سياسة مختارات مقالات

باريس – أنقرة: أزمة مستجدة وليست جديدة

باريس – أنقرة: أزمة مستجدة وليست جديدة

بقلم: هبة داودي – الجزائر

ما تفتأ الأزمة التركية الفرنسية تهدأ حينا، إلا وتعود مجددا إلى واجهة الأحداث، محملة بإرث ثقيل من الملفات الخلافية بين قوة اوروبية وقوة اوروآسياوية صاعدة، أضحت تمثل مصدر قلق بالغ للعديد من الاطراف الاقليمية على دائرة النظام الاقليمي الفرعي المتوسطي، بفعل سياسات الامتداد التركية الافقية والعمودية.
حرب باردة قائمة بين باريس وأنقرة، بأبعاد ومستويات مختلفة، فباريس تشعر بالكثير من الريبة والقلق وتستعين حينا بحلف الناتو وأحيانا أخرى بالاتحاد الاوروبي لكبح جماح المارد التركي، الذي يتهم الأولى بالسعي الى استعادة مستعمراتها القديمة.
وسواء تعلق الأمر بالخلافات التركية اليونانية، حيث تبدي فرنسا انحيازا كاملا لأثينا أو مشاريع الاستكشاف التركية على المحروقات في شرق المتوسط والتموقع التركي في ليبيا ومنطقة الساحل، فإن ملفات الخلاف كثيرة ومتعددة بين الطرفين، فبعد أن كان الحديث يدور حول نموذج تركية- فرنسية للتعاون، ينشر مسؤولون فرنسيون بارزون تصريحات يومية تقريبا، منذ فترة، يشجبون من خلالها التحركات التركية في شرق المتوسط، وليبيا بالخصوص.

ولكن في الواقع، تبقى الخلافات الفرنسية التركية أعقد وأبعد من ذلك على أساس:

اولا: الريبة الفرنسية من التموقع التركي في سوريا مقابل إضعاف موقع باريس في المنطقة، وبروز مؤشرات تفعيل دور تركي في لبنان، التي تعد آخر قلاع ومعاقل النفوذ الفرنسي في منطقة الشرق الاوسط، وعلى هذا الأساس جاء تكثيف التحرك الفرنسي باتجاه لبنان وسوريا والعراق، في سياق إرادة لتحجيم أو الحد من تنامي التأثير التركي بالمنطقة.

ثانيا: قلق باريس بشأن التحرك التركي الكبير في ليبيا، ومشاريع اقامة قواعد عسكرية في مصراتة والجفرة، مقابل عرقلة مشاريع باريس التي تخطط لتواجد عسكري بالجنوب الليبي في الفزان، وهي منطقة تقاطع مع الساحل الافريقي، لاسيما التشاد والنيجر، ولعل الدعم الفرنسي لاقامة المجلس الخاص بالفزان يأتي في سياق التوجه الفرنسي لتكريس تقسيم غير معلن لليبيا، وضمان موئ قدم هناك.

ثالثا: الانتشار التركي المتسارع في الساحل الافريقي، لاسيما بعد الاعلان عن اتفاقية تركية مع النيجر واقامة قاعدة عسكرية، وارساء تعاون عسكري، واستفادة الجيش النيجيري من دورات تكوين وتأهيل، في وقت تعرف فيه علاقات فرنسا مع دول الساحل حالة احتقان وعدم رضا، لاسيما مع بقاء مخاطر التهديد الارهابي في المنطقة، ونشاط المجموعات المسلحة، رغم التدخل الفرنسي العسكري بداية بعملية سيرفال ثم برخان.

رابعا: تكثيف عمليات الاستكشاف في شرق المتوسط، واعلان تركيا اكتشافا غازيا مهما في البحر الاسود، والاتفاق الليبي التركي على رسم الحدود البحرية في نوفمبر 2019، وقد برزت عدة تغيرات منذ ذاك على خلفية تعليق فرنسا في جويلية 2020، مشاركتها في عملية للأمن البحري لحلف شمال الاطلسي للأمن البحري في المتوسط، بسبب خلافاتها مع تركيا حول ليبيا، وبروز مواجهة مكشوفة في المتوسط، في جوان 2020، وصلت ذروتها مع مناوشات بين وحدات عسكرية بحرية، وتوجه باريس الى دعوة اوروبا لاعادة النظر في علاقاتها مع أنقرة، علما بأن باريس كانت من بين اكثر الاطراف مع اليونان، تحفظا عن ارساء مسار انضمام تركيا للإتحاد الاوروبي، كما كانت باريس من بين الداعمين والمشجعين لاحياء ملف الارمن، والمطالبة بالتعويض والاعتراف بما تعتبره جرائم تركية ضد الارمن.

خامسا: مظاهر الخلافات المتعددة، فباريس تشجب التدخلات التركية في سوريا والعراق والحملات ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تدعمها الولايات المتحدة وتصنفها تركيا بـ”كيان إرهابي”، وكذا حزب العمال الكردستاني، بل أن تركيا ترى بغير الرضا احتضان باريس لمعارضين اكراد، خاصة أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسلفه استقبلوا قادة الوحدات الكردية المسلحة.

وعلى مستوى الملف الليبي، و بعد تسجيل تنسيق وتقارب تركي روسي في سوريا، بات الفرنسيون يشجعون روسيا للعب دور كبير في ليبيا، ودعم حليفهم اللواء المتقاعد خليفة حفتر في مواجهة المد التركي الداعم لحكومة الوفاق، والذي قلب موازين القوى في ليبيا، بينما يرى الاتراك أن فرنسا ساعدت على دخول روسيا إلى البحر المتوسط، وهو مؤشر مقلق، بالمقابل فان فرنسا تتهم تركيا بخرق حظر السلاح الى ليبيا الصادر عن مجلس الامن الدولي، فيما تشير تركيا الى دور فرنسي خفي تلعبه في الساحة الليبية.

ومن المتوقع ان تتواصل لعبة التجاذبات التركية الفرنسية لفترة طويلة خاصة مع بروز القوة التركية الصاعدة في العديد من المناطق سواء افريقيا او الشرق الاوسط او آسيا، ومشاريع تشكل خطرا على مصالح القوى التقليدية منها فرنسا، فالى جانب مشاريع مد خطوط الانابيب الاذربيجانية عبر تركيا الى اوروبا، وتوسيع دائرة التأثير التركي في مناطق الساحل بمنح بدائل اقتصادية وعسكرية لدول عديدة، فان باريس تعمل على ابراز عمليات اصطفاف عبر طلب الدعم الاوروبي بالخصوص.

ويلتقي قادة الدول السبع الأعضاء في مجموعة “ميد 7” في محاولة لضبط استراتيجيتهم من أجل تجنب تفاقم الأزمة بين تركيا واليونان، في توجه يراد منه ابراز موقف متشدد حيال انقرة، وتأتي القمة وسط سجال تركي فرنسي بعد أن حث الرئيس ماكرون في 10 سبتمبر على إظهار موقف موحد وحازم تجاه السلوك الذي وصفه ب “غير المقبول” لتركيا في شرق المتوسط.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.