ادارة و اقتصاد فكر مختارات مقالات

عن روح الرأسمالية

بقلم/ د. آمنة دلة

ما أنجزه ماكس فيبر في كتابه ‘أخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة’ (١٩٠٥) ليس دحضًا لأطروحة كارل ماركس ولا قلبًا لها بالإدّعاء بأسبقيّة الديني على الاقتصادي، ولكنّه وسّعها وعمّقها من خلاله ضبطه الصارم لما أسماه ‘روح الرأسمالية’؛ فالرأسمالية ليس لها أي علاقة بالرغبة في الكسب والبحث عن الربح، فهذا التعطّش حاضر لدى الجميع وفي كل الأزمنة والأمكِنة، ولكنّها مُرادفة للبحث عن “ربحٍ دائمِ القدرة على التجدّد من خلال مؤسسة ثابتة عقلانيّة ورأسمالية-إنّها بحثٌ عن المردودية التي تلازم المشروع الرأسمالي” .

أما عن موقع الدين من كل هذا، فالإصلاح الديني الذي شهدته أوروبا (صعود البروتستانتيّة والتصور الجديد الذي قدّمه لوثر للشُغل أو لمهامنا في هذه الحياة Beruf) كان بتعبيره سببًا تاريخيًّا لصعود الرأسماليّة التي لم تكن لتظهر إلا في الغرب. حجته هذه تختصرهها الفقرة التالية من كتابه؛


“إنّ العاملات اليوم، لا سيما العازبات، يُقدّمن صورةً عن الموقف من العمل التقليدي والرجعي. إنهن يبدين، بشكل خاص، نقصًا مطلقًا في الاستعداد، ويظهرن عاجزات كليًا عن رفض المناهج الموروثة أو المكتسبة لحساب أخرى أكثر فاعليّة. ويشكو المستخدمون من أن النساء، لنقل الألمانيات، غير قادرات على استيعاب أشكال جديدة من العمل، وعلى تركيز ذكاءهن فيها… فالشروحات التي تقدّم لهن، حول إمكانيّة جعل العمل أكثر سهولة ومربحًا أكثر تصطدم عندهن بنقص كليّ في الفهم.

إن زيادة تعرِفة العمل بالمقاولة لا تعني لهن شيئًا. غير أن الأمر مُختلفٌ مع النساء اللواتي تلقّين تربيةً دينيّة نوعيّة تَقَويّة (ascetic). فغالبًا ما نسمع، وهو ما تؤكّده الاحصائيات، أن هذه الجماعة هي التي نجد فيها في الغالب أفضل الشروط لتربية اقتصادية. إنّ القدرة على تركيز الفكر واعتبار العمل واجبًا أخلاقيًا هما امران متلازمان ومقترنان هنا بذهنيّة اقتصادية، تحسِب حساب إمكانية الكسب الكثير، مع قدرة على السيطرة على الذات وصبر من شأنها رفع نسبة المردوديّة بشكل ملحوظ.. إنها التربة الأكثر استعداداً لتقبّل هذا التصور عن العمل، بصفته غاية في حد ذاته، استجابة لدعوة داخليّة، وهذا ما تتطلّبه الرأسماليّة’.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0