فكر مختارات مقالات

مونتسكيو و دليل المواطن العراقي إلى الإصلاح

مونتسكيو و دليل المواطن العراقي إلى الإصلاح

بقلم المفكر العراقي: علي حسين

هذا العام سيكون قد مر 331 عاما على ولادة رجل ارتبطت باسمه عبارة ” الفصل بين السلطات ” ، ومعها فكرة الحكومة العادلة المستنيرة .. وقد عرف العرب صاحب هذه العبارة قبل ما يزيد على ” 180 “  عاما حين قرر رفاعة رافع الطهطاوي أن يترجم كتاب مونتسكيو ” روح الشرائع ” بعد عودته من باريس عام 1831 ، حيث اراد ان يهدي الكتاب إلى حاكم مصر محمد علي ، ويقال ان محمد علي طلب منه ان يترجم كتاب مكيافيلي ” الامير ” ، وأيا كانت صحة المعلومة ، فإن كتاب مونتسكيو ” روح الشرائع” لايزال يعد الكتاب الأشهر سواء لدى الذين لم يقرأوه مثلما هو شهير لدى الذين قرأوه ، حاله في هذا حال كتاب رأس المال لماركس، الكل يردده ويتغنى به ، لكن نادراً ما تجد احد قد اكمل اجزاءه .. وسنجد ملامح من تاثير كتاب روح الشرائع على تفكير رفاعة الطهطاوي في كتابه الشهير ” تخليص الأبريز في تلخيص باريز ” الذي صدر عام 1831 والذي حاول أن يضمنه بعض افكار مونتسكيو ، مسلطا الضوء على مفهوم العدالة في فرنسا فيكتب في ” الابريز “:” فهذا الدستور يملي على الحاكم ان يحكم بالعدل والانصاف ، فذلك من اسباب تعمير الممالك وراحة العباد ، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلما ابدا ، والعدل اساس العمران ، هناك تسود المساواة بين سائر من يوجد في فرنسا .. حتى ان الدعوى الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره ” .

يكتب فكتور هيجو ان :” خير الكتب هو ذلك الذي يثير الاسئلة ، ويعيد تنظيم عقول الناس “.. وكتاب ” روح الشرائع ” لمونتسكيو الذي صدر في جنيف عام 1748 ، في مجلدين من القطع الكبير من دون ان يجرؤ المؤلف على وضع اسمه على الكتاب من هذه العينة من الكتب ..حيث سيجد الناس لاول مرة امامهم من يكتب ان كل حكومة صالحة تميز في داخلها بين الشرعي والتنفيذي والقانوني ، فالفصل بينهما واستقلال كل منها عن الآخرى  يضمن الاعتدال والامن والحرية .

في الخامس عشر من شهر أيلول عام 1789، سينشر جان بول مارا أحد قادة الثورة الفرنسية مقالاً في صحيفة”صديق الشعب”يقدم فيه شرحاً مفصلاً لكتاب ” روح الشرائع” ، مشيداً بالكاتب الذي اعتبره الرجل الذي سيغير وجه التاريخ قائلاً إن مونتسكيو”احترم الآراء التي تؤمّن سلامة المجتمع، ولم يهاجم قط إلا الأحكام المسبقة الضارة. لكنه لكي يطهّر الأرض منها، لم يتخذ على الإطلاق نبرة المصلح الواثق من نفسه”..وقبل هذا التاريخ كان الإمبراطور فريدريك الثاني لا ينام قبل أن يقرأ فقرات من كتاب مونتسكيو، فيما كتبت كاترين ملكة روسيا الى مونتسكيو تحيي فيه هذا الذهن الصافي الذي أنتج مثل هذا الكتاب العظيم، وإنها عندما وضعت القوانين الجديدة لروسيا أصرت أن تملأها بمقتطفات من مونتسكيو، وصار الكتاب أشبه بمدرسة قانونية في إيطاليا، حيث أعلن عدد من رجال القانون في روما إنهم تلاميذ عند مونتسكيو، وكان استقبال روح الشرائع في إنكلترا استقبالاً حماسياً، فقد سارع الإنكليز الى تفسير دستورهم كما فسره مونتسكيو في كتابه، ويقال إن نسخة من روح الشرائع كانت على طاولة مجلس العموم الانكليزي بشكل دائم.

