرائيل عن التوصل إلى اتفاق سلام مشترك بينهما يوم 14 أغسطس من العام الجاري، وهنا لا يمكن الجزم بأنَّ الاتفاق حديث المنشأ، ومن الواضح أنَّه قد جاء استكمالاً أو تتويجاً لمجموعة من الأنشطة المشتركة بين الطرفين في السياسة والأمن والثقافة والسياحة خلال السنوات العشر الأخيرة. ولا يمكن البتة تسمية الاتفاق الذي دار بينهما ب”اتفاق سلام” كما يقول الطرفان، وذلك باعتبار أنَّ الاتفاق لم يأتِ نتيجة حرب بينهما من ناحية، وأنَّ الاتفاق تجاوز مسائل السلام من ناحية أخرى.

صحيح أنَّ مصر والأردن قد دخلتا في اتفاق سلام مع إسرائيل، لكن أياً من الاتفاقين لم يفضيا إلى تطبيعٍ كاملٍ للعلاقات مع إسرائيل، لذلك فقد اختلف الاتفاق الإماراتي عن المصري والأردني في أنَّه لم يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تعداه إلى الجوانب الأمنية والاقتصادية والسياحية والثقافية وغيرها، وهذا يعني أنَّ إسرائيل قد نجحت في التطبيع الكامل الذي طال المجتمع الإماراتي بكل مستوياته.

الإمارات وإيران وإسرائيل

يعتبر التطبيع مع الإمارات أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لإسرائيل التي لا تتطلع إلى الحصول على أموال الإمارات كغيرها من أنظمة الإقليم، وهي أيضاً لا تحتاج الإمارات لأغراض سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، بل تتطلع إلى موقعها الجيواستراتيجي في المنطقة من ناحيتين؛ الأولى: موقع الإمارات بالنسبة لدول الخليج والوطن العربي عموماً، والثانية: موقع الإمارات بالنسبة لإيران خصوصاً.

عند الحديث عن موقع الإمارات بالنسبة الوطن العربي فليس بخافٍ أنَّها تقع في أقصى شرق الوطن العربي، وعندما تحالفت إسرائيل معها ومع أثيوبيا فقد تمكنت من تنفيذ سياسة “شد الأطراف” التي تقضي بمحاصرة الأمن القومي العربي من أطرافه المختلفة، وهذا أمر مهم ولكن بدرجة محدودة في ظل تقبُّل الأنظمة العربية لسباق التطبيع في مع إسرائيل.

وعند تناول موقع الإمارات بالنسبة لإيران فيجب التأكيد على أنَّ الاتفاق بين الطرفين زاد من مساحة المجال الحيوي الإسرائيلي وأوجد روابط جغرافيةً بين إسرائيل والإمارات، وعليه فقد صارت إسرائيل جارة لإيران تبعد عنها عشرات الكيلومترات بدلاً من ألفي كيلو متر، وهو أمر يسمح بحل مشكلة وصول تهديد السلاح الإسرائيلي إلى إيران (الطائرات والصواريخ) في حال دخل الطرفان في حرب. ويمكن لإسرائيل استخدام سلاح الطيران الإماراتي المنوي شراؤه (طائرات إف 35) من أمريكا في حال اشتعلت الحرب بين الطرفين.

أرادت إسرائيل مجاورة إيران وتدشين قاعدة عسكرية لها في الإمارات، وذلك رداً على الوجود الإيراني الكبير بالقرب من حدود إسرائيل، أي في كل من لبنان وسوريا، وهنا يمكن اعتبار أنَّ توجيه ضربات عسكرية إسرائيلية لإيران سيكبد الأخيرة خسائر مهولة، لكن ما يجب التأكيد عليه أنَّ الإمارات هي الأخرى قد تكون أثراً بعد عين.

خلال السنوات الماضية ضرب الحوثيون مكة بصواريخ بالستية، وكانوا -على الأغلب- قادرين على ضرب الإمارات رداً على القصف الإماراتي في اليمن، ولكنَّهم -على ما يبدو- لم يتلقوا أوامر من إيران التي -على ما يبدو- أرادت توجيه رسائل إلى الإمارات تفيد بأنَّ الأخيرة لن تكون بعيدة عن صواريخ الحوثيين والإيرانيين على السواء، وربما لو تم إطلاق صواريخ عليها من الحوثيين لتكبَّدت خسائر كبيرة في قطاعي النفط والسياحة على الأقل.

