علي المرهج
اجتماع تربية مختارات مقالات

الدكتور المرهج يكتب حكاية حياة إخوة يوسف

بقلم/ د. علي المرهج

هو عنوان اخترته لكثر ما فيه من دلالات قرآنية ودلالات اجتماعية، فأنا عشت في وسط أخوة ليسوا أشقاء، ورغم أن الدارج المألوف أن الأخوة غير الأشقاء هم يكيدون لك، وربما تكيد لهم، وكما قيل في المثل العراقي الشعبي (أخوك من أبوك مثل كوم الرافكوك)، بمعنى أنك لا تعرف مقدار وفائهم لك، ولربما يغدرونك في شدتك مثل جماعة رافقتهم في سفر، فلا تأمن لهم.
أشهد أن واحدة من إيجابيات أبي هي وجود (أخوة يوسف)، الذين كلما احتجتهم أثبتوا لي أنهم أفضل من أبناء النبي يعقوب، ولم يكن أبي نبيا!، ولم أكن أنا في المهد صبيا، فأنا أكبرهم وقبلي أخي د.سعيد الشقيق يكبرنا جميعاً.
ولد قاهر أخي الكبير من عائلة أبي الثانية، فوجد أخي (سعيد) يعيش معه، وجاء بعده (ماهر) و (ورقاء) وعبدالخالق) و(أحمد)، فوجدوني ووجدوا (سعيد) معهم، فلم يعرفوا أننا أخوانهم غير الأشقاء، إلا بعد أن كبروا، فلم يدر في خلدهم ولا في خلدنا أن يحقد أحدنا على الآخر، وكنا أنا وسعيد وصلاح الذي يُقارب عمره عمر قاهر وماهر، فهو مواليد 1974، وقاهر مواليد 1975 وماهر مواليد 1976، وورقاء هي مواليد 1978 كمواليد أخي الشقيق عبدالله، وعبدالخالق مواليد 1979، وهكذا استمر أبي وزوجتيه يلدون لنا أخوة نشعر في كل ولادة لأحدهم أن هناك حياة جديدة يمنحها الله لنا.
العجيب أن صلاح أو د. صلال أخينا جميعاً وهو الأخ الشقيق لنا والأخ الروحي لأخوة يوسف شكل النسبة الثابتة فيما بعد لعقد التواصل الروحي بين العائلتين، فهو الجملة الموسيقية التي تنظم فيها وحولها جملة الإنشاد المرهجية.
كان أبي ولا يزال يعتقد أن الأولاد يجلبون الرزق معهم، وأظن أن نظريته اللاعلمية واللاجتماعية نجحت، على قاعدة مثل شعبي (ذبها امطربش، تطلع امهبش)، أي بمعنى اعتمد في حياتك على الحظ، ولا تحسب للعيش حسابات كبيرة تُدخل فيها علوم الرياضيات والاقتصاد!.
كان أبي يعيش وفق المثل الشعبي القائل (اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)!، فعشنا أيام سعد وأيام ضنك، لا سيما في الحصار في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن توقف العمل، وخسر أبي كل (مقالولاته)، وقضى القصف الأمريكي على مؤسسات التصنيع العسكري التي كانت مقاولات أبي في مؤسسات تابعة للتصنيع العسكري، فقد كان يعمل في (النجارة والتسليح) للبنايات، وبعد ضرب مؤسسات التصنيع، ضاع رأس ماله، ولا أدخلكم في تحديات الحصار وكيف كانت تعيش العائلة الكبيرة على الطحين والشاي المغشوش!، فأغلب من عاش في ذلك الزمن الصعب يعرف ضنك الحياة في حينها، ولا أظن حياة العراقيين تختلف كثيراً بين تاجر أو فقير، فكلهم طالهم الحصار بدرجات.
ما يُدهشني هو أبي الذي وصفته في مقالات عدّة بأنه يشبه (زوربا) اليوناني، فهو يستطيع العيش والانسجام مع حياة الترف وحياة الضنك، وليس بعجيب أن يعيش شخص ما حياة الترف، ولكن العجيب (المدهش) (المرير) أنه يمتلك ذات القدرة في تقبل حياة (ضنك العيش)، فكنا في الحصار وبعد توقف العمل نعيش أياماتً على طبخ (أم قاهر) وأقول أمي الثانية على أكل (التمن والماش) مع الدبس في الغداء والعشاء، وكثيراً ما كان لا يتوفر لنا الخبز إلا قليله، فكنا نقتسم رغيف الخبز الواحد ونحن العائلة الكبيرة إلى أربعة أقسام أو أكثر!، ولا أخفيكم أنني لا زلت أعشق (التمن والماش) من يديها، وهي الطباخة الماهرة جداً، بحيث أباهي زوجتي بها لليوم ، فأخاطبها أن أبي محظوظ بزوجتيه، فالأولى (أمي) لا ألذ من طعم مرق الفاصولياء والبامايا من يديها، والثانية لا ألذ من طعم الدجاج وكل أنواع المرق.
