اجتماع مختارات مقالات

خطف واغتصاب وقتل

خطف واغتصاب وقتل

بقلم: عبد الهادي مزراري

تقول نظرية في علم الاجتماع، إن فترات الحروب والجوائح والكوارث الطبيعية تجعل الأفراد في المجتمع يبحثون عن السلم والأمان والطعام والمأوى، وتنمو بينهم رغبة التكافل مع تدني حدة الأنانية وتراجع الرغبة في الجريمة”.

هذه النظرية يؤيدها بتحفظ فريق من المحققين الاجتماعيين، يشيرون إلى ظهور انواع أخرى من الجرائم في الفترات العصيبة تنتج أثرياء الحروب، وتجار الكوارث، وأمراء الأوبئة.
في بلادنا ومع اشتداد وطأة جائحة كورونا التي ارتفع عداد التسجيل إلى ما فوق 2000 إصابة يوميا، وفي زحمة الانتكاسة الاقتصادية وتوقف آلاف المغاربة عن العمل في قطاعات كثيرة، استيقظ الرأي العام المغربي الأسبوع الماضي على جريمة اختطاف واغتصاب وقتل، نفذها مغربي في سن الرابع والعشرين ضد طفل في الثانية عشر من عمره.
تبدو في الظاهر جريمة مثل آلاف الجرائم التي نفذت عبر السنين والعقود على يد مجرمين ضد أبرياء في ظروف مختلفة. لكن هناك شيء مميز في الجريمة التي أزهقت طهارة وبراءة وروح الطفل عدنان. إنها وقعت في فترة زمنية كان يفترض أن يكون المجرم ضمن الحالة العامة مع الناس قد تأثروا ولو نسبيا بسطلة المصيبة التي حلت بنا وبكل شعوب الأرض.
جريمة من هذا النوع وعلى يد مجرم من هذا الصنف تكشف في الجهة المقابلة للوضع الاجتماعي والصحي والاقتصادي الذي نعيشه موقف جائحة كورونا منا ولسان حالها يقول لنا “لا حياة لمن تنادي”.
لم يتعظ المجرم في نفسه بعبرة العقاب الجماعي، وأمنت نفسه من كل الملاحقات التي قد تلجمه عن تنفيذ رغبته، فنفذها وهو لا يكثرث لأي عقاب محتمل لأنه حمى نفسه بإخفاء الجريمة ولأنه أمن مكر فعلته حتى قبل فعلها.
المجرم يأمن مكر فعله، هنا مربط الفرس، فالمجرمون يأمنون من العقاب عندما يؤمنون باللاعقاب، وتكون الثقافة العامة المستبدة بهم أنهم في مأمن من الجزاء.
السؤال المؤرق، هو من جعل المجرمين في بلادنا لا يخافون من العقاب؟
هل بسبب ضعف الأحكام القضائية؟ هل بسبب تساهل المشرع الجنائي؟ هل لأن السجن اصبح في نظر المجرمين مجرد منتجع سياحي لقضاء بعض الوقت؟
فعلا يعتبر الجهاز القضائي السد الرئيسي لنهر الجرائم الذي يسيل بدماء وأعراض وعرق الضحايا. وإذا كان هذا السد مخروقا فإنه لن يوقف تدفق الجرائم التي يرتفع منسوبها يوم بعد آخر.
لكن قبل السد هناك المنبع، منبع كل المصائب التي تنخر مجتمعنا من فساد وجرائم وهي في تزايد رهيب، ومصدرها هو ثقافة المجتمع وقناعاته المتأتية من التربية والتعليم والتكوين.
يصبح الأمر فظيعا في مجتمعنا إذا كانت التربية والتعليم والتكوين مجالات تنتج المجرمين، وكيف يحصل ذلك؟
من المفروض أن هذه القطاعات تنشئ رجال صالحين للغد، وليس قتلة ومجرمين وفاسدين، لكن السقوط في النتائج العكسية سببه الجهل والتهاون والتراخي واللامبالاة في الأسر أولا، ثم في المؤسسات التعليمية ثانيا، وبعدها في الشارع العام ثالثا.
في الأسرة، لم يعد للأب الدور البوليسي الذي كان يتمتع به في السابق. وكان من خلاله يضبط الشادة والفاذة في العائلة وهذا في حد ذاته موضوع يحتاج لتحليل يطول.
في المؤسسات التعليمية تنازل المعلمون والاساتذة عن دور التربية واكتفوا بدور التعليم على علاته، ولم يعد للمرفق التعليمي هيبته التي كانت مصدر للاخلاق السليمة والانضباط والاحترام.
في الشارع العام، فقدنا منذ عقود هيبة رجل الدولة شرطيا أو دركيا أو عون سلطة، واختفى الدور التكميلي الذي كان يقوم به لإتمام مهمة الاسرة والمدرسة في ردع النزوات الإجرامية للأطفال والمراهقين والشباب.
لسوء الحظ، تنازلت المؤسسات الأسرية والتعليمية والأمنية عن وظيفة التربية، مقابل ذلك نعق السفهاء المتحلقون حول مأدبة الديموقراطية في أبواق الإعلام ومن منبابر الجمعيات والأحزاب بالدعوات الساقطة لتسفيه الدين والسخرية من الأخلاق والتهجم على الأمن بدعوى حرية الجسد وحق التعبير والاختلاف في الرأي.
مثل هؤلاي يخلقون الجو العام للجريمة ويضعون لها الإطار الثقافي الذي يهين سلطة العقاب في ذهن المجرمين، بل يسعون حتى لإسقاط تلك السلطة ويجعلون مجموعة من الجرائم بدون عقوبات او بعقوبات أخف.

إذا كانت من معركة يجب على المغاربة خوضها في المستقبل، فهي معركتهم بالفكر والتعليم والثقافة ضد هذا النوع من البشر الذي لا توجد في قواميسه كلمات حلال وحرام ومباح وممنوع.
طابت أوقاتكم

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0