سياسة مختارات مقالات

الوصاية العربية على المقدسات الإسلامية بين الأردن والسعودية

الوصاية العربية على المقدسات الإسلامية بين الأردن والسعودية

ببقلم: د. أحمد فايق دلول

في طبيعة الوصاية الأردنية

تعتبر الوصاية الأردنية على المقدسات في مدينة القدس أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للملك الأردني، حيث تعطي هذا الوصاية شرعيةً للأردن ودوراً دينياً لها في فلسطين المحتلة، وقد تمَّ الحصول عليها في عام 1924، في ظل حكم السلطات البريطانية لفلسطين والأردن. وبقي الأردن متمسكاً بهذه الوصاية حتى في ظل هزيمة 1967م، وأكَّدت عليها اتفاقية وادي عربة (26 أكتوبر 1994م) في المادة 9 التي نصَّت على ضرورة احترام “إسرائيل” للدور الأردني الحالي في الأماكن الإسلامية المقدسة بالقدس. كما تمكَّن ملك الأردن من توقيع اتفاقية مع الرئيس عباس يوم 31 مارس عام 2013م تؤكد على دور الأردن في الوصاية على القدس والمقدسات.

لم يتخلَّ الأردن عن دوره في القدس رغم أنه فكَّ الارتباط مع الضفة الغربية بشكل كامل في 1989م. كما قام طوال السنوات الماضية بإدارة شؤون المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا، وكافة المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بما فيها أكثر من 200 مسجد بالمدينة. وتشرف دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية على نحو ألف موظف مقدسي ما بين حراس وسدنة وأذنة وأئمة ومدراء وعمال ومهندسين ومعلمين ومعلمات وغيرهم، ويتقاضون رواتبهم من الأردن. وقام الأردن بتقديم ملف لإدراج البلدة القديمة للقدس في لائحة التراث الإنساني العالمي في اليونيسكو كموقع أردني، وتم تسجيلها بالفعل عام 1981، ثم أدرجت على قائمة المواقع التراثية المهددة بالخطر عام 1982.

لعل ما يميز الوصاية الهاشمية على المقدسات أنَّها كانت من أكبر التحديات التي تقف في وجه اليمين الإسرائيلي، حيث تم طرح الوصاية السعودية كطريقة للتخلص من الوصاية الأردنية، وتمّ التأكيد على ضرورة التخلص من الوصاية الأردنية منذ حكومة نتنياهو الثالثة، لذلك وجدنا كيف أن هذه الحكومة قد تقدمت بمشاريع قوانين لفرض السيادة الإسرائيلية على الأقصى والتخلص من السيادة الهاشمية”.

 

السيادة السعودية مقابل السيادة التركية

من المؤكد أنَّ الجمعيات التركية تعمل في القدس منذ عشرات السنوات، لكن النشاط التركي هناك ازداد بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمسة الأخيرة، وذلك بسبب سماح السلطة الفلسطينية للأتراك بتوسيع نفوذهم في القدس الشرقية، خاصة بعدما صارت هذه السلطة عاجزة عن تقديم الدعم المناسب للمقدسيين. حيث لم يبقَ في يد السلطة أوراق قوة يمكن استخدامها للضغط على الاحتلال الإسرائيلي فيما يتعلق بالقدس.

لقد استشعرت الأردن بخطر وجود الأتراك الذين يعملون من خلال جمعيات متعددة، ويقدمون دعماً ملحوظاً، وبلغت المخاوف الأردنية مستوى كبير، لدرجة أنَّ صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية اعتبرت على لسان دبلوماسي عربي –لم تحدده- أنه “لو سمح الأردنيون لتركيا بالعمل من دون قيود في المسجد الأقصى، لبقي الدور الأردني بعد بضع سنوات على الورق فقط”.

وتعمل في الوقت الحالي جمعيات تركية مختلفة مثل: جمعة البراق، جمعية وقف الأمة، وجمعية حماية التراث العثماني في بيت المقدس، حيث نفذت هذه الجمعيات وغيرها مشروعات تنموية في الصحة والتعليم والثقافة والرياضة، وقامت بتسليط الضوء على المخاطر المحدقة بهما عبر تنفيذ مشاريع ترميم البيوت والمساجد ورعاية المسجد الأقصى، والحفاظ على الوجه التاريخي للقدس والمساهمة في حماية الآثار المقدسية خاصة العثمانية منها.

يشكل الأتراك خطراً على الوصاية الأردنية وليس على القدس، لكنهم –بالمجمل- ليسوا أكثر خطورة من السعودية التي تحاول سحب الوصاية الأردنية، وتعتبر الأردن أنَّ مزاحمة السعودية لها في وصايتها على القدس يُبقي الأخيرة تحت الوصاية العربية.

