أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

على هامش الحجر ج 5

على هامش الحجر 
الجزء “5”

بقلم/ د. كفاح الغصين
وأنا في الحجر … اكتشفت أن الحياة كالماء تماماً، ليس لها لون، ولا رائحة، وأنها ذات قوام رخو سائل يتشكل وفق حاضنته، اكتشفت ان الحياة بذاتها تستمد لونها من عين القلب، فإذا كانت تلك العين مأخوذة بالحب، افرزت لوناً وردياً اصطبغ به قوام الحياة .. كالماء تماماً.. واكتسى به، حينها نرى الحياة وردية، وتنتشر رائحة العطر في تفاصيلها، ألم تغني سعاد حسني في فيلم خلي بالك من زوزو أغنيتها الشهيرة، الحياة بقى لونها بمبي، وهي في أشد حالات الحب مع بطل الفيلم..؟، ألا يصرخ الموجوع من تصاريف الوقت، المصاب بضيق الحال والقلب بأعلى صوته بأن حياته سوداء..؟ وإنه يشعر بطعمً مُر في حلقه طوال الوقت؟ وبرائحة احتراق لأعصابه كالشواء النتن.. حينما تنغلق عين القلب بدخان كاوتشوك الخيبة وقلة الحيلة..؟
اكتشفت وأنا في الحجر ان تراكم ضباب التجارب وزيت احتراق ذواتنا فيه.. يتكوم على أعين قلوبنا بطبقاته اللزجة، وبمذاقاته المختلطة وروائحه المتكاثرة، مما يجعلنا نفقد الرؤية الصافية، ويصيب أعيننا الحقيقية بالغباش، فنلجأ للنظارات الطبية تخترق قليلا ً تلك المكدسات بسطوة العلم والحاجة، وأننا كلما توغلنا في العمر تختلط ألوان الحياة معاً في قارورة عدم المبالاة، لذا لا نراها بمبي، ولا سوداء، ولا حتى حمراء، ولا لونٍ وحيدٍ صافٍ بتركيز، بل نراها وسط الغباش كألوان قوس قزح حين يكسره مطر مابعد العصر…
اكتشفت أن عين قلبي على مدار العمر أفرزت لي من قواريرها ألوانها جميعها، وروائحها قاطبة، وتشكلت بي بقواماتها كافة، وأنني كنت الشاهدة الوحيدة على ميلودراما ذاتي…
في الحجر، قرأت القرآن فاصطبغت حياتي بما أفرزته عين قلبي بالأخضر الزاهي برائحة المسك، ونكهة العنب، وفي الحجر.. قرأت بعضاً من الأدب فاصطبغت حياتي بمفرزات عين قلبي .. بالبني الداكن، لفرط ما تجذرت الأماكن والشخوص بمخيلتي، وفي الحجر استمعت بنشوة لصوت سيدة الغناء العربي فاصبحت كتلة من اللون الوردي بنكهة الجوري ومذاق الحب، وفي الحجر تضخمت امومتي فأفرزت عين قلبي هرمونات لها لون القلب ونكهة الاقتراب ورائحة المواليد الجدد..
وفي الحجر إيضاً.. فاجأتني عين القلب بلونٍ أصفرٍ باهت، يشي بخريف الأحبة الذين لا يسألون عني، وبنكهة الخيبة، وطعم الملح المختلط بمرارة الانكشاف..
في الحجر .. اكتشفت أن عين الحياة كان لابد أن تضيف على خدماتها الأسطورية ما اهتديت إليه قبل أيام … من حدة كمون الانتظار، ولسعة زنجبيل الرفض، وجموج فلفل أسود الحرقة، وتطرف بابريكا شواء الروح، وتشنج كركم الصدمة، وسمو سماق المكابرة…
أما في الحجر .. فقد اكتشفت أن عين قلبي مستيقظة، وأن الحياة كالماء تماماً.. ليس لها لون، ولا قوام، ولا رائحة.
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0