مختارات مقالات نصوص أدبية

الدكتورة الشاعرة الغصين تكتب: على هامش الحجر ج 4

على هامش الحجر “4”

بقلم/ د. كفاح الغصين

وانا في الحجر اكتشفت أن للثياب ذاكرة، ولها رائحة، ولها لغة كلغة الإشارات تُفهم دون أن تُنطق، حدث هذا في بداية أيام الحجر، يومها كنت أفتش عن طريقة لتمضية الوقت في غياب زوجي الطويل في عمله بالمستشفى، فعمدتُ للدواليب المكدسة بالثياب، في نية مني لإعادة ترتيبها، وتفقدها، خاصة تلك المكدسة منذ سنوات طويلة، دون استحدام، يومها اكتشفت ان للثياب ذاكرة، حدث هذا حينما باغتني فستانٌ وردي اللون، ود مصافحتي، حينما فعلت وجدته يضع في كفي وردة قانية كانت على ما أذكر ضمن أرضية الفستان، تذكرت لحظتها أن هذه الوردة نالت إعجاب زوجي يوم خطبتنا، ادركت أن ذاكرة الفستان ودت أَن تجذبني لذاكرة الفرح، فأصابتني قشعريرة الانكشاف،
أيضاً كان هناك بين الثياب بنطالاً طويلاً كنت قد أهملته بعد أن تقطع جيبهُ ذات مغامرة تسلقٍ لشجرة تينٍ كانت في بيت والدي قبل قصفه، فوجئتُ وأنا أتحسس جيبه المقطوع بسيلٍ من حبات التين تندلقُ على ذاكرتي، وكانت هناك أصابع للجيب المقطوع تفرك كفي بنبتةِ قُريص وتترك للحكة الفرصة لتشكيل ملامح والدي الذي مات،
بلوزة الرياضة التي كان يرتديها عدي وقت المباريات كان رقمها ١٠، لم ألمسها طيلة غيابه كي لا اشهق بالوجع، كنت اكتفي بإلقاء السلام عليها وعلى باقي حاجياته تاركة شم رائحته الدائم لأخته أمل، فوجئت حين فتحتها بأنها لم تبهت، ربما لأن دموع شقيقته تسقيها بانتظام، ولكن اكتشفت ان رقمها الذي على الظهر تحول إلى ٤، بعدد سنوات اغترابه خارج البيت، لطمتني كرة الذاكرة على وجه طمأنينتي، فسجلني كابتن الوجع إصابة ملاعب في نادي الأمومة…
في الجهة العليا كان هناك قميص لبسته طويلاً أثناء العمل، كنت قد نسيته بالأساس، حينما حملته بين يدي، سقطت من ياقته رصاصة استقر دخانها في منتصف عنق القميص، رائحة القميص فركت في أنفي بصلة الانقلاب، لتصيبني بعدها بنكبة التعطل عن العمل..

حين هممتُ بإغلاق الدولاب، برز ثوبٌ أسودٌ تخالطهُ الفضة، هطلت منه رائحة عطرٍ مركزة، لفرط طيبها لثمتُ خيوط الفستان النائم ، حين فعلت صدحت كوكب الشرق بمطلع فكروني، ووجدت ذاكرتي جميعُها تندلقُ وتتدفق منها ومن بين أكداس الثياب … سيرة الحب.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0