سياسة مقالات

انا مزعج بصمتي وانا ايضا مزعج بكلامي

انا مزعج بصمتي وانا ايضا مزعج بكلامي

عندما كنت صغيرا، وبالضبط في المرحة الابتدائية، لم اكن ابدا مشاكسا، ولا ميلا للمعارك، كنت اعيش على طريقة العفاف والكفاف، بل كنت مسالما الى حد يجعل البعض يقول ما به هذه الطفل؟ فانا لا اريد ان اكذب عليكم واقول: كنت مشاغبا وكنت ابرح اصدقائي ضربا، وكنت زعيم العصابة، وكنت وكنت، بل سأروي لكم ما كنت في تلك المرحلة العمرية الجميلة والقصيرة.

نعم في الابتدائية وبالضبط في مدرسة الشهيد عمران حنفي، درست وتعلمت، لكنني كنت شيء مميزا حقيقة، فقد كنت هادئا ومأدبا، ومسالما، وبعيدا كل البعد عن العنف، لقد كنت في الستين من العمر، بينما كان اقراني في بين السادسة والثانية عشر، اما انا فكنت اختلف عنهم تماما، من خلال شخصية غريبة كونتها او اكتسبتها او لست ادري من اين سقطت علي، فتخيلوا انني وفي سن السابعة والثامنة، كان بعض اصدقائي يحترمنني، مثلما يحترمون المعلم، فلا يسبون ولا يشتمون امامي، ولا يقولون الكلام الفاحش، وعندما نجلس امام المدرسة لا نناقش الا قضايا الكبار، فقد كنت مولعا بمشاهدة نشرة الاخبار، ولم يكن بينها وبين الرسوم المتحركة فرق عندي، ولذلك كنت غريبا في نظرهم، واحدثهم عن اشياء تبدو لهم من عالم الخيال.

لكن البعض من اصدقائي، وحتى ممن لا اعرفهم، فقط يدرسون في نفس المدرسة معي، كان سلوكي ومسالمتي وميلي الى الهدوء والرزانة والرجاحة وحصافة العقل وبعد النظر، يزعج طيشهم وميلهم الى العنف وتسوية الخلافات عن طريق المعارك، كنت اسبب لهم القلق، لم يفهموا ماذا اريد، ولا كيف يتعاملون معي، لم يستوعبوا ان يكون هناك طفل بهذه العقلية، فلم يصادفوني مرة اسب او اشتم، لا في عراك مع احد، ولا اشاغب ولا اسبب المتاعب، حقا لقد جعلتهم يضجرون مني، الى درجة ان بعضهم كان يضربني وبدون سبب، ويتعمد استفزازي، فكنت اتركه وامضي، ولا ارد عليه، ولا ابادر لضربه او رده، وهذا كان يزيد من جنونهم، فقد كنت طفلا استثنائيا في مرحلة استثنائية، فانا اتحدث عن تسعينيات القرن الماضي، حيث كان العنف والعنف المضاد طريقة الحوار وتسوية الخلافات الوحيدة والمعتمدة.

المهم انني كنت عندما اتعرض للمضايقة او الضرب، من طرف اشخاص لم اكن اضايقهم ولا اضربهم، كنت اعود الى البيت واخبر ابي بما حصل، فكان ابي يتدخل في كل مرة، لتأديب من يقلل الادب معي، وكأن ابي كان يعرفني ويعرف اني مظلوم حتى قبل ان يرى من ظلمني، فكان ابي يأتي ربع ساعة قبل خروجنا من المدرسة، وينتظرني امام بابها، وعندما اخرج، يطلب مني ان اشير الى الطفل الذي اعتدى علي، فكنت اشير اليه، فيقصده ابي بهدوء، ثم يجري مقارنة سريعة بين ملامح وجهه، وملامح وجهي، فيجدني حملا وديعا، ويجد خصمي والشرر يتطاير من وجهه، فكان ابي يمسكه من يده، ويقوده الى مكان قرب المدرسة، ويساله ما الذي بينك وبين هذا الطفل؟ فلا يجد ما يقول، فيكرر ابي سؤاله: لما ضربته البارحة؟ فيسكت الطفل، وهنا يقوم ابي بحركة يؤدب بها الطفل دون ان يضربه امام الناس، ففي غمرة الزحام، يقوم ابي بالدوس على قدم الطفل، ويضغط عليها، فيبدا الطفل في الصراخ والبكاء، وابي يقول له واش بيك؟ راني نهدر معاك برك، والطفل يقول كراعي كراعي، يا عمي والله ما نزيد، وابي يواصل الضغط ويقول ياتل واش بك علاه راك تبكي؟ والطفل يقول كراعي يا عمي كراعي، والله ما نزيد، وعندما يعرف ابي ان الرسالة قد وصلت الى ذلك الطفل يفلته، والحمد لله، يصبح بعدها طفلا مأدبا في حضرتي، بل ويدافع عني اذا حدث امر ما.

نعم هكذا كان ابي يدافع عني، وهكذا كنت انا في بداية عمري، استفز الجميع بصمتي، وها انا اليوم استفز الجميع بصوتي، كنت استثنائيا وانا في الابتدائي، وها انا استثنائي في الجامعة، حياتي شيء مختلف وعجيب وغريب، وحتى مشاكلي غربية وحلها اغرب.

بقلم كرايس الجيلالي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
كرايس الجيلالي
كرايس الجيلاي؛ باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2