مختارات مقالات نصوص أدبية

الصحافية بارود تكتب لأبيها رسالة في الحجر المنزلي

بقلم/ هدى بارود

مساء الخير يا عزيزي، كيفَ حالك!
أعرف أنك ستهز رأسك عاتبًا أو تشيح بوجهك عن حروفي، ربما تُهمل رسالتي دقائق ثم تعود لتقرأها كأنك تقول “سامحتك”. وإن لم تكن كتاباتي اعتذارًا حقيقيًا هي اعتذار، فسامحني لانقطاعاتي.
تدرك إنني صرت مقلة في الكتابة لك بعد اتفاقنا على أن الموت انقطاع ورحيلٌ لا عودة منه، وأنكَ مت. غير أن هذا الأمر باتَ ككذبة صدقتها لأتهرب من كل ذلك الشوق والحنين لك، هروبًا إلى الأمام وفرارا من الماضي ومحاولة هزيلة للمضي قُدمًا.
لا أعرف إن كانت أحلامي التي احتضنك فيها وأبكي أنت من يرسم حبكتها أم أنني في كل هذا الازدحام بالأحداث حولي أحتاجك، وتعرف أنني احتاجك كلما ارتجف القلب وعجزتُ عن تهدئته.
هذا هو اليوم الخامس عشر من الحجر الصحي، سأشرح لك معنى الكلمة باعتبارك متأخرًا عنها أربع سنواتٍ طوال.
الحجر هو سجنٌ اختياري نلجأ له هربًا من وحشٍ مجهول يتجول متخفيًا في الشوارع، كائن هزَّ الكرة الأرضية، ابتلعها، فرشحنا من جلده نرجو السلامة لا أكثر. الحجر يا عزيزي هو منعٌ يشبه “الطوق” الذي كان يفرضه جنود الاحتلال على مخيمنا إن أرادوا اقتحامه، فنادوا بمكبرات الصوت “كله يدخل بيته، حظر تجول” فزفرت وأنت تجمعنا في الغرفة البعيدة عن الباب وقلت ” فرضوا الطوق ولاد الكلب”.
صراحةً صار الجميع أبناء الكلب، حتى الفيروس الصغير الذي يسمى كورونا كان ابن كلب، وتخيل إن اجتمع عليك كل أولئك النابحين!
أنا واحدة من الصامتين مللًا يا أبي، من المنبوح عليهم والخائفين، واحدة من جموعٍ كالسيل يفصل بينها وبين مجرى النهر سد شاهق، تتلاطم ببعضها وتصفع نفسها مراراً ولا تمر.
تعرف إنني منذ قررت التوقف عن الحديث بكل ما يخص المظلومين صرت خائفة أكثر، كان الكلام وسيلتي في التعبير عن رفضي لكل ذلك العواء، والمتحدثون يا أبي يرونَ كلامهم رصاصًا يصيب أطراف الغول فيهدئون، أما الصامتون فرصاصتهم تتفجر في أفواههم، وها أنا أفقد مع كل رصاصة تتفجر سِنا، حتى بت مخلوقا أليفا، لا يعض.
في حديقة الحيوانات التي نعيش فيها، كُلنا صرنا خرافًا نثغوا إن احتجنا الماء والطعام، وفي آخر الليل ننام بلا صوفنا، نتجرد حتى من جلودنا هربا من الحر، وفي الصباح نعود للثغاء، وهكذا دونَ أن يتحول صياحنا إلى صراخٍ أو حتى نشيد.
قل لي الآن “توقفي عن الكتابة، ولا تعودي لها مرة ثانية” قل لي أيضا إنك لا تحب رائحة اللحم المحروق واصرخ ناهرًا ” في المرة القادمة أفرغي رصاصاتك في جسد أحدهم ولا تعودي مكسورة الأسنان”، قل لي “توقفي عن الكتابة وتعالي إلى الحلم نبكي سويا”، احرق رسائلي، وأغلق الباب في وجهي وقل “عودي مشرقة أو لا تعودي”.
أحبك يا أبي.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0