تطوير ذات تنمية مختارات مقالات

التعامل مع الناس والصبر على أذاهم

التعامل مع الناس والصبر على أذاهم أفضل من اعتزالهم

بقلم/ أحلام مصطفى

استمعت لنفسي مرة تقول: نحن نستنفذ طاقاتنا في الصراعات الصغيرة، وتنخر قلوبنا الكلمات والأفعال الجارحة لأننا نرسم لأنفسنا عوالم ضيقة، نضع أنفسنا في مركزها ونأخذ في الدوران حولها، أحياناً يبدو لنا وكأننا نغضب للحق، أو نغضب لأن ما يحصل خطأ، أو لأنه ليس عدلاً، ولكن غالب الأمر نحن نغضب ونفور ونستهلك نفوسنا لأن الأمر يمسنا. أقول من أين جاءتك هذه الحكمة يا أحلام، ولماذا لا تستمر معك طوال الوقت، لماذا لا تتذكرين هذا في المرة القادمة التي تستفزك عبارة ويؤلمك تلميح، أو يستثيرك سلوك غير حكيم لن يتسبب في نهاية العالم؟

تسألني صديقة كيف نحافظ على قلوبنا سليمة، ولكم وددت لو أنني استطعت أن أحقق ذلك وأن آتي الله بقلبٍ سليم. ولكنني الآن أدرك أن أقصى ما أستطيعه هو أن لا أترك قلبي للصدأ. أن أتركه يعارك نفسي وأفعالي والناس وينتصر متى استطاع، ويقرع نفسه ويستند على الجيد ليجبر كسر الذي انعطب.

أريد قلباً لا يصدأ من كثرة المآسي والكوارث، قلباً يضع نفسه موضعها، يعرف أنه نقطة مجهرية في محيط، ولكنه أيضاً معجزة الخالق وهبته التي انطوى فيها العالم الكبير، كما يقول محمد إقبال. نحن لسنا أشراراً وخيرين.. نحن بشر، أناس، نتذبب بين هذه وتلك، بعضنا يطغى عليه خيره فتكون معاركه أسهل قليلاً أو يضعف فتكون أصعب كثيراً، وآخرون يستسلمون للغالب السيء فلا يدخلون المعارك أصلاً.

كنت دائماً أردد لنفسي أن التعامل مع الناس والصبر على أذاهم أفضل من اعتزالهم، ولكنك تكبر وتتعب شيئاً فشيئاً، وتتغير ربما لأن طاقتك تنفذ ولا تعود قادراً على خوض كل المعارك، تريد أن تحتفظ لنفسك ببعض القوة لتلك التي تستحق، تريد أن تحافظ على شيءٍ من تلك السلامة حتى تتمكن من الثبات واقفاً عندما يحين الوقت. ولن يحدث ذلك إن كنت تلقي بقلبك في كل صغيرة وكبيرة، لا يعرف السكينة ولا يهدأ حتى يرى الأمور بوضوح.

ليس الأمر أن نترفع عن التفاهات فقط ولا أن نتحمل الإساءة، بل الأمر أن نمسك أنفسنا فلا تسيء ولا تقع هي أيضاً في الترهات. انظر إلى الأمر كأنه كتاب كلما نقرت نقرة تلون بنقطة حبر شغلت فيه حيزاً، ثم أخرى وثالثة ورابعة، وكلما امتلأ كلما ضاق عالمك وأحاطك السواد، ولم يعد الأبيض يكفي لكي تكتب فيه ما تريده أنت، فالعبرة ليست في أن يظل أبيضاً، ولكن في أن يمتلأ فقط بما له معنى.. بالكلمات التي تحمل قيمة.. ولا البقع التي تتناثر كلما فقدت السيطرة.

ها أنا أقرأ ما كتبت وأتخيل أنني أعلق براويز في أنحاء رأسي، كل لوحة بكلمة تذكرني بما عرفت حتى ألزم. سأبدأ اليوم بهذه النية، ويغلب على ظني أنني ربما سأفشل في حادثة أو اثنتين، ولكنني أعرف أيضاً أن مداومة الطلب، تقتضي حتمية الوصول.. فقد طرقت بابك يا صاحب القلوب.. وسلكت الطريق إليك فخذ بيدي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0