استقبل كتاب مونتسكيو عند ظهوره بنجاح كبير حيث تكتب المجلة الأدبية الفرنسية إن مونتسكيو :”أدار رؤوس الفرنسيين جميعاً”، وظهرت خلال العام الأول اثنتان وعشرون طبعة وكتب عنه فولتير :”لقد أضاع الجنس البشري صكوك ملكيته، فعثر السيد مونتسكيو عليها، وردها إليه”ووجد فيه رجال الكنيسة إساءة للكتب المقدسة.

ولد شارل لوي دي سيكوندا المعروف باسم مونتسكيو في الثامن عشر من كانون الثاني عام 1689 بمدينة بوردو غربي فرنسا لعائلة تعمل في تجارة الأراضي، كان طفلاً مشاغباً كما تصفه أمّه التي كانت ابنة أحد تجار بريطانيا، قرر والِداه أن يدخل مدرسة يشرف عليها جماعة الخطباء، وهي جماعة ذات نزعات متحررة تجديدية، تعنى بتدريس أصول الخطابة والبلاغة والتاريخ، في التاسعة عشرة من عمره يحصل على شهادة في القانون ليعين مدرساً باكاديمية”بوردو”بعدها يسافر الى باريس هناك يبدأ تأليف كتابه”رسائل فارسية”الذي صدر عام 1721 وفيه يدرس العبادات الشرقية ويقارنها بالتقاليد الغربية، وفي نفس العام يصدر له كتاب بعنوان”ملحوظات عن الثروة وأسبابها”ويعد هذا الكتاب بمثابة مقدمة لكتابة الضخم”روح الشرائع”، بعدها يعود الى مدينته بوردو حيث يدخل البرلمان، وفي عام 1725 ينتخب رئيساً لبرلمان بوردو، وفي خطبة الإفتتاح يهاجم الاتجار بالمناصب القضائية والسياسية، كما سخر من جهل القضاة وطالب أن يطبق القانون على الناس من دون تفرقة، وكانت لكلمات مونتسكيو وكتاباته عن سوء القضاء، أثر كبير في الدعوة الى إصلاح القضاء الفرنسي، في تلك السنوات عقد صداقات مع فولتير وديدرو، لكنه لم يكن معجباً بأفكار جان جاك روسو، كما أجرى اتصالات مع الفيلسوف الانكليزي ديفيد هيوم، وبعث برسائل الى العالم الكبير إسحاق نيوتن يناقشه في قانون الجاذبية..كما أجرى محاورات مع الإنكليزي جون لوك، حيث كان لهذه المحاورات أكبر الأثر في خلق مبدأ جديد من مبادئ الديمقراطية الانكليزية، وهو مبدأ فصل السلطات الذي أخذت به فيما بعد كل دساتير العالم.. يتفرغ بين الأعوام 1734 و1748 لتأليف كتابه الشهير”روح الشرائع”، بعدها يتفرغ لكتابة يومياته التي صدرت بعد وفاته عام 1755 بعنوان”أفكاري”.

ظهر كتاب روح الشرائع في الخامس من تشرين الثاني عام 1748 ويكتب في المقدمة إنه عمل في هذا الكتاب طوال حياته :”هذا الكتاب ليس كتاباً بقدر ما هو حياة..فليس فيه عشرون سنة من العمل وحسب، بل أن فيه حقاً حياة فكرية بكاملها، بتصوراتها الكبرى، وبطرائقها الصغيرة، ومطالعاتها، ومعرفتها، وتخيلاتها، ومباهجها، وخبثها، وتباينها، وتناقضاتها.. لقد بدأت العمل في هذا الكتاب مرّات كثيرة، ومرّات كثيرة هجرته، ألف مرة ألقيت الأوراق التي كتبتها للرياح، كنت أشعر كل يوم بأنه قد سقط في يدي، وكنت أُلاحقْ هدفي دون خطة مرسومة، لم أكن أعرف القواعد ولا الشذوذ عن القاعدة، ولم أكن أعثر على الحقيقة إلا لأضيعها، ولكن، عندما اكتشفت مبادئي، أقبل نحوي كل ما كنت أبحث عنه”.

