سياسة مختارات مقالات

كلمتان حول الانسحاب الإسرائيلي من غزة

لماذا انسحب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة في سبتمبر 2005م؟

بقلم: د. احمد فايق دلول

في الثاني عشر من أيلول/سبتمبر الجاري يكون قد مضى على انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة 15 سنة. ومن الواجب تسجيل بعض الملاحظات:

ما حدث في 12 سبتمبر 2005م هو إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي وفق خطة شارون لإعادة الانتشار وفك الارتباط أحادي الجانب، ولم يكن انسحاباً بالمفهوم السياسي/القانوني، لأنَّ الجيش الإسرائيلي ما زال يفرض قيوده على قطاع غزة من الجهات الأربع، لدرجة أنَّ غالبية سكان قطاع غزة لا يستطيعون الخروج من معبر بيت حانون شمال غزة، وجزء كبير منهم لا يستطيعون الخروج من معبر رفح الحدودي مع مصر.

أسهمت المقاومة الفلسطينية في تسريع تنفيذ خطة إعادة الانتشار، ولم تكن هي المسبب الرئيس في الخطة حتى وإن قامت بتنفيذ عمليات مختلفة وموجعة ضد المستوطنين في مستوطنات القطاع، وهنا لا يجب إنكار أن شارون قد فشل في إخماد الانتفاضة في القطاع رغم أنها انطلقت في القدس/الضفة، وتأثر سلباً بعملية نتساريم التي قُتل فيها 3 جنود صهاينة.

غزة لم تتحرر، وبقيت كياناً محتلاً بلغة القانون والواقع، ولا نستطيع ننعتها بأنها منطقة محررة، ولا يستطيع أحد أن ينكر هذه الملاحظة، ولا يستطيع أحد أن يُدخل أبسط الاحتياجات اليومية للغزيين بدون موافقة الاحتلال.

العامل الديمغرافي كان الأبرز في عملية إعادة الانتشار، حيث تُعتبر غزة الأعلى في العالم من حيث الكثافة السكانية التي تبلغ في الوقت الحالي نحو 6000 نسمة/كم2.

احد عوامل الانسحاب هي أن القطاع لن يكون صالحاً للعيش حتى عام 2020م، والقطاع بالفعل يشكل اليوم منطقة مكتظة بالسكان آخذة في التحوُّل من اللون الأخضر (الزراعة) إلى اللون الأبيض (المباني) بشكل رأسي وأفقي، والناظر لقطاع غزة من علو يرى كتلة إسمنتية كبيرة جداً.

انسحب شارون من قطاع غزة وقام بإغراقها بالسلاح، فانتشرت ظاهرة طخيخة الأفراح، والاستعراضات المسلحة، وزادت عمليات القتل خارج إطار القانون وكذلك الفلتان الأمني وصولاً إلى الانقسام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والجغرافي في منتصف 2007م.

انسحبت إسرائيل من قطاع غزة ذات الجغرافيا العسكرية “الساقطة”، ولجأت الى الضفة الغربية ذات الجغرافية العسكرية الخطيرة، حيث يشكل القطاع أرضا طُولية منبسطة تفتقر على معطيات الجغرافيا العسكرية، وأعلى ارتفاع فيها من البحر إلى الحدود الشرقية نحو 86 متراً (تبة ال86) بالقرب من صوفا (أي 6 متر لكل كيلو متر)، ويمكن السيطرة عليها، على العكس تماماً من الضفة الغربية المليئة بمعطيات الجغرافيا العسكرية من مرتفعات ومنعرجات وأماكن للتخفي والاختباء.

قام شارون بتوفير التكاليف الكبيرة في الصرف على المستوطنات في قطاع غزة لأجل الاستيطان في الضفة الغربية وخاصة جدار الفصل العنصري الذي جرى تموينه بالأسمنت من خلال أذونات وزارة الاقتصاد في حكومة أحمد قريع أبو علاء.

شكَّل قطاع غزة عبئاً على جميع الأطراف السياسية، وكان منطقة مكلفة جداً للاحتلال (1967-1993)، ورفضت منظمة التحرير إدارة شئونه بدون أريحا، وعانت مصر من إدارته (1948-1967م).

أخيراً؛ مهما يُقال، فقطاع غزة يجسِّد امتداداً لشعب الجبارين الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، لذلك نستطيع القول بأنَّ غزة عصية على الرضوخ لأي حكم عبر التاريخ، وليس غريباً أنَّ القطاع قد شكَّل رافعةً للمشروع الوطن الفلسطيني في التاريخ المعاصر، وكان مقراً لحكومة عموم فلسطين والمجلس الوطني الفلسطيني اللذَين شكلهما الحاج أمين الحسيني بقرار من الجامعة العربية في تموز/يوليو 1948م.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي