أدب و تراث مختارات مقالات نصوص أدبية

أملنا بأنّ فجر الخير آتٍ لا محالة

بقلم/ أ. خلوصي عويضة

من أي نقطة أو موضع تذوقت البحر ستجده حتما مالحا، وكذا الخذلان كاويا، كما الليمون حامضا، والنهر حلوا…..زعم الفيلسوف ” نيتشه” أن الإنسان لا يمكنه العيش بلا كذب، وللأسف صدقه ملايين من مريديه؛ لأن كلامه وافق هوى في نفوسهم ليس إلا، أتراه تجاهل أم جهل حقيقة أن الكذب يتناسل ويتشعب ويتضخم بكثرةٍ يستأسد معها الأرنب ويتأرنب الأسد، يصبح الإفك أسلوب حياة مريحا مربحا، كيف فاته أن الكذب يمحق خصائص الأشياء ويبدل طبائعها؟، ألم يبصر مثلا أن العين صماء والأذن عمياء؛ لا لعيبٍ إنما انسجاما مع خاصيتها.
عاش الفيلسوف الألماني ومات والشك في كل شيء دينه وديدنه، والكفر قُدس أقداس معبده، لم يدرك أن الشك يصلح منهجا للعلم التجريبي المادي، أما الأخلاق فالصدق عماد منهجها.
وفي السياق؛ تسمو الابتسامة الصادقة أن تكون سياسة هدفها كسب مواقف أو استلاب مصالح بحيلة دبلوماسية، هي في الأصل صدقة على النفس والغير غايتها إدخال السرور على من تعرف ولا تعرف، ومتى تحولت إلى سلاح تملقٍ لاقتناص الفرص انتهكت براءتها.
إن جمال الوجود يفقد بكارته بفقد تفرّد الأشخاص والأشياء، فالفردية كنز وهبة، الفردية هوية كلّ كائن، فحري بابن آدم المكرم من خالقه عزّ وجلّ؛ ألا يسفح دم كرامته بقول كاذب رسوله ابتسامة كاذبة ليظفر بمراد دنيوي يظنه ربحا وفيرا؛ هو بميزان التفرد خسران عظيم. إن من المجاز ما هو جميل وخبيث، والدرس المستفاد ممّا رأيناه أمس في حديقة البيت؛ المسمى مجازا ” أبيض”؛ يقطع الشك باليقين أن الشرّ وعنوانه الأبرز” الإفك والبهتان” لم يعد طارئا على الطبيعة البشرية، بل بات متجذرا متأصلا، ويتطور متخذا أشكالا تحيّر الشيطان ذاته كيف فاقته ذرية المحسود في الجنة؛ ذكاء في التلبيس والكذب والتدليس، إلا أن الخير لا يقف مكتفا متفرجا، نعم تمرّ به محطات ضعف ثمرة التشرّذم والتبعثر؛ لكنه يعاود تجميع قواه، هو بطبعه يقبل التحدي، انظر إلى الشرنقة كيف تنمو يرقة، وفي لحظة ولادة فارقة مقدسة تكسر السلاسل وتحطم القيود، انظر؛ إنها تولد فراشة جميلة، تمتص رحيق الزنابق والورود، تحلق بأجنحتها نحو العلا، أعلى فأعلى، هكذا أملنا بأنّ فجر الخير آتٍ لا محالة، حينها، يومها، ينفجر بياض الصباح الجميل.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0