يقولون أنك تأكل من نفس المرأة، وحظ أبي حظين إن لم يكن أكثر من ثلاثة حظوظ، فهو كما يُقال (مرزوق) بزوجتيه اللتين يُتقنان الترحيب بالضيوف وإكرامهم، وهو محظوظ بأنه تزوج بفتاتين تصغرانه بالعمر كثيراً، وقد كانا ولا زالتا وفيتين له، ورزقه الله بذرية وأولاد يفتخر بهم.
كثيراً ما تحدثنا نحن الأخوة الأشقاء وغير الأشقاء معاً عن رزق الله لوالدي الذي لم يُتعب نفسه كثيراً في متابعتنا فرزقه بما لم يحلم به أكثر الآباء، ونحن نتعب في تربية أبنائنا وندعوا الله أن يعطينا أولاداً بمثل ما أعطى لأبينا!
على الرغم من أننا تعبنا ولا زلنا نتعب من أجل أن يكون أولادنا في أمكنة أفضل، ولكن أبي كما أظن منحه الله من فيض محبته له، فلم يرتضي أن يُتعبه في متابعتنا، حتي حسدته فأسميته (مدلل الله)!
لا تظنوا بأنني أجمل لكم الحياة، فقد كان فيها من المعاناة ما لا يمكن أن تُمليه صحائفاَ، ولكنني اخترت الأجمل في علاقات الأخوة، وهبة الله للآباء من حيث لا يحتسبون، وما قدر الله ومشاء فعل، وسأبدو لكم أنني في مقالي هذا قدرياً، أي أنني أؤمن بقدر الله وقدرته، وبمقدار حياتي مع أخوتي الأشقاء وغير الأشقاء وحياة أبي أجد أن هذا الإيمان تجربة ذاتية لا أفرضها على آخر ولا أعتقد بصحتها وفق مقاسات عقلية أو تجريبية، ولكنها حياة عشتها!.
صدقوا أنني أعيش الحياة بنكهة الأشقاء بطعم طبيعي (فطري)، ولكنني أستنشق حياة (أخوة يوسف) لأجدهم معي يحفون بي ويسألون عني وهم أحبتي الذين لا أستغني عنهم ولن أستطيع.
هم يُحبون مخاطبتي لهم بـ (أخوة يوسف) وييبتسمون، بل يضحكون، ويقولون لي لو الله سد (الجبَ) وخلصنه منك… ههههه، جان خلصنه من هالسالفة!!.
طبعاً من كثر طلباتي وتكليفي لهم، فبعضهم وهذا هو (عبدالخالق) (يرفس (ابطني) وأرفس ببطنه ألف رفسه) وحينما أطلبه يأتيني مسرعاً وضاحكاً ومبتسماً، فيقول لي “هات خويه ذكرتني شعندك من شغله” فأصدقه القول لأخطابه”والله يا أخوة يوسف ما أتذكركم إلا بالشدات” خو مو آني نبي راح أوزع عليكم مكرمات” فنضحك جميعاً، ضحكة من أعماق القلب.
(شوفوا ماهر من أخوة يوسف هو الذي أشرف على بناء بيتي، وقاهر الذي أشاكسهه وأبتسم حين رؤيته، وهو يبتسم لأنني أعرفه وأعرف سوالفه).
هاي مرة أسوق بسيارتي وقاهر ركب بالصدر، وهو ما يتحمل، فكمت أضرب بريك بكل طسه وبلا طسه، فآني أخوه الجبير، واتحمل، وظليت كلساع أضرب بريك، متقصد..ههههه، وهو صابر، وبعدين طفرت روحه ولت إلكم هو ميكدر يصبر وحتى يكفر، بس صبر، وبطسه جبيرة وضربت بريك قوي طفرت روحه وكال (خرب…..، خظيت معدتي وألعن الساعة الصعدت بيها وياك، الله ورطني بغشيم)!!.
(المهم الحجي هوي، بس ردت أكلكم من زينات أبوي وجود (أخوة يوسف) في حياتي/، الذين زينوها وجملوها بضحكاتهم ومحبتهم).
طبعاً عندي خوان هواي أشقاء وغير أشقاء ولكل واحد منهم عندي ذاكرة جميلة، وبعضهم بمثابة أولاد لي بسبب فارق العمر.
وللحديث تتمة…..
إخوة يوسف
هو عنوان اخترته لكثر ما فيه من دلالات قرآنية ودلالات اجتماعية، فأنا عشت في وسط أخوة ليسوا أشقاء، ورغم أن الدارج المألوف أن الأخوة غير الأشقاء هم يكيدون لك، وربما تكيد لهم، وكما قيل في المثل العراقي الشعبي (أخوك من أبوك مثل كوم الرافكوك)، بمعنى أنك لا تعرف مقدار وفائهم لك، ولربما يغدرونك في شدتك مثل جماعة رافقتهم في سفر، فلا تأمن لهم.
أشهد أن واحدة من إيجابيات أبي هي وجود (أخوة يوسف)، الذين كلما احتجتهم أثبتوا لي أنهم أفضل من أبناء النبي يعقوب، ولم يكن أبي نبيا!، ولم أكن أنا في المهد صبيا، فأنا أكبرهم وقبلي أخي د.سعيد الشقيق يكبرنا جميعاً.
ولد قاهر أخي الكبير من عائلة أبي الثانية، فوجد أخي (سعيد) يعيش معه، وجاء بعده (ماهر) و (ورقاء) وعبدالخالق) و(أحمد)، فوجدوني ووجدوا (سعيد) معهم، فلم يعرفوا أننا أخوانهم غير الأشقاء، إلا بعد أن كبروا، فلم يدر في خلدهم ولا في خلدنا أن يحقد أحدنا على الآخر، وكنا أنا وسعيد وصلاح الذي يُقارب عمره عمر قاهر وماهر، فهو مواليد 1974، وقاهر مواليد 1975 وماهر مواليد 1976، وورقاء هي مواليد 1978 كمواليد أخي الشقيق عبدالله، وعبدالخالق مواليد 1979، وهكذا استمر أبي وزوجتيه يلدون لنا أخوة نشعر في كل ولادة لأحدهم أن هناك حياة جديدة يمنحها الله لنا.
العجيب أن صلاح أو د. صلال أخينا جميعاً وهو الأخ الشقيق لنا والأخ الروحي لأخوة يوسف شكل النسبة الثابتة فيما بعد لعقد التواصل الروحي بين العائلتين، فهو الجملة الموسيقية التي تنظم فيها وحولها جملة الإنشاد المرهجية.
كان أبي ولا يزال يعتقد أن الأولاد يجلبون الرزق معهم، وأظن أن نظريته اللاعلمية واللاجتماعية نجحت، على قاعدة مثل شعبي (ذبها امطربش، تطلع امهبش)، أي بمعنى اعتمد في حياتك على الحظ، ولا تحسب للعيش حسابات كبيرة تُدخل فيها علوم الرياضيات والاقتصاد!.
كان أبي يعيش وفق المثل الشعبي القائل (اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)!، فعشنا أيام سعد وأيام ضنك، لا سيما في الحصار في تسعينيات القرن الماضي، بعد أن توقف العمل، وخسر أبي كل (مقالولاته)، وقضى القصف الأمريكي على مؤسسات التصنيع العسكري التي كانت مقاولات أبي في مؤسسات تابعة للتصنيع العسكري، فقد كان يعمل في (النجارة والتسليح) للبنايات، وبعد ضرب مؤسسات التصنيع، ضاع رأس ماله، ولا أدخلكم في تحديات الحصار وكيف كانت تعيش العائلة الكبيرة على الطحين والشاي المغشوش!، فأغلب من عاش في ذلك الزمن الصعب يعرف ضنك الحياة في حينها، ولا أظن حياة العراقيين تختلف كثيراً بين تاجر أو فقير، فكلهم طالهم الحصار بدرجات.
ما يُدهشني هو أبي الذي وصفته في مقالات عدّة بأنه يشبه (زوربا) اليوناني، فهو يستطيع العيش والانسجام مع حياة الترف وحياة الضنك، وليس بعجيب أن يعيش شخص ما حياة الترف، ولكن العجيب (المدهش) (المرير) أنه يمتلك ذات القدرة في تقبل حياة (ضنك العيش)، فكنا في الحصار وبعد توقف العمل نعيش أياماتً على طبخ (أم قاهر) وأقول أمي الثانية على أكل (التمن والماش) مع الدبس في الغداء والعشاء، وكثيراً ما كان لا يتوفر لنا الخبز إلا قليله، فكنا نقتسم رغيف الخبز الواحد ونحن العائلة الكبيرة إلى أربعة أقسام أو أكثر!، ولا أخفيكم أنني لا زلت أعشق (التمن والماش) من يديها، وهي الطباخة الماهرة جداً، بحيث أباهي زوجتي بها لليوم ، فأخاطبها أن أبي محظوظ بزوجتيه، فالأولى (أمي) لا ألذ من طعم مرق الفاصولياء والبامايا من يديها، والثانية لا ألذ من طعم الدجاج وكل أنواع المرق.
يقولون أنك تأكل من نفس المرأة، وحظ أبي حظين إن لم يكن أكثر من ثلاثة حظوظ، فهو كما يُقال (مرزوق) بزوجتيه اللتين يُتقنان الترحيب بالضيوف وإكرامهم، وهو محظوظ بأنه تزوج بفتاتين تصغرانه بالعمر كثيراً، وقد كانا ولا زالتا وفيتين له، ورزقه الله بذرية وأولاد يفتخر بهم.
كثيراً ما تحدثنا نحن الأخوة الأشقاء وغير الأشقاء معاً عن رزق الله لوالدي الذي لم يُتعب نفسه كثيراً في متابعتنا فرزقه بما لم يحلم به أكثر الآباء، ونحن نتعب في تربية أبنائنا وندعوا الله أن يعطينا أولاداً بمثل ما أعطى لأبينا!.
على الرغم من أننا تعبنا ولا زلنا نتعب من أجل أن يكون أولادنا في أمكنة أفضل، ولكن أبي كما أظن منحه الله من فيض محبته له، فلم يرتضي أن يُتعبه في متابعتنا، حتي حسدته فأسميته (مدلل الله)!.
لا تظنوا بأنني أجمل لكم الحياة، فقد كان فيها من المعاناة ما لا يمكن أن تُمليه صحائفاَ، ولكنني اخترت الأجمل في علاقات الأخوة، وهبة الله للآباء من حيث لا يحتسبون، وما قدر الله ومشاء فعل، وسأبدو لكم أنني في مقالي هذا قدرياً، أي أنني أؤمن بقدر الله وقدرته، وبمقدار حياتي مع أخوتي الأشقاء وغير الأشقاء وحياة أبي أجد أن هذا الإيمان تجربة ذاتية لا أفرضها على آخر ولا أعتقد بصحتها وفق مقاسات عقلية أو تجريبية، ولكنها حياة عشتها!.
صدقوا أنني أعيش الحياة بنكهة الأشقاء بطعم طبيعي (فطري)، ولكنني أستنشق حياة (أخوة يوسف) لأجدهم معي يحفون بي ويسألون عني وهم أحبتي الذين لا أستغني عنهم ولن أستطيع.
هم يُحبون مخاطبتي لهم بـ (أخوة يوسف) وييبتسمون، بل يضحكون، ويقولون لي لو الله سد (الجبَ) وخلصنه منك… ههههه، جان خلصنه من هالسالفة!!.
طبعاً من كثر طلباتي وتكليفي لهم، فبعضهم وهذا هو (عبدالخالق) (يرفس (ابطني) وأرفس ببطنه ألف رفسه) وحينما أطلبه يأتيني مسرعاً وضاحكاً ومبتسماً، فيقول لي “هات خويه ذكرتني شعندك من شغله” فأصدقه القول لأخطابه”والله يا أخوة يوسف ما أتذكركم إلا بالشدات” خو مو آني نبي راح أوزع عليكم مكرمات” فنضحك جميعاً، ضحكة من أعماق القلب.
(شوفوا ماهر من أخوة يوسف هو الذي أشرف على بناء بيتي، وقاهر الذي أشاكسهه وأبتسم حين رؤيته، وهو يبتسم لأنني أعرفه وأعرف سوالفه).
هاي مرة أسوق بسيارتي وقاهر ركب بالصدر، وهو ما يتحمل، فكمت أضرب بريك بكل طسه وبلا طسه، فآني أخوه الجبير، واتحمل، وظليت كلساع أضرب بريك، متقصد..ههههه، وهو صابر، وبعدين طفرت روحه ولت إلكم هو ميكدر يصبر وحتى يكفر، بس صبر، وبطسه جبيرة وضربت بريك قوي طفرت روحه وكال (خرب…..، خظيت معدتي وألعن الساعة الصعدت بيها وياك، الله ورطني بغشيم)!!.
(المهم الحجي هوي، بس ردت أكلكم من زينات أبوي وجود (أخوة يوسف) في حياتي/، الذين زينوها وجملوها بضحكاتهم ومحبتهم).
طبعاً عندي خوان هواي أشقاء وغير أشقاء ولكل واحد منهم عندي ذاكرة جميلة، وبعضهم بمثابة أولاد لي بسبب فارق العمر.
وللحديث تتمة…..
Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق