تنمية مجتمع مختارات مقالات

الحاكم بين المثالية والحكمة

بقلم/ أماني الجماصي

دائماً يردد أبي أن الحاكم مهما بلغ من الصلاح والحكمة إلا أن عدد كبير من المجتمع سيمقته ويرفضه، إما لأهواء شخصية أو قناعات فكرية أو اختلافات أيديولوجية، أو بلا سبب، فطبيعة البشر ترفض أحياناً الانصياع المطلق حتى للخالق نفسه، ومهما بلغ الحاكم من فساد سيجد من يطبل له ويرفع من شأنه.

الرسول الكريم كان في قومه الصادق الأمين صاحب أعلى خلق كريم، لكن عندما نزل عليه الوحي وأصبح رسول من عند الله أصبح في نظر الناس كذاب ساحر شاعر مجنون، نظراً للعصبية القبيلة لدين الآباء والأجداد، والمصالح الشخصية.

بنو إسرائيل عندما طلبوا من نبيهم أن يختار لهم ملك يوحد كلمتهم ويجمع جيوشهم لهزيمة الأعداء، تم اختيار طالوت وهو رجل بسيط من بني إسرائيل قد آتاه الله الحكمة والعلم، كما آتاه القوة البدنية والحنكة العسكرية، رفضه عدد كبير منهم، لأنهم ظنوا أن الملك سيكون من أصحاب المال والغنى.

والأمثلة حول حياة رسل الله كثيرة، فكم كانوا معززين في أقوامهم من أصحاب الصلاح والخير، وبمجرد نزول الوحي عليهم وتشريفهم بالنبوة كانوا يتعرضون لشتى ألوان التكذيب والافتراء والطعن والمضايقات.

هذا حال أنبياء الله صلوات الله عليهم، فلماذا ننتظر من الناس المثالية والانصياع للحاكم الصالح إن وجد، والثورة ضد الحاكم الفاسد إن وجد أيضاً، فلكلٍ مصالحه من الفساد أو الصلاح، من يرفض الحق فإنه بلا شك مستفيد من الباطل.

ولعل مع شديد الأسف أن ولات أمر المسلمين وحكام العرب على وجه الخصوص، هم من الفاسدين الذين ارتكبوا بحق شعوبهم الويلات.

أستغرب كثيراً من ردات الفعل الرافضة المستنكرة التي تصدر بشكل دائم من عدد من رواد مواقع التواصل حول أي تصريح أو بيان أو زيارة أو تطبيع ينبثق عن أي جهة حكومية عربية، فالواقع والماضي والتاريخ يعيد نفسه دائماً، إنما نحتاج جميعاً إلى قراءة التاريخ بعناية حتى نتوقف على الأقل عن التفاؤل في حكام عفى عليهم الزمن وأكل الصدى جنبات عقولهم، الذين في المقابل تجد من يناصرهم ويدافع عنهم صباح مساء.

في حين الحاكم الصالح وكحال عدد من الحكام، يتعرضون لشتى المضايقات سواء الرسمية أو الشعبية، فتراهم يُقاطعون من قبل الجهات الرسمية، ويُرفضون دولياً وتحبك المؤامرات للقضاء عليهم.

وشعبياً، ترى المواطن يطالبهم بإصلاحات فورية وعلى درجة عالية من المثالية، ويضع كل أعمالهم تحت المجهر، ويتصيد لهم العفوات والعثرات، حيث يريد لسنوات عجاف من الزور والفساد أن يصلحها هذا الحاكم في غضون أيام.

بعيداً عن الجدليات العقيمة والاختلافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، كما تطالب الحاكم بالمثالية تحلى بها على الأقل، ولا تكن ممن يفعل موبقات شتى ويطالب المائل بالاعتدال.

أنا على قناعة تامة بما يقوله حديث رسول الله “كيفما تكونوا يولى عليكم” وبما يقول المؤرخ السياسي الفرنسي ألكسيس دو توكفيل “كل شعب ينال الحكومة التي يستحقها”.

ختاماً يقول علي بن أبي طالب “سيأتي عليكم من بعدي زمان، ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب”.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0