لقد نشب خلاف بين وفدي الأردن والسعودية اللذين كانا يشاركان في أعمال الدورة 24 للاتحاد البرلماني العربي في 17 من ديسمبر 2017 بالمغرب، حيث رفض الوفد السعودي تأكيد الأردن وصايته على المقدسات في القدس. ولا تُخفي السعودية أطماعها في القدس، وعلى سبيل المثال؛ تحدث الباحث والإعلامي السعودي المقرب من النظام عبد الحكيم الحميد عن رؤية بلاده للوصاية السعودية، فاعتبر أنَّ جزء من القدس الشرقية للفلسطينيين، وأن تكون المقدسات الإسلامية تحت إدارة سعودية لما تتمتع به من خبرة في إدارة المقدسات بمشاركة السلطة الفلسطينية. كما حاولت السعودية في عام 2018م تشكيل وفدٍ من المقدسيين لزيارتها والجلوس مع قيادتها، وذلك في محاولة منها لتحويله إلى هيئة تمثل النفوذ السعودي هناك، لكن المقدسيين رفضوا الخروج عن الوصاية الأردنية.

واستكمالاً لما سبق؛ كشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» المقربة من حزب الليكود في تقرير لها يوم 1 يونيو 2020م أنَّ هناك قناة سرية تتفاوض السعودية من خلالها مع الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، ويجري الحديث في موضوعات بالغة السرية والحساسية بواسطة وفود دبلوماسية وأمنية صغيرة تمثل السعودية وإسرائيل وأمريكا، وذلك بهدف تقاسم إدارة الأوقاف الإسلامية في المدينة مع الأردن، حيث تمَّ تدشين هذه القناة قبل نحو شهرين من إعلان ترامب عن صفقة القرن، وجاء ذلك بطلب من الأردن، وهذا يعني أن تشدد الأردن تجاه وصايته على القدس ليس أكثر من موقف إعلامي.

من المؤكد أنَّ السعودية تحاول منافسة الأردن على الوصاية منذ عشرات السنوات، لكن المنافسة تسارعت في الآونة الأخيرة؛ وذلك بسبب التغير السياسي الجديد في السعودية، إذ يطمح ولي العهد محمد بن سلمان أن تؤدي السعودية دوراً يجعلها الدولة الوحيدة التي تمثل المسلمين السُنة في المنطقة، وتريد ضبط إيقاع باقي الدول السنية التي تعتقد أنها تدور في فلكها. ويحاول بن سلمان فرض نفسه كإمبراطور في المنطقة العربية، لذلك يعمل على ضبط المشيخات والممالك المحيطة بالسعودية.

 

مخاطر الوصاية السعودية

تحاول السعودية ان تحصل على دور ريادي في القدس بجانب الأردن، وذلك من خلال ضم مندوبين سعوديين إلى “مجلس إدارة الأوقاف الإسلامية” في الحرم القدسي، بشرط “عدم المس بمكانة الأردن في الحرم القدسي، وأن تضخ السعودية ملايين الدولارات كتبرعات للجمعيات الإسلامية التي تنشط في القدس الشرقية والحرم، وأن تمارس ضغوطاً دبلوماسية وسياسية من أجل طرد المنظمات التركية التي تنشط تحت رعاية فلسطينية”. وتكمن مخاطر الوصاية السعودية في القدس على النحو التالي:

* لقد اشترط الأردن المحافظة على مكانته في مجلس الأوقاف لكن ليس من المتوقع أن تحافظ السعودية على مكانته، بل من المتوقع أن تسيطر على المجلس وتسحب البساط من تحت أقدام الأردن، وهذا لن يأتي إلا في سياقات محددة او ضمن حسابات دقيقة، كأن تصرف السعودية والإمارات نظرهما عن الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن، أو تقدم المبالغ المالية الكبيرة للأردن في ظل الضائقة المالية التي يعيشها منذ سنوات.

* تحاول السعودية –بجانب الإمارات- تقويض النفوذ التركي في المنطقة العربية، وتدرك أنَّ الأراضي الفلسطينية تشكل البوابة الأكبر للدور الإقليمي التركي، وهو ما يعني أنَّ محاصرة الأتراك في الأراضي الفلسطينية يساهم في تراجعهم إلى حد كبير في الوطن العربي من ناحية، ويسهم في تخفيض الدعم التركي المقدم للفلسطينيين من ناحية أخرى.

* هناك من ينظر بتوجُّس كبير إلى الدور السعودي في القدس، ويعتبر البعض أن الوجود السعودي هناك “وظيفي” ويقدم خدمة لإسرائيل، حيث تتطلع السعودية لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في الوقت الحالي، ويمكن أن يشكل الوجود السعودي هناك قناة اتصال أو مكتب تمثيل سعودي في القدس بالتزامن مع ارتفاع منحنى التطبيع العربي مع إسرائيل، وهذه قد تكون فرصةً ذهبيةً للسعودية ومدخلاً للتطبيع.

* ومن غير المؤكد إن كانت السعودية مؤتمنة على القدس أم لا، فهي وقفت موقف المتفرِّج عندما تمَّ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في مايو 2018م واعتبارها عاصمة أبدية وموحدة لإسرائيل، بل ينظر البعض للسعودية على أنَّها قد وافقت على هذا الإجراء، حيث صرَّح الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل قبل سنوات بأنَّ “بمقدور أمريكا نقل سفارتها إلى القدس في حال وافقت دولة عربية إسلامية على ذلك”؛ في إشارة منه إلى السعودية.

* يجب التأكيد على أنَّ السعودية داعمة لتطبيق صفقة القرن وأنَّ الرئيس ترامب يعتمد عليها بشكل كبير للعب الدور المحوري في تمرير الصفقة؛ نظير الحماية الأمريكية لنظام الملك سلمان وولي عهده، كما أن السعودية وأمريكا وإسرائيل يحاولون حسم الملفات الخلافية في المنطقة العربية لصالح إسرائيل، ولذلك نجد أن صحيفة “يسرائيل اليوم” قد اعتبرت أنَّ “لكل من إسرائيل والولايات المتحدة مصالح هنا، عبر رغبتهما في الحصول على التأييد السعودي من أجل دفع صفقة القرن وخطوة الضم، كما أن السعودية تجلب معها تأييد الإمارات والبحرين”.

* تحاول السعودية محاصرة النفوذ الإيراني في الأراضي الفلسطينية، خاصة وأنَّ إيران تعطي أهمية كبيرة للقدس وتحتفل بيوم القدس العالمي في آخر جمعة من رمضان.

 

أخيراً؛

من الواضح جداً أنَّ السعودية تبذل جهداً كبيراً للحصول على الوصاية الدينية في القدس، وأنَّ الأردن مجبر للتخلي عن جزء من وصايته بتهديد من إسرائيل وأمريكا وبعض الدول العربية، حيث صرَّح ملك الأردن في 2015 بأنَّ عمَّان لديها من المشكلات الكبيرة التي تصرفها عن الاهتمام بالشأن الفلسطيني.

لكن نجاح السعودية في هذا الأمر يواجه صعوبات مختلفة، حيث إنَّها ليست على درجة من القبول لدى المقدسيين رغم الدعم السعودي هناك، في حين أنَّ الأردن أكثر قبولاً بالنسبة للمقدسيين عبر التاريخ، وفي نفس الوقت لا يوجد ارتباط جغرافي بين السعودية والقدس، كما أن الحصول على هذه الوصاية يحتاج موافقة من الرموز الدينية في القدس ورؤساء دول العالم العربي والإسلامي، وهو أمر لا يزال بعيداً عن السعودية.

كما أنَّ الشريحة الأكبر من المقدسيين لا تبدي استعداداً للتعامل مع السعودية، وهي تتلقى الدعم غير المشروط من الأتراك، وليس بإمكانها استبداله بدعم مشروط من السعودية.

ومهما يكن من أمر؛ ليس بخافٍ أن السعودية تتقدم بخطى متسارعة نحو فرض الوصاية على القدس، وذلك بصرف النظر عن قبول أو رفض الفلسطينيين، حيث يستند الموقف السعودي على قوة الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، بجانب مساندة المصريين والإماراتيين والبحرينيين، في ظل ضعف السلطة الفلسطينية والأردن.

موقف السلطة الفلسطينية ضعيف جداً، ولا تتمتع السلطة بأية سيادة على الفلسطينيين هناك، ولا تتمكن من اتخاذ أي إجراء سوى الحديث الإعلامي عن آلام المقدسيين، وهي في نفس الوقت غير قادرة على منع الوصاية السعودية أو دعم الوصاية الأردنية.

وإذا ما أدرك الفلسطينيون مخاطر الوجود السعودي في القدس فيتوجَّب عليهم التوحد في وجه السياسات السعودية والإعلان صراحةً عن رفض هذه الوصاية حتى لو استلزم الأمر تكليف المقدسيين بتولي أمورهم بأنفسهم، لأنَّ هذه الوصاية تعني بداية التطبيع العلني والشامل مع الاحتلال الإسرائيلي.

 

7 حزيران/يونيو 2020م

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي