عروض كتب مختارات مقالات

عرض رواية مستقبل على جثة الماضي

 

بقلم/ نجوى الجزائري

يعزو كولن ولسون الدافعَ الرئيس للرواية إلى “ضرورة إحداث واقع مرغوب فيه” فهو يرى الرواية ( كمرآة لا بد وأن يرى فيها الروائي وجهه وصورته الذاتية وما وصف الحقيقة وقول الصدق_ وهما من الأهداف التي سعى إليها عدد كبير من الروائيين في القرن التاسع عشر _ إلا هدفان ثانويان ، أما الهدف الأساس فهو أن يفهم الروائي نفسه ويدرك ماهية هدفه بالذات ) بعض الرواة يجعلون من أقلامهم معاول لنبش الحقيقة ليس لكشفها فحسب بل للعودة إلى الماضي بتاريخه الناصع و زلاته التي لا تغتفر، ياسمينة خضرا حمل معوله أيضا في روايته هته “قسمة الميت” La Part Du Mort و نبش حفريات الجزائر و كيف عبرت إلى مستقبلها عبر جثة الماضي.

تدور أحداث رواية قسمة الميت في سنة 1988 حيث يحاول مفوض الشرطة (الكوميسير إبراهيم لوب) منع العدالة من العفو عن مجرم سيكوباتي ، و لم يكن يدري أنه أُخذَ في دوامة رهيبة ، ذلك أن تسريح القاتل ليس إلا مرحلة من مكيدة مرعبة دبرها بعض سادة الحكم الجزائري للتخلص من واحدٍ منهم ، و لكي تكون العملية على قدر كبير من الإحكام بحيث لا يرقى الشك إليها، كان لابد أن يضمنها شخص حر ،نزيه ،مثابر و عنيد، موظف لا يمكن لأحدٍ أن يشك في كونه يمكن أن يقبل بأن يتلاعب به أحد، فالمفوض لوب هو الشخص المناسب تماما لتأدية هذا الدور ،لكن هل سيقبل بالتنحي كما تمت البرمجة له؟؟.

رغم أن رواية (قسمة الميت) تعد رواية بوليسية_سياسية قوامها الإثارة و التشويق تدعو القارئ إلى التفكير والاستقراء فضلًا عن اندماجه مع الشخصيات في محاولة منه تفكيك اللغز و إيجاد المجرم الحقيقي و بأحداثها المتسارعة و صفات بطلها البوليسية إلا أنها تعد بالإضافة إلى ذلك نوعا من الديستوبيا و لكن واقعية و ليست مجرد خيال خصب لراوي ،و هذا يعزو لموضوعها الشائك جدا و الحساس ، فغداة انتهاء الحرب التحريرية في الجزائر و مع خروج آخر جندي فرنسي من ترابها و نيلها لاستقلالها الكامل (أو المشروط المقيد بمعاهدة) أصبح من حق الجزائرين أن يحلموا بحياة كريمة، باشراق شمسهم المغتصبة من جديد على وطنهم المحرر أخيرا رغم أنهم دفعوا الثمن غاليا و دماء كثيرة أريقت إلا أن الغد كان يحمل أحلاما تكفي الجميع و وطن بحضن أكبر و خيرات متدفقة تصل مشارف البحر المتوسط بل و تعبره ، لكن …من الذي جعل أحلامهم تموت في مهدها؟؟ (تغير الناس بسبب حالة بؤس و ضنك العيش ، يطرحون أسئلة مرعبة ،ما هي الخطيئة التي ارتكبوها ليستأهلوا السقوط إلى هذا الدرك ؟ و أي ولّي أهانوا؟ و كلما لم يجدوا أجوبة كلما صعب عليهم الاحتفاظ برشدهم إنهم الآن بصدد فقدان صبرهم و عن قريب سيذهبون إلى الجحيم للبحث عن تفسير لوضعهم و عندما يقدمون على هذه الخطوة ،فلست أرى من يستطيع أن يهدئهم و عندها ستعرف الجزائر الكابوس الأعظم!) و فعلا استفاقت الجزائر على كابوس بل واقع حرب أهلية راح ضحيتها الصالح و الطالح كأنه لم تشبع أرضها الواسعة من الدماء و طلبت المزيد!!.
(لماذا لا يزال بلد في عظمة الجزائر لم يستطع بعد الخروج من تحت الأرض؟! ) ببساطة لاننا في بلد يسيطر عليه مصابون بجنون العظمة ، ريعيون ،نهمون… الوحش ،أبو الهول، ثعبان ….كلها أسماء أطلقها خضرا على شخصيات روايته حتى تزيد من رسم قتامة الوجه الخفي للمجاهد( المزيف ) و ما آل إليه عقب الثورة ، لكن يجب التفريق بين شخصيتين تحملان صفة المجاهد (مجاهدي حرب التحرير الجزائرية ) تتمحور عليهما الرواية ،شخصية المجاهد البطل النزيه الذي حارب العدو بكل إيمان و عزيمة في تحرير الوطن و هو ما يمثله المفوض الكوميسير لوب ، و شخصية المجاهد الانتهازي الذي انضم إلى صفوف الثورة طمعا في مكاسب شخصية و نفوذ و سلطة عقب الثورة (شخصية الحاج عثمان ).

صورايا كاراداش المستقبل الذي يعود لينتقم من ماضيه
يرى الفيلسوف فرانسيس بيكون: “إن المرء الذي يسعى وراء الانتقام يُبقي جراحه يانعة، جراح كانت لتشفى لو أنه تصرف بطريقة أخرى” لقد وضع بيكون يده على جوهر مشكلة الانتقام، إذ يطالب الانتقام باجترار الأخطاء مما يهوّلها ويزيد من حدة سبب الغضب، ويصبح من المستحيل التخلّي عنه ، فكيف إن كانت الأخطاء قتل و ابادة عائلة( أو ثورة) ،يقول خضرا على لسان صورايا كاراداش الفتاة اليتيمة التي هربت في سن 12 من مجزرة قتل راحت عائلتها ضحية تصفية حسابات و طمس حقيقة ( كنت أريد أن أعرف من أين جئت و من أنا و أين أذهب، كان عندي حساب أصفيه مع ماضي بلادي ،حساب يفسد علي حاضري و يرهن مستقبلي ..) تعود صورايا بعد ستة و عشرين سنة إلى الإنتقام _ و هو ما يأمل خضرا أن تعود الجزائر و تصفي حسابها مع ماضيها المغتصب من طرف سارقي ثورته و بعدها ثروته كي تتحرر و تقود مستقبلها إلى بر الأمان.