لقد تلقَّى حزب الله ضربةً كبيرةً نتيجة انفجار بيروت في 4 أغسطس من العام الجاري، ونستطيع القول بأنَّ وجود إسرائيل على مقربة من إيران سوف يؤدي إلى تراجع قدرات الحزب، وهذا قول صحيح، لكن لن تتخلى إيران عن أحد أهم أذرعها السياسية والعسكرية خارج حدودها، بل من المتوقع أن تزيد من درجة الاهتمام به، لأنَّه يعتبر الطرف الأقدر على إشغال إسرائيل في الوقت الحالي.

الوطن العربي والاتفاق مع اسرائيل

بعد الانتهاء من الإمارات ستقوم إسرائيل بإشهار تطبيعها مع السودان والبحرين على الأقل، ثم تنتقل إلى السعودية وصولاً إلى بقية الدول العربية بمن في ذلك الجزائر والكويت، ولاحظنا كيف أنَّ “ضاحي خلفان” قد طالب بحصول إسرائيل على عضوية الجامعة العربية.

قبل أيَّام استضافت قناة سكاي نيوز الأمريكية رئيس الوزراء الإسرائيلي للحديث عن اتفاق التطبيع مع الإمارات، وقد حاورته الإعلامية الجزائرية “فضيلة سويسي”، فأثارت هذه المقابلة حفيظة الجزائريين، وذلك نتيجة إدراكهم بأنَّ نتنياهو حاول إحراجهم وإيصال رسائل لهم مفادها أنَّ الحكومة الجزائرية ستكون مجبرة في أحد الأيام على التطبيع مع دولته.

لقد اشترطت أمريكا على شيوخ وملوك في الخليج، كي تستمر عائلاتهم في الحكم، الاعتراف بإسرائيل التي تصلح لأن تكون قاعدةً أمريكية مُتقدمة في المنطقة وتمتلك أسلحةً نوويةً تخدمُ مصالحها الأمنية والاستراتيجية، وهنا يحوز لنا أن ننظر إلى أنَّ تخلِّي السعودية تدريجياً عن القضية الفلسطينية سيكون نظير المحافظة على حكم محمد بن سلمان على كامل أراضي السعودية، بمعنى أنَّ التنازل عنها سيقطع الطريق على إمكانية تقسيم السعودية التي يتنازع الحكم فيها ثلاثة أمراء.

مهما يكن من أمرٍ؛ يتشكل الوطن العربي من محور “المقاومة” بقيادة إيران في مقابل محور السلام أو التحالف الاستراتيجي الذي يضم إسرائيل، وتميل الكفة في الوقت الحالي للمحور الأخير، خاصة بعد اشتعال الحرب الأهلية في سوريا وتحالف السعودية مع الإمارات ومصر والأردن والسودان والبحرين وعُمان.

الاتفاق والأراضي الفلسطينية

في غمرة الحديث عن التطبيع يجب التأكيد على أنَّ إسرائيل تمهِّد الطريق ل”محمد بن سلمان” كي يتمكن من فرض الوصاية السعودية على المقدسات الإسلامية في الأراضي المحتلة بدلاً من الأردن، وذلك لأنَّ الأردن فشل في مواجهة التغلغل التركي في مدينة القدس، ولا يتمكن من الصرف على أكثر من 1000 موظف و 200 مؤسسةٍ دينيةٍ ومسجدٍ، وهذا بدوره سيعمل على تعزيز الوجود السعودي في فلسطين حتى لو كان على حساب الفلسطينيين أنفسهم، وعلى الأغلب سيبدو ذلك واضحاً خلال زيارة الخليجيين للقدس لأداء الصلاة فيها ضمن الرحلات القادمة.

لاحظنا كيف أنَّ كوادر حركة فتح قد انتقدوا التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، وهنا يجب الإشارة إلى أنَّ هذا الموقف جاء حاداً بسبب وجود محمد دحلان في الإمارات، وهو المنافس الأبرز لعباس والمهدد الأخطر لوجوده في الحكم وهو الأوفر حظاً لمنصب الرئاسة بعد عباس، لذلك فقط بات وجود عباس في منصبه الحالي مهدداً وأدرك أنَّ رحيله عن الحكم بات وشيكاً، وذلك لأنَّ معطيات الاتفاق الجديد تقضي بتمكين دحلان من الحكم في الأراضي الفلسطينية.

لقد انتهى الموقف الفلسطيني المناهض للتطبيع بعد اتصال سعودي بالسلطة الفلسطينية، ومن المتوقع أنَّ السعودية مارست الضغوطات على عباس، وربما وعدته بالخروج الآن من السلطة دون التعرُّض للمحاكمات نتيجة الثروات الطائلة التي يمتلكها أولاده وأحفاده.

لاحظنا في العامين الأخيرين أنَّ ثمَّة تنافس إماراتي-قطري على مساندة أطرافٍ مختلفةٍ في غزة، فكانت قطر تقدم الدعم من خلال حركة حماس، وكانت الإمارات تقدم الدعم من خلال محمد دحلان ومؤسساته المختلفة، ويبدو واضحاً أنَّ اتفاق التطبيع سيمنح الإمارات مساحةً أكبر للعمل في الأراضي الفلسطينية وصولاً لوضع حدٍ للأنشطة القطرية.

لن يكون وضع “المقاومة الفلسطينية” بأحسن حال من غيرها، ومن غير المستبعد أن تتحالف الإمارات مع إسرائيل لتقليم أظافر المقاومة قدر الإمكان، وقد صرَّح المحلل السياسي الإسرائيلي إيدي كوهين في أغسطس 2018 بأنَّ طيّارًا إماراتيًا شاركَ ضمن سلاح الجو الإسرائيلي في قصف مواقع عسكرية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في غزّة. وليس بالضرورة أن نصدِّق هذا التصريح، لكن عناصر من الهلال الأحمر الإماراتي حاولوا جمع معلومات عن المقاومة الفلسطينية خلال حرب 2014م.

المماحكة الإسرائيلية بإيران من خلال القاعدة العسكرية في الإمارات ستنعكس سلباً على قوة المقاومة في غزة، كما أنَّ انفجار بيروت قد زاد من الرقابة الإسرائيلية على شواطئ لبنان في محاولة من الاحتلال لمنع وصول أية معدات عسكرية لحزب الله أو المقاومة في غزة.

أخيراً؛

يؤسس الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي لتحالفٍ استراتيجيٍ جديدٍ في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ستكون إسرائيل القائد لهذا التحالف بحكم الإمكانات العسكرية والأمنية والسياسية التي تتمتع بها، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية جزئياً من المشهد السياسي في الشرق الأوسط لصالح إسرائيل، ومن المؤكد أنَّ هذا التحالف سيعمل جاهداً في تقويض النفوذ الإيراني والتركي والقطري في المنطقة العربية، مع زيادة التدخل في الشئون الخارجية لبعض البلدان العربية.

التحالف سابق الذكر يؤثر سلباً على قوة المقاومة الفلسطينية ويقلل من فرص حصولها على الدعم الإيراني خاصة بعد انفجار بيروت، وقد تكون أمام اختبارٍ صعبٍ جداً في حال دخلت في اشتباكٍ عسكريٍ غير محسوب المآلات مع الاحتلال الإسرائيلي.

لقد باتت فترة بقاء الرئيس عباس في الحكم محدودة جداً، وذلك لصالح محمد دحلان -كحليفٍ استراتيجيٍ للإمارات-، وليس من المعلوم إن كانت حماس جاهزةً للتعاطي الإيجابي الكبير مع دحلان كعدوٍ سابق لها، لكن التغيرات القادمة تستلزم من حماس أن تكون أكثر مرونةً في التعاطي معه، وكذلك في التعاطي مع التغيرات العربية، وذلك بحكم أنَّ مزيداً من الحصار لن يكون في صالحها أولا، وأنَّ التعاطي مع كل هذه التغيرات لن يقلل من مكانتها ثانياً.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي