سياسة مختارات مقالات

للجزائر شهداء أرواحهم تحميها !

للجزائر شهداء أرواحهم تحميها !

بقلم: هبة داودي – الجزائر  

دأب صانع القرار التركي إلى توظيف ملف الذاكرة الخاصة بالماضي الاستعماري الفرنسي في الجزائر، في حالة التجاذب القائم مع باريس، لاسيما بعد أن أبرزت باريس من جانبها الملف التاريخي “المؤلم” للأتراك، والخاص بالمجازر ضد الأرمن في الفترة ما بين 1915 ـ 1917، إلا أن الاشكال الذي طالما طرح بشأن هذه المسألة يتمثل في أبعاد ودلالات التوظيف لمثل هذه القضية من قبل أنقرة، والتي لم تخرج من دائرة الحسابات السياسية، بغض النظر عن التاريخ الإستعماري الفرنسي في الجزائر، والذي لا يمكن للزمن محوه من الذاكرة.
وتسعى أنقرة إلى مناكفة فرنسا من خلال استغلال الملف التاريخي المتصل بماضيها الاستعماري في الجزائر، وابراز الجرائم المرتكبة في فترة الاحتلال، ففي ديسمبر 2011 اتهم أردوغان فرنسا بارتكاب جرائم إبادة في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، وجاء تصريح أردوغان بعد يوم واحد من اقرار البرلمان الفرنسي قانونا يجرم انكار المجازر التي ارتكبت ضد الأرمن على أراضي الامبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، ووصف أردوغان آنذاك الخطوة الفرنسية بأنها ستفتح جراحا لا تندمل في العلاقات التركية الفرنسية، وكان ذلك في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي.
واستعمل الرئيس التركي، مجددا، ملف المجازر الفرنسية المرتكبة ضد الجزائريين في ردوده على اتهامات الفرنسيين لبلاده بإبادة الأرمن”، حيث بدا أن أردوغان يتخذ من ملف الذاكرة الجزائرية، وسيلةً لإحراج خصمه، خاصة مع توظيف باريس لملف يحرج أيضا أنقرة، ويتصل بملف حقوق الانسان والذاكرة التاريخية، فإلى جانب قضية الأرمن، تتخذ فرنسا من وضعية الأكراد وسيلة ضغط ومساومة، وتدرج المسألة ضمن الملفات الخلافية التي تستند اليها للحيلولة دون تجسيد مسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن احتضان المعارضين لأنقرة على أراضيها.
المثير للجدل في كل هذا، هو الإستغلال البشع لملف الذاكرة التاريخية الجزائرية من قبل تركيا، من خلال نسيان أو بالأحرى تناسي، أن الجزائري لدغ مرتين من قبل هذا البلد، مرة بثياب العثمانيين، وأخرى بثياب الإفرنجة، وخذله لما ستنجد به عسكريا ودبلوماسيا، ويتواصل الأمر رغم أن الجزائر كانت قد دعت في وقت سابق تركيا إلى الكف عن “المتاجرة بدماء الجزائريين”.
تركيا التي تتاجر اليوم بقضية الجرائم الفرنسية في الجزائر، سلمت الجزائر لفرنسا على خلفية حملة غزوها عام 1830، حيث تحتفظ الذاكرة التاريخية للجزائريين بمواقف اعتبرها البعض طعنة في الظهر، بغض النظر عن موقف الداي حسين، ففي جويلية 1830 وبعد احتلال مدينة الجزائر وتسليمه مفاتيحها لدوبورمون، راسل أحمد باي الذي باشر المقاومة ضد المحتل، السلطان العثماني محمود الثاني، طالبا منه السلاح والمدد للحيلولة دون سقوط الراضي الجزائرية كلها في ايدي جحافل المستعمر، لكن طلب أحمد باي لم يلق أي رد، باستثناء القرار الصادر من نفس السلطان بمنح أحمد باي لقب الباشا، وإرسال بعض من الهدايا إليه، فما كان عليه الا مواصلة المقاومة بالاستعانة بالجزائريين إلى غاية سقوط عاصمة الشرق الجزائري قسنطينة، واستسلام احمد باي في 1848.
وكانت تركيا شريكا لفرنسا في تلك الجرائم، كونها عضوا في حلف شمال الأطلسي منذ 1952، الذي وقف مساندا لفرنسا وقتذاك، ورغم المساندة الشعبية التركية للجزائريين في ثورتهم، إلا أن موقف رئيس الوزراء التركي آنذاك عدنان مندريس كان داعما للمستعمر، كما أن تركيا عارضت استقلال الجزائر في المحافل الدولية، بداية من عام 1955، عندما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة إجراء تصويت لأعضائها لمناقشة “المشكلة الجزائرية”، وكانت تركيا ضمن 26 دولة عارضت قرار المناقشة، وفي 1957 شكر رئيس الوزراء الفرنسي فيليكس جايارد موقف نظيره التركي الذي ظل مساندا لفرنسا ضد الجزائر، حتى بعد أخذ القضية الجزائرية بعدا دوليا، وفي 19 سبتمبر 1958 رفضت عدنان مندريس الإعتراف بالحكومة الجزائرية المؤقتة، وفي ديسمبر 1958، قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتصويت على قرار يمنح الجزائر الحق في تقرير المصير والتفاوض، لكن تركيا ظل موقفها المعادي للجزائر قائما، ونفس السلوك تم تبنيه في 12 ديسمبر 1959، عندما قدم مشروع أفرو آسيوي جديد إلى الأمم المتحدة للتصويت على منح الجزائر الحق في الاستقلال، ليتغير الموقف التركي فقط بعد الإطاحة بمندريس، على خلفية انقلاب الجيش التركي.
وفي الحقيقة، تركيا لم تثر يوميا قضية الجرائم الإستعمارية الفرنسية فيالجزائر، إلا عقب إثارة فرنسا لملف الأرمن، وكان ذلك في عهد الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، الذي كان من بين المتحفظين من انضمام انقرة الى الاتحاد الاوروبي، حينها سارع الاتراك للرد عبر تقديم نائب من الائتلاف الحكومي في البرلمان التركي مشروع قانون يعترف بارتكاب فرنسا حملات إبادة للجزائريين، ومجازر في الهند الصينية، والمساهمة في حملات إبادة في رواندا.

تركيا اليوم، مطالبة بالكف عن استغلال الذاكرة التاريخية للجزائريين، في قضايا مناكفة ما بينها وبين فرنسا، فتركيا الكمالية لم تكن حريصة ولا مهتمة بمآسي الجزائريين ولا بدمائهم التي كانت تسكف، ولا حتى بعد الاعتذار التركي الكتابي الرسمي الذي قدم في عهدة الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد، للاعتذار عن التصويت ضد اللائحة الأممية المطالبة بمنح فرنسا للجزائر استقلالها، ولو أن فرنسا لم تثر جرائم الإبادة التركية للأرمن، ما كان للأتراك أن يواجهوا فرنسا بملفها الأسود في الجزائر، والذي لا يمكن أن يمحوه الزمن، لذا وجب التوقف عن استغلال ملف الذاكرة التاريخية الجزائرية ذريعة طارئة بين الفينة والأخرى، كلما أدت الظروف إلى التنابز ما بين تركيا وفرنسا.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي