تاريخ دين مختارات مقالات

لا حق ديني ولا تاريخي ولا سياسي لليهود في فلسطين

قضايا حوارية (٢)

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي
أخبرتني المرة الماضية أن الله وعد ابراهيم ونسله بالأرض المقدسة في فلسطين لكنه سحب منهم هذا الوعد بعد أن خالفوا عهده، لكنك لم تبرز لنا ما يؤيد ذلك، وكأنك تريد أن تطلق الحكم هكذا ثم تقفز إلى النتيجة؟

=: وفقا للتوراة.. بعد دخول اليهود بقيادة يشوع (=يوشع بن نون، في التسمية الإسلامية) الأرض المقدسة قاموا بتوزيع ما استولوا عليه بين أسباطهم الاثنى عشر، وحكم كل سبط رجل كان يقضي بينهم فيما هم فيه يختصمون، فسمي هذا العهد الذي امتد قرابة ثلاثة قرون بعهد القضاة. ثم تبلور اتجاه عام وسط اليهود يدعو إلى إنشاء كيان سياسي واحد، أشبه بمملكة تحت سلطة ملك، فنشأت مملكة إسرائيل الموحدة، وكان ملوكها شاول وداود وسليمان، وسميت بالموحدة لأنها انقسمت بعد تسعين عاما من قيامها إلى مملكتين؛ شمالية تسمى إسرائيل وجنوبية تسمى يهودا. وكان انقسامها، بحسب التوراة، عقوبةً إلهيةً لسليمان لأن قلبه مال لآلهة زوجاته “السبعمائة” اللواتي ينتمين إلى أمم أخرى. واستمرت المملكتان تنحدران من ضعف إلى ضعف إلى أن أسقطا تماما بعد الغزو و السبي البابلي ثم الآشوري، أيضا عقوبةً من الله على فسادهم الأخلاقي وانحرافهم الديني، خاصة ملوك وساكني مملكة إسرائيل الشمالية، بحسب التوراة. ثم عادوا من السبي أفواجاً على مدى مائة عام، بعد إذن الملك الفارسي كورش (560 – 529 ق م)، وعاشوا في شبه حكم ذاتي، خاصة في ما يتعلق بالشؤون الدينية والقضائية، عاشوا في فلسطين أمةً من الأمم، وشعباً بين الشعوب القاطنة هناك آنذاك، واستمروا على هذا الحال حتى العهد الروماني.

-: تقول دوما “عقوبةً من الله” بحسب التوراة، أفلا يدل هذا على أمانة من كتبوا التوراة، وإلا لو لم يكونوا أمناء لنسبوا ما حل بهم لأعدائهم ولاستمروا في وسم أنفسهم بالأتقياء المظلومين؟

=: ولو أن هذا السؤال يبعدنا قليلا عن السرد والتسلسل الزمني للأحداث، لكن الإجابة هي نعم، إنهم كانوا أمناء مع أنفسهم وهم يلقون بالمسؤولية على ما حل بهم على يد أعدائهم، فيرجعون ذلك إلى ذنوبهم ونقضهم عهدهم مع الله، عهد الالتزام بالطاعة والعبادة له وحده، وهو، بالمناسبة، ما أردت التأكيد عليه مستخدما السردية التوراتية ليكون الكلام أوقع. المهم.. هل نعود إلى استكمال السرد؟

-: نعم، تفضل

=: مر عليهم تحت الحكم الروماني فترة خافوا فيها على هويتهم الدينية فحدثتهم أنفسهم بالتمرد في محاولة منهم لاستعادة مملكتهم القديمة، فقمع الرومان تمردهم بقوة مفرطة، وهدموا مدينة أورشليم، وخربوا لهم الهيكل الثاني الذي كان عزرا قد بناه عقب عودتهم من السبي، وطردوهم من فلسطين عام ٧٠ م. واستمروا مشتتين حتى ضعفت الإمبراطورية الرومانية، وآلت فلسطين للحكم العربي الإسلامي في عهد عمر ابن الخطاب في القرن السابع الميلادي، واستمرت تحت السيادة الإسلامية حتى العام ١٩٢٠، حينما هزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وآلت فلسطين، التي كانت جزءا من ممتلكاتها، لبريطانيا، وفرضت عليها الانتداب سنة ١٩٢٠ لمدة ٢٨ عاما، وفي نهاية فترة الانتداب، خرجت الجيوش البريطاني بعد أن كانت قد سمحت لليهود بالتسلل ثم بالهجرة لإقامة الوطن القومي الذي وعدتهم به (بلفور) وأعلن بن جوريون قيام دولة إسرائيل، ثم في العام ١٩٦٧ استولوا على كل القدس، ومنذ ذلك الوقت اتبعوا سياسية قضم الأرض قطعة قطعة حتى لم يبق من فلسطين التاريخية سوى الثلث أو أقل.

-: وعليه …؟

=: وعليه، فإنه لا حق ديني ولا تاريخي ولا سياسي لليهود في فلسطين كما يروجون.

-: لكن …

=: لكن يكفينا هذا الحد اليوم لتتأكد بنفسك مما جاء فيه، وتفكر فيما سمعت، ولنؤجل بقية الأسئلة لمرة قادمة.

-: أتريد الحق.. إنني سأكتفي في هذه القضية بما دار بيننا من حوار، وسوف أسئلك وأحاورك المرة القادمة في قضية فكرية أخرى مختلفة، هل تمانع؟

=: بالطبع لا أمانع، وإلى ذلك الحين أرجو لك السلامة.

-: مع السلامة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي