تاريخ دين مختارات مقالات

لماذا يعترض المعترضون على التطبيع مع اليهود؟

قضايا حوارية (١)

بقلم/ أ. محمد عبد العاطي
كان الحوار قديما، ولا يزال، وسيلة لتبسيط المفاهيم وتعميق استيعابها في آن. وقد استخدم الكُتّاب هذه الوسيلة فنقلوا إلينا كثيرا من القضايا على هيئة أسئلة وأجوبة، سواء سُئلوا حقا تلك الأسئلة أم تخيلوا أحدًا يسألهم. وانطلاقًا من هذه الطريقة سنحاول بين الحين والآخر طرح بعض القضايا الفكرية عبر حوار تخيلي، بغرض الاشتباك مع جوهر المشكلات الملحة بطريقة نحرص أن تكون مباشرة ومختصرة، تتناسب وطبيعة القراءة على منصات التواصل الاجتماعي.

وستكون البداية بهذا السؤال.

-: لماذا يعترض المعترضون على التطبيع مع اليهود؟ ألم توصنا الأديان بالعيش في سلام؟ أليس لليهود حق في فلسطين؟ ألم يعدهم ربهم بها أرضاً للميعاد، ميراثا لأبيهم إبراهيم ونسله؟ أليسوا هم نسل يعقوب، حفيد إبراهيم، الذي أصبح اسمه إسرائيل؟ ألم يقل الرب في التوراة “وقال الرب لأبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك، إلى الأرض التي أريك. فأجعلك أمةً عظيمةً، وأباركك، وأعظم اسمك، وتكون بركةً. وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض” (سفر التكوين، الإصحاح 12 : 1-3) .. ألم يقل الرب “واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض. وظهر الرب لإبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض” (سفر التكوين، الإصحاح 12 : 6-7). ألم يؤكد القرآن الكريم ذلك أيضا بقوله “يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ” (المائدة: 21)، فإذا كانت أرض فلسطين، بنص التوراة والقرآن، وعدًا إلهيا لإبراهيم ونسله فلماذا يعترض المعترضون على قيام دولة إسرائيل؟ لماذا يحاربونها؟ ولماذا يصرون على أن طريقة العيش مع اليهود يجب أن تؤسس دوماً على الكراهية؟ لماذا يستمرون في وصفهم بقتلة الأنبياء وحفدة القردة والخنازير؟ هل يهود القرن الحادي والعشرين هم يهود قرون ما قبل الميلاد؟ وهل هم بهود المدينة الذين ناصبوا نبي الإسلام العداء؟ ما علاقة اليهود الروس والبولنديين والمغاربة والأثيوبيين بيهود يثرب قبل ألف وأربعمائة عام؟ أليس من الإجحاف تعميم الأحكام الأخلاقية والسلوكية عليهم؟ ألم يقل القرآن “ولا تزر وازرة وزر أخرى”؟

=: على رسلك يا صديقي، على رسلك، ما كل هذه الأسئلة التي أطلقتها دفعة واحدة؟ لقد خلطت الحابل بالنابل حتى التبس الأمر عليك، واستعملت مفردات ومصطلحات بينها من الاختلاف ما بينها وكأنك تعتقد أنها واحدة، فلم تميز بين إبراهيم وبنيه وبين اليهود، ولم تفرق بين اليهود كجماعة مؤمنة واليهودية كديانة وبين سلوك وتصرفات اليهود وعلاقتهم بالشعوب والأمم المحيطة بهم، ولم تفرق بين الوعد المشروط والوعد المطلق؟ ولم، ولم.. وهذا ما أود تبيانه لك، لتتضح الصورة، وينجلي الغموض الذي دفعك لتسأل كل هذه الأسئلة.

-: تفضل، هات ما عندك، لكن باختصار، ودون اسهاب.

=: بداية، إبراهيم لم يكن يهوديا، ذلك لأنه إن كانت اليهودية قد نشأت مع موسى في القرن الثالث عشر قبل الميلاد فالفرق الزمني بين موسى وإبراهيم لا يقل عن ألف ومائتي عام وفق أكثر المصادر تحفظا، فلا علاقة بين اليهودية من جهة وإبراهيم وبنيه من جهة أخرى. ثانيا …

-: لا . بعد إذنك . قبل أن تنتقل إلى ثانيا وثالثا .. وكأنك بجرة قلم تريد أن تنفي صلة النسب بين اليهود وإبراهيم وابنه اسحق وحفيده يعقوب. ما هكذا يكون الحوار ولا بهذا يتأسس الاقتناع. ألم يهاجر يعقوب وبنوه من فلسطين إلى مصر ويستقروا فيها بناء على دعوة يوسف ابن يعقوب بعدما أصبح له في مصر شأن كبير؟ ألم يعيشوا في مصر ويتناسلوا خلال أربعة قرون وبهذا يصبح يهود مصر؛ أتباع موسى، هم نسل إبراهيم واسحق ويعقوب ويوسف وإخوته وذريتهم، فكيف تقول إن اليهود لا يمتون بصلة إلى إبراهيم واسحق ويعقوب؟ لماذا تريد نفي هذه الصلة الكريمة عنهم؟ هل تريد نسبتهم إلى المجهول؟ إلى نسب ليس شريفا؟ ما غرضك بالضبط؟

=: مرة أخرى تعجَّلت وخلطت بين الأمور، أنا لم أقل إن اليهود لا يمتون بصلة إلى إبراهيم، وإنما قلت العكس؛ قلت إن إبراهيم لا يمت بصلة إلى اليهودية كديانة لأنها نشأت بعده بأكثر من ألف عام، وثمة فرق بين النسب العرقي والنسب الديني. القرآن يقول “مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” (آل عمران: 67)

-: ماذا تريد أن تقول؟ وإلى أين تريد أن تصل؟

=: أريد القول إن طول العهد ببني إسرائيل (بني يعقوب) في مصر أضعف رابطتهم الروحية بجدهم إبراهيم، وجعلهم ينحرفون عن نهجه القويم، ويتأثرون بديانة المصريين التي كان فيها من الشوائب الاعتقادية ما فيها، حتى أن اخناتون كان ومضة توحيدية قصيرة عابرة سرعان ما انطفأت وعاد الناس بعده لدين ملوكهم.

-: وعليه .. ؟

=: وعليه، فإن شرف النسب الديني بإبراهيم، الموحد، خليل الله، شرف زائف. قد يكونون على صلة عرقية به، لكن هذا لا يخول لهم القول إنهم أتباعه.

-: وما علاقة ذلك بوعد الله لإبراهيم بأرض فلسطين ميراثا له ولأبنائه ونسله؟

=: إن وعد الله لإبراهيم ونسله بالأرض الموعودة كان مشروطا بأن يسير هذا النسل على نهج إبراهيم القويم، ذلك النهج التوحيدي، وذلك السلوك الأخلاقي، خاصة في معاملة غيرهم بالعدل والانصاف، لا بالظلم والقهر والجبروت. الله لا يعطي “شيكات” على بياض، لا يعطي وعودا مطلقة، ولكنه يعد بالمكافأة من أحسن عملًا، ويتوعد بسحب هذه المكافأة ممن لا يحسن التصرف فيها، والسؤال المفترض طرحه هنا: هل اليهود؛ أتباع موسى من بني إسرائيل، حافظوا على العهد الذي كان بينهم وبين الله، ومن ثم حافظوا على حقهم في ميراث الأرض التي وعد الله بها جدهم إبراهيم؟ أم خالفوا العهد، ونقضوه، فسحب الله منهم وعده، وأعطاه لأمة أخرى؟

-: يبدو أنك ترمي من وراء خيوطك، التي جدلتها بتؤدة طيلة شرحك السابق، إلى القول إن الله غضب على اليهود، وسحب منهم وعده بالأرض المقدسة (فلسطين) وأعطاه لأمة محمد، وعدا مشروطا أيضا بالإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنك تشير إلى آية آل عمران “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” (110).

=: لا أكون صادقا إن قلت لك غير ذلك. نعم، هذ ما أردت الوصول إليه إجابةً على سؤالك. فاليهود لا حق لهم في فلسطين بعد أن سحب الله منهم وعده نتيجة مخالفة شرطه الذي اشترطه عليهم.

-: وعليه .. ؟

= وعليه، نتوقف اليوم عند هذا الحد، وتأخذ وقتك في التفكير في ما قلته لك، والتأكد منه، خاصة موضوع سحب الوعد ونفي النسب الروحي والديني، وبطلان مقولة أرض الميعاد وميراث الأجداد .. أما بقية ما جاء في سؤالك فموعده في حوار آخر.

-: لا بأس .. إلى اللقاء.

=: إلى اللقاء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.