منح ياسمينة خضرا صوته في هذه الرواية لبطل روايته (الكوميسير لوب ) لينوب عنه في سرد الرواية فإتخذَ البطل دور الراوي المحدود العلم أو جزئي العلم : وهو راو محدود العلم ، يعلم بحدود معرفة الشخصية، ورؤيته السردية ، كما يطلق عليها النقاد أيضا الرؤية مع أو الرؤية المجاورة؛ لأن معرفة الراوي لا تزيد عن معرفة الشخصيات لأنفسها ، والراوي جزئي العلم في الغالب ، كما يقدم رؤيته من داخل بنية السرد انه راو مشارك يقوم بدورين فى أن واحد: فهو يقوم بدور الراوى للحكاية التى تتشكل منها القصة من ناحية وهو أيضا احدى الشخصيات المحورية من ناحية أخرى وهذا الموقع الداخلى يؤدى الى أن تتساوى درجة علمه ومعرفته بالاخرين مع درجة علم الشخصية التى يقوم بدورها وهذا ماقد يجعل منظوره متحيزا ورؤيته غير محايدة لآنه يعبرعن رؤيته الذاتيه ويسرد حياة الاخرين من منظوره الخاص ، كما استعان خضرا هنا بشكل مكثف تقنية الحوار ( تظهر بخاصة في الروايات البوليسية) فوظيفة الحوار الأساسية هي إعطاء فكرة عن أحداث الرواية وعن زمانها ومكانها ونجاح الحوار يتحقق بالاستخدام الصحيح للكلمات واللهجات وبالنبرات الصوتية الملائمة مع اظهار شخصيات الرواية و كيفية تفكيرهم ، كما رسم ياسمينة خضرا زمن الرواية و مكانها بدقة متناهية في مدينة الجزائر و خارجها خلال تحقيقاته في الريف ، فيصف الجو كأنه دائما فصل الشتاء مع رياح و مطر حيث يخيم الليل سريعا على مدينة الجزائر و يجعل أُناسها ينامون باكرا مع شوارع غير مضاءة و حوانيت مغلقة، جزائر غارقة في ظلامها و مستقبلها مجهول لكنها تعيش حنق و بؤس رهيب في زمنين مختلفين ماض تركتب فيه تصفيات و أخطاء و حاضر الرواية مقدمات لأحداث مروعة ستعيشها البلد.

تناولت الرواية أيضأ قضية شائكة لازالت تلقي بظلالها على ماضي الجزائر هي قضية الحركى (وهم نوعان : الفئة الأولى وهم من الجزائريين الذين كانوا مجندين في صفوف الجيش الفرنسي إبان الثورة الجزائرية 1 نوفمبر 1954- 5 جويلية 1962 استعملتهم فرنسا من أجل قمع المجاهدين الجزائريين والتجسس عليهم، حيث عند انطلاق الثورة التحريرية كانوا ملزمين بإتمام الخدمة الوطنية في الجيش الفرنسي، والفئة الثانية هم مجموعة من الجزائريين اختاروا الانضمام إلى الجيش الفرنسي طواعية، أي دون إكراه وكان معظمهم قد شارك في الحرب العالمية الأولى أو الثانية أو حرب الهند الصينية إلى جانب فرنسا)

ياسمينة خضراء (بالفرنسية: Yasmina Khadra)‏ هو الاسم المستعار للكاتب الجزائري محمد مولسهول ولد بتاريخ 10 يناير/كانون الأول 1955 بالقنادسة في ولاية بشار الجزائرية ، كان والده ضابطا في جيش التحرير الوطني أثناء الحرب ضد المستعمر الفرنسي ثم في صفوف الجيش الوطني الشعبي بعد استقلال الجزائر ووالدته بدوية، وفي عمر التاسعة التحق خضراء بمدرسة أشبال الثورة بتلمسان بالغرب الجزائري وهي مدرسة تديرها وزارة الدفاع الوطني والدراسة تتكفل بها وزارة التربية والحياة فيها شبه عسكرية، وتخرج منها متحصلا على الباكالوريا سنة 1974 للالتحاق بالأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة التي تخرج منها برتبة ملازمعام 1976 ثم التحق بالقوات المحمولة جوا . خلال فترة عمله في الجيش قام بإصدار روايات موقعة باسمه الحقيقي. عام 2000 وبعد 36 عاماً من الخدمة يقرر ياسمينة خضراء اعتزال الحياة العسكرية والتفرغ للكتابة، وإستقر لاحقاً مع أسرته في فرنسا.

📍(قسمة الميت) هي ترجمة حرفية لعنوان الرواية la Part Du Mort لهذا عمدت لترجمة( part )وحدها و هي مرادف كلمة : حصة ، جزء ، نصيب و لهذا من يقرأ الرواية ربما يتبادر إلى ذهنه خطأ في الترجمة كون ربما (تركة الميت) أليق للمعنى لأن الميت يترك حصته حتى باللهجة الجزائرية (تركة) للورثة يبقى مجرد تخمين لمن يفيدني في الأمر 🤔).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0