الصيف الطويل
عروض كتب مجتمع مختارات

الصيف الطويل

الإنسان والأرض (3/4)
الصيف الطويل

بقلم: د. وسام محمد – مصر

عندما نذكر التغيرات المناخية، فإن أول ما يخطر على البال ارتفاع حرارة الأرض، وما يصحبها من ذوبان ثلوج القطبين، وارتفاع سطح البحر، وكل ما يتبع ذلك من تهديدات للجنس البشري وحضاراته، ولكن العالم الأنثروبولوجي البريطاني (بريان فاجان) في كتابه الذي أقدمه لكم اليوم والذي اسماه (الصيف الطويل: دور المناخ في تغيير الحضارة The long summer: how climate changed civilization)، يقدم رؤية مخالفة للتغيرات المناخية، فهو يبحث في الدور الذي لعبه المناخ على طوال التاريخ الإنساني في نشأة وازدهار وانحطاط وفناء الحضارات، منطلقًا من عصر ما قبل الكتابة، وصولًا إلى الوقت الراهن، مركز على التغيرات المناخية الطبيعية وليس على تلك التغيرات المناخية التي تسبب فيها البشر.

الكتاب مكون من مقدمة، وثلاثة أبواب، كل باب يضم ثلاثة أو أربعة فصول، وينتهي بخاتمة.

الكتاب يبدأ بمقدمة طويلة عنوانها عتبة الاستهداف يشارك فيها المؤلف قراءه في أفكار خطرت في باله أثناء قيامه برحلة بحرية ضربتها عاصفة، حول دور المناخ قديمًا وحديثًا في تشكيل الحضارات الإنسانية، متوقفًا طويلًا عند حضارة أور العراقية وكيف تأرجحت بين ازدهار وانحسار إلى أن اختفت، ودور المناخ في حظوظ هذه الحضارة؛ ومن أور إلى تيتوهوكان في المكسيك ونيوأورليانز في الولايات المتحدة مستكشفًا كيف أثر المناخ على نمو هذه البقاع؛ ثم يكشف غرضه من كتابه وهو البحث عن كيف للمناخ أن يعمل على تغيير مسار الحضارات.

الباب الأول، وعنوانه مضخات وأحزمة ناقلة، وفيه أربعة فصول؛ الفصل الأول وعنوانه أوركسترا العصر الجليدي المتأخر؛ وفيه يبحث (فاجان) في لحظات ميلاد الحضارة البشرية، منطلقًا من قراءته لرسوم الكهوف في جنوب فرنسا، والحفريات الدالة عن الكائنات الحية التي عاشت في العصر الجليدي المتأخر في مختلف بقاع العالم، وتلك الأدلة المتعلقة بالتغير المناخي القديم المستخرجة من جليد القطبين، يحكي المؤلف الصراع بين الهوموسابين وفصائل انسان كرومانيون وانسان نياندرتال، هذا الصراع الذي حسمه ارتفاع درجة حرارة الكوكب وذوبان الثلوج في نهايات العصر الجليدي المتأخر وإعادة تشكل خريطة الأنظمة البيئية العالمية، وهو الأمر الذي نجح الهوموسابين في التأقلم معه، لتبدأ قصة حضارتنا. الفصل الثاني وعنوانه القارة العذراء؛ وفيه يناقش لغز قديم حير العلماء، وهو كيف أمكن للبشر القدامى استيطان واعمار الأمريكيتين بين هاتين القارتين مفصولتين عن قارات العالم القديم التي نشأ عليها الإنسان؛ وهنا يعود من جديد إلى نهايات العصر الحجري القديم مبينًا كيف عبر البشر من شمال أسيا إلى ألاسكا الحالية عبر جسر أرضي سرعان ما غمر تحت الماء الذي ارتفع مع ذوبان الجليد، ويتتبع مستخدمًا الحفريات ونظريات علم الأنثروبولوجي كيف قادت التغيرات المناخية البشر إلى الزحف جنوبًا واستيطان القارتين. الفصل الثالث وعنوانه أوروبا أثناء الاحترار العظيم؛ ويبتدأ الفصل بالسؤال لماذا مناطق شمال أوروبا مأهولة على الرغم أن المناطق الموازية لها من اليابسة أكثر برودة وهو ما يجعلها غير مأهولة، ويجيب عن سؤال ببيان كيف تسهم التيارات البحرية في تشكيل مناخ شمال أوروبا، ويعود من جديد إلى ما بعد العصر الجليدي الأخير ليبحث كيف أثر المناخ على تنافسية البشر وعلى استيطانهم أوروبا، ولكن هذه المرة مستخدمًا أدلة الحفريات محاولًا رسم خريطة بيئية وزمانية لأنواع الكائنات الحية التي عاشت في أوروبا في فترة بحثه، وكيف كان لهذه الخريطة انعكاساتها على تشكيل خرائط الاستيطان البشري في هذا الوقت. الفصل الرابع وعنوانه جفاف الألف عام، وهو الفصل الذي يناقش فيه ظهور الحضارات – بالمفهوم الأنثروبولوجي – في العراق ومصر، ودور المناخ في الثورة الزراعية وما لحقها من اكتشاف الأدوات المختلفة، ثم ظهور المستوطنات البشرية الأولى؛ ثم كيف حملت الظروف المناخية على الانتقال من مكان إلى آخر.

الباب الثاني وعنوانه قرون الصيف؛ وفيه ثلاثة فصول؛ الفصل الأول من هذا الجزء اسماه المؤلف الجائحة، وفي هذا الفصل يتتبع ترسخ الحضارة من خلال اكتشاف أساليب تدجين الحيوان، والبناء، والاحتطاب، ومبادئ التعدين، متوقفًا على حضارة منطقة بحيرة الكسين، ثم الكارثة التي ألمت بهذه الحضارة نتيجة الارتفاع المفاجئ في سطح البحر لعوامل مناخية مختلفة، راصدًا تكرار مثل هذه الحادثة في أرجاء مختلفة من العالم. الفصل الثاني وعنوانه الجفاف والمدن، وفي هذا الفصل يتناول المؤلف الأسباب المناخية التي أدت إلى استقرار البشر في العراق ونشوء حضارات المدن القديمة مثل أور، معللًا كثير من وجوه حضارات العراق القديم بالظواهر المناخية التي أثرت في هذه البيئة، رابطًا بين صعود وانهيار حضارات معينة في منطقة العراق بالجفاف الذي ضرب هذه المنطقة، وكذلك يربط بين هذا الجفاف وتلك الاضطرابات التي عصفت بمصر القديمة في نفس الوقت. الفصل الثالث وعنوانه هبات من الصحراء، ومستكشفًا رسوم كهوف تاسيلي، يرسم المؤلف صورة للتاريخ الطبيعي للصحراء الكبرى في العصور القديمة، وكيف أدت حالة الجفاف وما تبعها من تصحر لهذا الإقليم الهائل الذي تشغله اليوم الصحراء الكبرى، إلى نزوح سكانها وحيواناتها إلى الإقليم الذي سوف يعرف لاحقًا باسم مصر، ليمثل هؤلاء نواة سكانه وحضارته، ثم يستكشف الروابط بين الحضارة المصرية القديمة والصحراء الكبرى في تراث هذه الحضارة.

الصيف الطويل

الباب الثالث وعنوانه المسافة بين الحظ الجيد والسيء، وفيه أربعة فصول؛ الفصل الأول وعنوانه الهواء والمحيط، وفي هذا الفصل يبين كيف كان لظاهرة النينو، وهي ظاهرة تعتمد على المحيط، تأثيرًا هامًا في صعود واندثار الحضارات حول العالم، مفسرًا بناء على هذه الظاهرة بعض الكوارث الحضارية مثل كارثة ميسيني وانهيار حضارة خيتي. في الفصل الثاني وعنوانه السلتيون والرومان، وفيه يبحث كيف أدت تغيرات مناخية مفاجئة حثتها بعض الكوارث الجيولوجية، إلى الدفع بالشعوب السلتية جنوبًا وما اتبع ذلك من صدام بينهم وبين الرومان؛ ثم يتتبع تاريخ هجمات شعوب البرابرة – كما أسماهم الرومان – على الإمبراطورية وارتباط هذا النضال بالتغيرات المناخية التي أدت إلى صعوبة عيش البرابرة في مواطنهم الأصلية. الفصل الثالث وعنوانه الجفافات العظمى، ويبحث فيه لماذا ظهرت الحضارات في أمريكا الوسطى والجنوبية، ولم تظهر في أمريكا الشمالية، خاصة في مناطق تبدو اليوم ملائمة بيئيًا جدًا لاستضافة الحضارة مثل كاليفورنيا، رابطًا بين هذه الظاهرة وفترات الجفاف الطويلة التي امتدت لقرون وضربت أمريكا الشمالية، وراصدًا أثر هذا الجفاف على الحضارات الأمريكية الأخرى في وسط وجنوب أمريكا، وما جرى بينما من صدامات مدمرة نتيجة النزاع على الموارد. الفصل الرابع، وعنوانه أطلال فخيمة، وفيه يتتبع بالأدلة الأثرية والأحيائية ومن خلال التراث الشفاهي، ما جرى لإمبراطورية المايا، خاصة في قلب إمبراطورتيهم، في يوكوتان، مؤكدًا على الدور الحاسم الذي لعبه الجفاف في انحطاط هذه الإمبراطورية العظيمة وفناءها.

ثم تأتي خاتمة الكتاب، بعنوان من سنة 1200م إلى الأزمنة الحديثة. وهي خاتمة قصيرة يحاول أن يؤكد فيها المؤلف على الدور الهام الذي لا يزال المناخ يلعبه في التأثير على حضاراتنا من خلال تتبع بعض الحوادث التاريخية الهامة وتفسيرها على أساس التأثير المناخي؛ ومؤكدًا أن حضاراتنا وفقًا لهذه الحوادث لا تزال رهينة التغيرات المناخية.

مؤلف الكتاب برايان فاجان عالم انثروبولوجي ويشغل منصب الأستاذ في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا؛ كما أنه كاتب غزير الأنتاج قدم العديد من المؤلفات الهامة التي ناقش فيها قضايا تتعلق بالحضارة والبيئة، منها كتابنا اليوم، ومنها كتب أخرى مثل كتاب A little Ice Age: How Climate Made History 1300-1850، والذي يعتبر مكملًا لموضوع كتابنا، وكتاب Elixir: A History of Water and Humankind ويبحث فيه عن العلاقة بين الماء والحضارات الإنسانية؛ نشر كتابنا عام 2004، وترجم إلى العربية عام 2007، ترجمه د. مصطفى فهمي لسلسلة عالم المعرفة الكويتية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0