سياسة مختارات مقالات

ماكرون يتغنى بحرية التعبير.. لكن ضد المسلمين!

ماكرون يتغنى بحرية التعبير.. لكن ضد المسلمين!

بقلم/ هبة داودي

بمنطق الفعل ورد الفعل، عرفت المنطقة المحاذية لمقر الصحيفة الفرنسية الساخرة شارلي ايبدو، تنفيذ هجوم باستعمال سلاح أبيض، أدري إلى إصابة شخصين، في حادث تزامن مع محاكمة شركاء مفترضين لمنفذي الهجوم الذي استهدف الصحيفة الساخرة، قبل خمس سنوات ونصف، لتعتبر الجهات العليا في البلاد بأن الهجوم “إرهابي اسلامي”.
الحادث أثار نقاط ظل وتساؤلات، في وقت عمدت الصحيفة الى استفزاز جديد لمشاعر المسلمين، من خلال اعادة مجلة شارلى إيبدو الساخرة نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، رغم إدراك القائمين عليها لما في ذلك من إستفزاز وإثارة لحفيظة المسلمين.
وكتب مدير تشارلي إيبدو ، لوران ريس سوريسو، في افتتاحية المجلة: “لن نستسلم أبداً”، وذلك قبل انطلاق المحاكمة، في تحدي بارز وواضح للصحيفة، التي يؤكد مسؤولوها أنهم لا يضعون أي خطوط حمراء، ولا حدود للاستهزاء بكافة الرموز، بما في ذلك الدينية من باب حرية التعبير، رغم أن حرية الفرد نتاعي عند بدء حرية الآخرين، ولا حرية مطلقة بل الكل نسبي، كما أن المقدسات الدينية لا يمكن المساس به لأي حال من الاحوال، فمابالك إن تعلقت الامر بالانبياء والرسل.
وقد أظهر الغلاف الخاص بالصحيفة، رسومًا كاريكاتورية نُشرت لأول مرة فى صحيفة دانماركية “ديلاند بوستن” عام 2005، وأعادت تشارلى إيبدو طبعها فى عام 2006، مما أثار الغضب في العالم الإسلامي.‏
ويعكس إعادة نشر الرسوم المسيئة لنبي الاسلام أهدافا مباشرة وأخرى غير مباشرة، حيث تصبو الصحيفة إلى اثارة الجدل المثير للانتباه، وأكثر من ذلك إبراز الأضداد للعودة إلى الواجهة، ورفع عدد المبيعات من جديد، بعد الكساد الذي عرفته في الفترة الاخيرة، لكن من خلال الإساءة للرسول الكريم ومنها للمسلمين، فالجريدة الساخرة التي صدرت لاول مرة في 1969 تحت تسمية “هاراكاري ايبدو”، تريد اعادة استنساخ تجربتها التي حققت من خلالها مبيعات قياسية.
وللصحيفة عدة سوابق، فمثلا في 1970 قامت باصدار مقالات بخصوص حريق مهول أتى على مرقص بمنطقة كولومبي بباريس، رأت فيه السلطات الفرنسية ايحاءا مسيئا للجنرال شارلي ديغول، الذي توفي قبيل ذلك بفترة قصيرة، فما كان لوزارة الداخلية الفرنسية سوى القيام بمنع صدور الاسبوعية الساخرة المسيئة، وعمد مسؤولو الصحيفة إلى تغيير اسمها إلى “شارلي ايبدو” لتجاوز الاشكال القانوني، لكن “من شب على شيء شاب عليه”، وواصلت الجريدة استفزازاتها التي بلغت ذروتها في 2006، مع إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فقام مسجد باريس برفع دعوى قضائية، إلى جانب اتحاد المنظمات الاسلامية في فرنسا والرابطة الاسلامية العالمية، الا أن مسؤولي الصحيفة تحصلوا على انتفاء وجه الدعوى في 2008، ليعود هؤلاء مجددا للاستفزاز بنشر صورة النبي بطريقة ساخرة في 2011 ثم في 2012، ومجددا الآن في 2020 .
وإذا كان الاستهزاء بالرموز الدينية لدى الصحيفة يدرج في خانة حرية التعبير، بل وينال حتى دعما سياسيا برزت معالمه بالخصوص من خلال تصريح الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، بأنه ليس في موقع يمكنه من إصدار حكم على قرار “شارلي إيبدو” إعادة نشر رسم يسخر من نبي الإسلام، وأن فرنسا تتمتع بحرية التعبير، لكن ماكرون قال خلال زيارة للبنان إنه يتعين على المواطنين الفرنسيين إظهار الكياسة والاحترام لبعضهم بعضا وتجنب “حوار الكراهية”، أي أن ماكرون ينتهج سياسة الكيل بمكيالين ويلعب على الحبلين، وفق مصالح بلده الخاصة وفقط، ما يفتح هنا قوس عن الاسباب الحقيقية وراء الاستماتة في مساعدة بلد الأرز، و خلفية مبادرته التي أسقطتها النخب السياسية الالمانية لي الماء، في حين اكتفى رئيس الوزراء جان كاستيكس، بكتابة تغريدة مختصرة على تويتر، جاء فيها “شارلي دائما”، ما يتم عن مره ضمني للاسلام والمسلمين، ثم يحدثونك عن الإسلاموفوبيا..
لكن كوجه من اوجه الازدواجية، كشفت قضية “سيناي” الخطوط الحمراء التي لا يتعين على الصحيفة تخطيها، حينما يتعلق الأمر باليهود، لاسيما القضايا الجوهرية، مثل انكار مذابح اليهود أو المحرقة، والمساس بما يعد من قبيل “معاداة السامية”، ففي جويلية 2008 قامت شارلي ايبدو بطرد أحد الرسامين التابعين لها، بعد أن قام بنشر مقال مصور اعتبر مسيئا للسامية، رغم أن الصيغة المستخدمة في المقال لم تكن بتلك الخطورة، بل تضمنت الاشارة إلى أن ابن الرئيس الفرنسي السابق “أعلن نيته اعتناق اليهودية قبل ان يتزوج خطيبته اليهودية، وريثة أحد مؤسسي مجمع دارتي، سيكون لهذا الصغير شأن كبير”.
وعليه تبقى حدود حرية التعبير مقتصرة على دائرة الغير، بينما حينما يتعلق الامر باللوبي اليهودي النافذ، فإنا تكييف الأمور دائما ينحو باتجاه معاداة السامية، رغم أن المسلمين والعرب بالخصوص ساميون.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.