تاريخ مختارات مقالات

السيخية في الهند

وهم التوافق

السيخية في الهند

بقلم/ رشا صالح

نعلم أن خير الأمور الوسط ولكن ليست الحلول الوسط إلا منبعا للشرور فهي إن كانت للصلح بين طرفين متنازعين تهضم حق الضعيف وتفرض للقوي حقا ليس له وإن كانت للتوفيق بين الحق والباطل أماتت الحق ورفعت شأن الباطل وإن كانت الدعوة إليه لحجج واهية منها فرض السلام والتآخي الذي لايلبث إلا أن يتحول إلي نزاع آخر وخلق طرف آخر منازع ليزيد الطين بلة.
الهند مسرح الديانات المتعددة والتي تغلب فلسفات وحدة الوجود والتجلي الإلهي في المخلوقات عليها والرؤية الواهمة للعالم والموجودات وتناسخ الأرواح دخل الاسلام بها علي يد الفاتح الشاب محمد بن القاسم الثقفي في العصر الأموي من جهة السند حتي إقليم البنجاب ثم في العصر العباسي استكمل فتحها من الشمال علي يد محمود بن سبكتكين الغزنوي ولكن مع وجود الهندوسية وتفرعاتها الدينية وخاصة الديانة الجاينية والبوذية كان الصراع الطائفي واقع مرير غذاه احتلال الانجليز للهند بقضائهم علي الحكم الإسلامي بها الذي استمر لعدة قرون وبتقريبهم للطوئف الاخري وخاصة السيخ.

نشأة السيخية علي يد نانك مؤسسها الأول

ولد نانك في إقليم البنجاب لأبوين هندوسيين في منتصف القرن الخامس عشر وفي شبابه حاول التوفيق بين الهندوسية والإسلام محاولا تفادي التصادم بين الديانتين ومتوهما بفرضية التسامح وروح الإخاء فاعترف بإله واحد خالق ولكنه ادعي وحدة الوجود و مزج ذلك بعقائد هندوسية وبدل الصلوات الهندوسية بترديد ترانيم شفاهية كأنها ابتداعات صوفية ضالة وجاب البلاد لنشر مذهبه مع صديقه المنشد ماردانا معلنا أن من اليوم ليس هناك هندوسي ولا مسلم.

في البداية لاقت دعوته بعض التعاطف بينما الاستجابة كانت ضئيلة من الطرفين إلا أنها بدأت في الزيادة تدريجيا وخاصة من الهندوس من الطبقات المنبوذة كمفر اجتماعي لهم من الذل والدنس الموشومين به تبعا للهندوسية وبعد وفاة نانك خلفه من بعده عشرة معلمين ومع مرور الأيام تبدل التعاطف بالسخط سواء من الهندوس ومن المسلمين علي حد سواء خاصة عندما بدأ معلم السيخ في كتابة الترانيم الخاصة بهم في كتاب اسموه الجرانث (انجيل السيخ).
الذي تمت كتابته في عهد الامبراطور أكبر وتسامح معه لأنه كان يتبع نفس سياسة التوفيق بين الديانات ووضع الدين الإلهي ولكن الأمور تغيرت بعد وفاة أكبر وتولي ابنه جهانجير الحكم.
بدلا من أن ينتشر التسامح كما كان يزعم نانك ازاد الصراع طرفا آخر ،كون السيخ جيشا وابتدعوا التعميد بالسيف وتسموا بالسينغ أي الأسود بلغتهم وبدلوا صورة الإله في معتقدهم إلي إله قوي محارب ونادوا بدولة مستقلة وقومية خاصة لهم في شمال غرب الهند.

الحركة الانفصالية هذه أثارت غضب الدولة والجيش وبانضمام الطبقات الدنيا الهندوسية إليه أثارت غضب الجميع ومع دخول الإحتلال الانجليزي للهند تم اخضاع منطقة نفوذ السيخ للانجليز باستسلام حاكمهم الاخير لهم.
استخدم الانجليز السيخ في الصراع من أجل المصالح المشتركة حيث وجدوا فيهم الحليف في الثورة ضدهم من جانب المسلمين ومن بعدها كانوا هم العسكر المفضلين في الشرطة والجيش الانجليزي في مناطق الهند وجنوب شرق آسيا ورغم سخطهم من عدم تنفيذ الانجليز الوعود التي وعدوها لهم إلا أنهم لم يثوروا خوفا من ضعف موقفهم أمام جميع الأطراف.

لا يمكن التوفيق بأي حال من الأحوال بين الحق والباطل ولا يمكن ارضاء الجميع بالتنازل عن العقيدة وبمحاولات المزج هذه مثل التي تبناها جلال الدين أكبر ونانك وغيرهما تضعف بنية الدولة وتخلق نزاعات وتثير الفتن حتي لو ظن مبتدعيها أنهم يريدون الوئام والمحبة.
وفي تاريخنا الاسلامي تم مزج الفلسفات الهندية مع الديانة الإسلامية وظهرت النزعات الصوفية التي تؤمن بوحدة الوجود والتقشف والزهد المبالغ فيه واعتزال الدنيا وكانت هذه الفرق من أشد مافتك بالدولة بالأخص في فترات النزاع والحروب باتخاذها موقف سلبي دائما تجاه المحتل أو المستبد بل أصبحت ألعوبة في يد المستبدين يسكنون بها الشعوب ويرضخونهم بها.
فكما ذكرت لا يمكن أبدا التوفيق فلا تنخدع.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0