يتناول مونتسكيو في”روح الشرائع”فكرة اختلاف الأنظمة السياسية باختلاف القوميات حيث يقسم كتابه الى واحد وثلاثين باباً تشمل عدة دراسات تفصيلية في مختلف مجالات العلوم السياسية مثل علوم تطوير الأجناس البشرية والاجتماع السياسي والبيئي والجغرافيا السياسية والسلوك السياسي الى جانب الدراسات القانونية :”لقد وضعت المبادئ، ورأيت الأحوال الجزئية تنحني أمامها، وكأنها تنحني تلقائياً، ورأيت تواريخ جميع الأمم لاتعدو أن تكون نتائج لها، ورأيت كل قانون جزئي مرتبطاً بقانون آخر أو تابعاً لقانون آخر أكثر عمومية”..ونجد مونتسكيو وهو يكتب”روح الشرائع”يسعى لفتح حوار مع عدد كبير من المفكرين ومؤلفاتهم وأبرزها كتاب الجمهورية لأفلاطون والسياسة لأرسطو والأعمال الأخلاقية لبلوتارخس والأمير لميكافيللي واليوتوبيا لتوماس مور وكتاب المواطن لهوبز وبحث عن الحكومة المدنية لجون لوك وقانون الأمم لبوفندرون، إضافة الى مؤلفات من الهند والصين، ويكتب مونتسكيو في المقدمة إن كتابه :”ليس توجيه النقد اللاذع للأنظمة القائمة لدى مختلف الأقوام، وإنما شرحها وتفسيرها”، ويصر مونتسكيو على أن الملكية الدستورية أفضل أشكال الحكم، ولهذا نجده في الكتاب يسخر الحكم المطلق لأنه :”مضاد لكل ما يمتّ الى الإنسان والإنسانية بصلة من الصِلات”.

ورأى مونتسكيو إن القوانين هي أساس تنظيم المجتمع وتوزيع الحقوق والواجبات على الأفراد، ونجده يعطي تعريفاً اجتماعياً للقوانين باعتبارها ظواهر اجتماعية مكتسبة تقوم على البيئة الجغرافية والمحيط والظروف والعوامل الأخلاقية. وإن القوانين تستمد أسسها من طبيعة الناس ومن بيئتهم الاجتماعية، فلأول مرّة نجد مفكراً يؤكد على أن القوانين هي ظواهر اجتماعية تتفاعل فيها عناصر مختلفة كالطبيعة والمناخ والأخلاق والظروف الاجتماعية..يكتب في القسم الأول من الكتاب إن”القوانين في أوسع معانيها عبارة عن علاقات ضرورية تشتق من طبيعة الأشياء، ولكل الموجودات قوانينها بهذا المعنى”والقوانين بنظر مونتسكيو ليست إلا علاقات بين قوى متفاعلة يؤثر بعضها في بعضها، ويتأثر بعضها ببعض، وهذه القوى على نوعين فيزيائية ومعنوية أو أخلاقية، فالطبيعة ومبادئ الحكومات والتعليم والضرائب والمناخ وعادات الأمة وتقاليدها وعدد السكان والدين السائد، كل تلك القوى تتفاعل، والقوانين ليست سوى تلك العلاقات التي تنتج عن ذلك التفاعل بشكل ضروري، ويسخر مونتسكيو من الفلاسفة الذين أخضعوا القوانين والظواهر الطبيعية التي تسود العالم إلى قدرية عمياء، إذ كيف :”نتصور أن تخلق هذه القدرية موجودات مفكرة”.

بعد أن يحدد لنا مونتسكيو طبيعة القوانين يقدم في الفصول التالية خريطة لأنظمة الحكم والتي يقسمها الى ثلاثة، أنظمة مستبدة وأنظمة ملكية وأنظمة جمهورية، ونجده يناقش الشرائع التي يقوم عليها كل نظام من هذه الأنظمة :”إن النظام المستبد هو شكل تنحدر إليه كل أشكال الحكم إذا تطرّق إليها الفساد، والحكم الملكي هو الذي يتولى الحكم فيه شخص واحد وفق قوانين واضحة لايتعداها، أما الطغيان فهو يقوم على شخص واحد يحكم بلا قانون ولا قاعدة إلا أهواؤه وعواطفه، والحكم الجمهوري هو أن يحكم الشعب أو مَنْ يمثلونه وفق قواعد نيابية خاصة وتلك هي الديمقراطية”وفي فقرة أخرى يحدد المسؤولية القانونية لهذه الأنواع من الحكم :”القوانين تحت الحكم الجمهوري تعني التمسك بواجب المواطن الشريف، أي بتضحية المصالح الفردية إزاء المصالح العامة، أما القوانين في الحكم الملكي فأساسها الشرف وثقة الشعب في ملكه، أما قوانين حكم الطغيان فهي الخوف والرهبة لأن الرعايا ليسوا أحراراً بل عبيد أذلاء للطاغية الذي يبقى حكمه مرتكزاً على هذه الرهبة من جبروته وسلطانه. فيما يفرد فصلاً خاصاً يعالج فيه موضوعة الحرية السياسية التي يؤكد فيها إن وجودها دليل على أن النظام معتدل، فهو يعترف بأن الحرية هي”حق الإنسان في أن يفعل كل ما تسمح له به الشرائع”. بعدها نجده وفي الفصول الأخرى من الكتاب يناقش تأثير الأخلاق في القوانين، والتجارة، واستخدام النقود، والعلاقة بين زيادة عدد السكان والقوانين، ثم علاقة الدين بالدولة ويكتب في هذا الفصل هذه العبارة المؤثرة : تفسد الأنظمة عندما تنتزع بالتدريج صلاحيات الهيئات، لتمضي الى استبدادية فرد واحد”.

عندما توفي مونتسكيو عام 1755 كان قد فقد بصره، تلاحقه اتهامات الكنيسة التي اعتبرته أحد تلامذة الملحد سبينوزا، إلا أن جان جاك روسو سيكتب”لقد حرك الفكر البشري وسما به على نحو من الانحاء”.. وسينشر روسو بعد أربعة عشر عاما من ظهور روح الشرائع كتاباً يحيي فيه روح مونتسكيو الوثابة وسيكون الكتاب بعنوان”في العقد الاجتماعي”.

العام 1959 سيصدر احد اساتذة دار المعلمين العالي في باريس كتابا بعنوان ” ” مونتسكيو .. السياسة والتاريخ ” ، وهو مجموعة محاضرات كان يلقيها على طلبته .. أما الاستاذ فهو  ” لويس التوسير ” المولود عام 1918 في بيرماندرايس في الجزائر ، وكان في بداية حياته ينوي دراسة اللاهوت ، لكنه تحول الى الفلسفة .. كان عند صدوره كتابه عن مونتسكيو رجلا رشيق القوام ، يهوى لعبة التنس ويعتبرها جزءً من الفلسفة ، لكن دائما ما يشاهده طلبته حزينا كئيباً .. غير ميال الى الاختلاط بالاخرين ، يتجمع حوله عدد من ابرز طلبته ، منهم جاك دريدا ، ريجيس دوبريه  ، ميشيل فوكو ، اما صديقه المقرب فقد كان استاذا في علم النفس اسمه جاك لاكان  ، سيكتب فيما بعد عن جان جاك روسو ونظريته في العقد  الاجتماعي، وعن الاعيب السياسة عند مكيافيلي ، وكتاب بعنوان ” بيانات فيورباخ ” ، وقراءة فلسفية لسبينوزا ، وكتاب ” لينين والفلسفة ” ثم كتاب ” دفاعا عن ماركس ” الذي كان اشبه بقنبلة انفجرت في اوساط الماركسيين ، بعدها سيثير كتابه ” قراءة راس المال ” الذي احدث ضجة كبيرة حيث اتُهم من خلاله بأنه يريد تحريف أفكار ماركس. وتصدى له غارودي الذي قال ان التوسير يريد ان يحصل على الشهرة من خلال مشاكسة ماركس ، فيما كتب سارتر في “الأزمنة الحديثة” ان صاحب هذه القراءة يريد ان يغازل البنيوية على حساب أفكار ماركس الأساسية. ويضيف سارتر ان التوسير يخلط بين التحليل النفسي والتحليل الثقافي للظواهر ، لم يرُد التوسير على الحملة ولا على قرار طرده من الحزب الشيوعي ، فهو كان مهتماً بالدرجة الأولى بتخليص ماركس من الاشتراكيين الذين لا يرون فيه سوى وجه المنظّر السياسي ، منبهاً الى ان السير في هذا الطريق سيؤدي الى ضياع ماركس الحقيقي ..وقد عبر التوسير عن استياءه من وصف ما ركسيته بانها ماركسية بنيوية  قائلا في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه ” قراءة راس المال “: ” ان الاتجاه العميق الذي يسود كل كتاباتي ، على الرغم من الالتباسات اللفظية الراجعة الى استخدام بعض المصطلحات ، لا يرتبط بايدلوجية البنيوية ، فان من حق القارئ ان يتساءل عن هذا الالتباس ، ولهذا ساؤكد بوضوح شديد ان الفلسفة التي ادعو اليها فلسفة ماركسية ” .

ولهذا يكتب في قراءة رأس المال :”ان العودة الى ماركس فيلسوف التقنية والاقتصاد والاجتماع ، أمر في غاية الإنصاف، لأنه يعيد الاعتبار الحقيقي لهذا المفكر الإنساني الكبير .”

كان كتاب  “قراءة رأس المال” في البداية قد بني على ندوة حول مخطوطات كارل ماركس  أُقيمت في باريس أوائل عام 1965 -نشرت المخطوطات بالعربية 1977- وشارك فيها، إلى جانب ألتوسير وفوكو ، عدد من تلامذة ألتوسير. وهذه الندوة ، كما الكتاب بعد شهور، أثارت صخباً شديداً في الأوساط الماركسية التقليدية، لأن ألتوسير، الساعي يومها الى قراءة كتاب ماركس ” راس المال “   على ضوء أبعاده الفلسفية والاقتصادية، وربما الاجتماعية  ايضاً، كان مهتماً بتخليص ماركس مما سماه بـ التبسيط الذي مارسته الانظمة الشيوعية على افكار ماركس  . وعلى ضوء هذا الاهتمام، لم يكن غريباً، ان يحاول  ألتوسير ان يجمع بين راسين في الحلال كما كتب غارودي  في نقده لكتاب قراءة راس المال ويقصد الجمع بين ماركس وفرويد ، وهي المحاولة التي قال عنها التوسير في مقدمة كتابه انها  ، إعادة إحياء ماركس المفكر ، وفرويد صاحب المنهج ، كان التوسير يسعى  الى  تخليص فكر ماركس من كل نزعة مؤدلجة وإعادته الى مركزيته التاريخية . فـكتاب “رأس المال” بالنسبة إليه، ليس كتاباً يبني فكراً ونظاماً بديلين للرأسمالية بل هو كتاب يدرس الرأسمالية نفسها، على ضوء معطيات تاريخها وارتباطها بالمجتمعات التي نمت داخلها .

في كتابه ” مونتسكيو ..السياسة والتاريخ ” يعيد ألتوسير النظر في كتاب ” روح الشرائع ” كتراث فكري انساني مهم . ويتساءل في الكتاب عن نشوء اسطورة فصل السلطات عند مونتسكيو ، ثم يتساءل ثانية اذا كان في الامر اسطورة ، فما الاسهام الحقيقي الذي قدمه مونتسكيو بكتابه ” روح الشرائع ” ..في كتابه سيقسم ألتوسير الحديث عن مونتسكيو الى قسمين يختص الاول بمشكلة الفصل بين السلطات ، اما الثاني فيختص بدراسة لنص كتاب ” روح الشرائع “  ومنها يستخلص ألتوسير ما يعده اسهاما حقيقيا في الفكر السياسي معتمدا في ذلك على مشكلات عصر مونتسكيو السياسية وعلى اسهامات مفكرين آخرين في نفس العصر .. ولهذا سيصبح كتاب ألتوسير دراسة تنتمي الى تلك الاعمال التي تعيد النظر في تراث الماضي مما يثري الحاضر ، ومما يجعل الوشائج بين الماضي والحاضر خصبة بشكل دائم .

يكتب ألتوسير في مقدمة كتاب ” مونتسكيو .. السياسة والتاريخ “: أود فقط ان اعطي عن هذه الشخصية التي تراها منحوتة في الرخام ، صورة حية بعض الشيء ، عن مفكر أبقاه شغف الحقوق والسياسة لا هثا حتى النهاية ، وابقى عينيه على الكتب متعجلا كسب السباق الوحيد الذي رغب من كل قلبه باحرازه حتى الموت ، انه العمل المتواصل من اجل تحقيق الهدف ” .

في تشرين الاول من عام  1990 يغادر لويس ألتوسير عالمنا ، وسيكتب تلميذه جاك دريدا :”  ما أحبه اكثر فيه بلا شك انه كان على الدوام يؤمن بأن الكلمات تنتج افعالاً مدوية . 

منذ ان بدأت بكتابة هذه الموضوعات التي يسميها البعض ” مطولات ” ، كنت ولا زلت اشعر بالحاجة الملحة الى مناقشة الموضوعات الجادة في مختلف اوجهها ، ولعل الدافع الاساسي لكتابة هذه الموضوعات هو اعتقادي الراسخ بان التطور والاصلاح  تكون فرصته اكبر للتحقق كلما استطعنا ان ننبه اليه بشكل عملي ، بعيدا عن الشكوى والبحث عن في خطب السياسيين وتقلباتهم .

ان عصر النهضة الاوربية كان بلا شك من عصور الاصلاح العظيمة في التاريخ ، ولكن كم تكون دهشتنا كبيرة لو عرفنا ان اية شخصية عظيمة من الشخصيات التي قامت على اكتافها نهضة الاصلاح ، ، كانت مدفوعة برغبة الى العمل لتحقيق هذا الاصلاح ، اكثر من الرغبة الى المناكفة .

كان مايكل انجلو مشغولاً بالرغبة في التعبير عن جمال الجسم البشري ، مثلما كان مكيافيلي مشغولا بالرغبة في مساعدة الامير على توحيد ايطاليا ، وكان فولتير يخط رسائله الفلسفية ليصبح جزءاً من حركة عظيمة تسمى “التنوير”  ، مثلما  سيصبح مونتسكيو علامة مضيئة في تاريخ حركة الاصلاح السياسي ، والامر يتعلق أيضا برفاعة الطهطاوي الذي استغل قربه من الحاكم لينشيء مدرسة للألسن ، مهمتها تعليم الشباب اللغات وحثهم على ترجمة أمهات الكتب الغربية ، ومن المؤكد لو ان مايكل انجلو او مكيافيلي او فولتير او روسو او مونتسكيو اوحتى الطهطاوي قد انفقوا جزءا من وقتهم في النقاش فقط حول الاصلاح والتنوير ، كما نفعل نحن الآن ، وفي الاشتراك بمؤتمرات ومهرجانات عن الاصلاح والديمقراطية ، بدلا من نحت التماثيل وكتابة الكتب وانشاء المدارس ، لما قام عصر النهضة ، ولما تحقق التنوير ، وكان يمكن القول ان بلداننا العربية لا تعرف حتى هذه اللحظة من هو مونتسكيو .

قد يقول البعض تعليقا على هذا الكلام ، انك لا تريد اصلاح تدفعه لنا المؤتمرات وتدعمه قوى هلامية مهمتها الاولى الحصول على المكاسب وتجد صورها في الفيسبوك وهي تتجول في شوارع باريس وبرلين ولندن تبحث عن الاصلاح السليب في العراق ، ان النتيجة الحتمية لهذه الافعال ليست في الحقيقية تغييرا ولا تنويرا ولا اصلاحاً ، بل مجرد واجهات مزيفة من التنويروالاصلاح .

يكتب رفاعة رافع الطهطاوي في مقدمة كتابة “   تخليص الأبريز في تلخيص باريز ” متى ما اراد الانسان ان يفعل ما يمدح به جميع الازمان ، فليحرص على السعي في مثل هذه الاعمال الباقية الذكر على ممر الدهر والاوان ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0