أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

على هامش الحجر ج 3

على هامش الحجر
“3”

بقلم/ د. كفاح الغصين
في الحجر .. وجدت أن للذاكرة دواليب مغلقة، ربما تصدأ أحياناً لعدم الاستخدام ، فالحياة المزدحمة بتفاصيلها تجعلنا نلهث خلف اليوميات لكي نعيشها ونتعايش معها، ليس هناك وقت للجلوس على أريكة الاستماع لصوت الذكريات دون صخب، في الحجر اكتشفت ان تلك الأريكة موجودة بين ضلعين وحاجز، وأنها ليست من المعدن لذا لا تصدأ، ولها ارجل بعدد سنوات العمر، كل قدم من اقدامها تحمل خطايا سنة ومذكرات سنة، واكتشفت أن صمت الحاجة للتذكر يفوق سكون الصمت، لذلك حين جلست بكامل هيئتي وهندامي في بدايتها هرعت اليْ ذكريات الطفولة بحليبها وطينها، بفقرها وعوزها، تحمل بطاقة تموين وكرت مجاني للغذاء كنا نسميه وقتها ( الطعمة) بضم الطاء، حينما نفرت جدائلي الطويلة على فستاني المزركش البرتقالي وأصبح حذائي نظيفاُ ولي مريول مدرسي منتظم الخطوط وياقة بيضاء مصبوغة بالنشا، كنت قد ازحت جسدي قليلاً الي يسار الأريكة ، في منتصف الأريكة كان هناك قلباً يدق وكلاباً تعوي، وغيلان تقتحم سياج العمر بأيديهم فؤوس وبيدي قلم ودفتر أصبح داكن اللون محترق الاطراف، وإذا بي شجرة لبلاب اتلو الطمأنينة على عرائس النوافذ، قليلاً لليسار وجدت شتلتي ريحان تمسك بيدي المحترقة، وكلما ضغطتا على أصابعي تآكل الوجع، ودبت الحياة، في الخلف كان هناك فارس مبتور الذراعين يحلق في الوقت باغتراب، لكنه كان مقبلاً لا مدبر، قبل نهاية الأريكة وجدتتي في الحجر كقطة مستفزة، تخرمش السكون وتعبث بمقتنيات الذاكرة، تقلب الصمت كأرغقة من العجين الأعوج، لم يكن هناك خميرة كافية في قارورة التمكين، لتعود الذكريات غاضبة هاربة لدواليبها المغلقة، واجد أريكتي قد اختفت، الملم خيبتي واذهب لاعد فنجان قهوة لي، تقتحمني رائحة القهوة التي اكتشفتها بالأمس، افتح نوافذ الروح واغرس ملعقة في البن كي انتشل حبات الهال التي تدحرجت مني بالأمس، على مقربة من قارورة الكمون…

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0