فكر قادة وأعلام مختارات مقالات

الدكتور كامل مصطفى الشيبي العارف بدروب أهل التصوف

سلسلة “مفكرون عراقيون 8”

الدكتور كامل مصطفى الشيبي العارف بدروب أهل التصوف

بقلم/ د. علي المرهج

للأسف لم أتتلمذ على يديه وهو الكبير د.كامل مصطفى الشيبي الذي عشق التصوف ودراسات أحوال ومقامات الصوفية.
لم يكن صوفياً، ولكنه دارس للتصوف وكاشف عن نظرية جديدة في علاقة التصوف بالتشيع، بعد أن كان السائد هو ارتباط التصوف بالتسنن.

إنه يكتب بروح الباحث المتفحص ليستجمع كل الروايات والحكايات عن تصوف أهل المشرق وطرقهم الصوفية السلوكية.
يعشق الحلاج بمقدار ما يعشق مكتشف الحلاج أستاذه المستشرق (لويس ماسنيون).

كتب رسالته للماجستير بعنوان (النزعات الصوفية في الفكر الشيعي) عام 1958 في مصر تحت إشراف أستاذه (أبو العلا عفيفي) تلميذ المستشرق (نيكلسون)، وأكمل أطروحته للدكتوراه بعنوان (الصلّة بين التصوف والتشيع) التي أشرف عليها المستشرق المعروف (آرثر آربيري). في جامعة (كامبردج) في بيرطانيا عام 1961.

إنه الدكتور (كامل مصطفى الشيبي) مواليد 1927 أستاذ التصوف في قسم الفلسفة بكلية آداب جامعة بغداد.

عمل بجامعة (هارفرد) في الولايات المتحدة الأمريكية، وفضل الاستمرار في التدريس في الجامعات الليبية، فقد عمل منذ سبعينيات القرن المُنصرم في جامعة (الفاتح)، ومن ثم في جامعة (السابع من أبريل) في الزاوية.

تُرجم كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) للغات عدّة، أهمها الإنكليزية.

ينتقد أستاذ الأزهر د.علي جمعة الدكتور الشيبي في عقده للصلة بين التصوف والتشيع، ليؤكد أن الشيعة لا توجد عندهم طريقة صوفية، ولما لم يجد الشيبي في التصوف أي طريقة شيعية، فشاع أنف التشيع هناك تصوف على الرغم من أن الشيعة لا تعرف التصوف.

كثيراً ما نجد الشيبي يشكر أساتذته المصريين في جامعة الإسكندرية الذين غمروه بالمحبة والإعجاب بكتاباته من أمثال “يوسف كرم وتوفيق الطويل والدكتور علي سامي النشار الذي، كثيراً ما يصفه بالقول “أستاذي الروحي وصديقي الدنيوي الأستاذ علي سامي النشار”، وفي الكتاب ذاته شكر الأستاذ الدكتور عبدالأمير الأعسم الذي قال عنه “تلميذي السابق وصديقي وزميلي الآن، وهذا ما ذكره في كتابه (شرح ديوان الحلاج) بطبعته الثانية، منشورات الجمل (ص15 ـ 19).

كان شغوفاً بالحلاج، فحقق ديوانه، وكان كتاب أستاذه (ماسنيون) (آلام الحلاج) يسكنه.

هو دارس للتصوف أكثر منه صوفياً، وفي إحدى لقاءاتي النادرة به طلبت منه تسجيل حوار معه عن الفلسفة والتصوف، فأجابني (عمو..أنا أكره الفلسفة!، ولكن لك أن تٌحاورني عن التصوف).
للعلم أنه يعشق مخاطبة طلابه بكلمة (عمو)، وقد كان يستخدمها أستاذنا د.ناجي التكريتي، وهي لفظة كرهتها لأنني أجدها على ما فيها من نزوع للتحبب، إلا أنها تُفقدك حميمية العلاقة بين الأستاذ والطالب، وإن بعضكم يعتقد بما يُخالف رأيي، فهي لفظة يستخدمها أساتذة الطب مع طلابهم الأطباء الشباب (عمك وين، وعمك سأل عنك)!، وعندنا بقايا لها في الإشراف على طلبتنا، فيُقال عن المشرف أنه العم للطالب المُشرف عليه، ولكنني أكرهها لأنها صفة (عشائرية) تتغلب بها القبلية على الأكاديمية!.

بعد عودته من ليبيا عاود التدريس في جامعة الكوفة بقسم الفلسفة، وبعدها تمكن من العودة لقسمه الأم (قسم الفلسفة) في كلية الآداب بجامعة بغداد.
حينما التقيته في قسم الفلسفة بجامعة بغداد، كان بالكاد يرى من يلتقيه، ويمشي الهوينا، ولكن حينما تنظر لوجهه تجد فيه ما يبعث في نفسك البهجة والفرح، يُحدثك عالم جليل، يقترب من الحلاج بقوله:

مزجت روحك في روحي كما
تُمزج الخمرة بالماء الزلال
فظغذا مسك شيء مسني
فإذن أنت أنا في كل حال

عجيب أمر هذا الرجل (الشيخ) الكهل الذي إسمه (مُصطفى) يجذبك حينمات تلتقيه، فهو في معنى إسمه صفاء اصطفاء، ومن يصطفيه الله فهو بمثابة رسول للمعرفة، فهو المعلم الذي (كاد أن يكون رسولا).

 

يبتسم، ويبدو أن الابتسامة طبع فيه، فهو مؤلف كتاب (الحُب العذري)، فكيف يُمكن لفه إلا أن يُقابلك بابتسامة تستشف منها عُذرية المحبة عنده.

لا يصح تسميته بأنه (حلاج بغداد) كما ذهب إلى ذلك بتسميته، فهو لا يعيش حياة الحلاج ولا نزوعه في تمثل الحلولية لأنه دارس يعي لتصوف ويكشف عن المسكون عنه فيه، ولكنه لا يعيشه كما هو الحلاج ولا (الشبلي) فهو دارس للتصوف أكثر منه صوفي.
كتب في الأدب الشعبي، أو التراث الشعبي، واهتم بشخصية (الهلول) التي تكاد تلتقي مع شخصية (جُحا) لما فيهما من فرط سذاجة معجونة بحكمة سواء في سلوكهما أو في أقوالهما.
لا يصح وصف الشيبي بـ “العاقل المجنون” إنسجاماً مع الشخصيات التي درسها، ولكن يصح أن نقول عنه أنه (العاقل الذي يُعلقن الجنون).

في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) طرح أطروجة مفارقة للفهم السائد من أن كل طرق الصوفية إنما هي مرتبطة بالتسنن، فكشف عن نزعات صوفية عند الإمام علي (ع) وأصحابه أمثال: عمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وسلمان المُحمدي أو الفارسي، وحُذيفة ابن اليمان، والمُقداد ابن الأسود، وغيرهم كُثر.
ربط الشيبي بين الزهد والتشيع بوصفه مظهراً من مظاهر التصوف، وكشف عن صلة أهل الطُرق الصوفية أمثال: البكتاشية والنقشبندية بالتشيع ومولاتهم للإمام علي (ع).

إهتم الشيبي بالتراث الشعبي، ومثلما كتب كتابه عن (الهلول) بوصفه نتاج إرث شعبي، نجده يؤلف كتاب “الأدب الشعبي..مفهومه وخصائصه”.

يهيم الشيبي في الهامش ليعمل جاداً كي يكون هو المتن، فهو يهيم بالتصوف والحلاج والبهلول والأدب الشعبي، وكل هذه المباحث لا زالت هي الهامش في حياتنا ودراساتنا الأكاديمية، ومثلما كان السائد أن لا علاقة بين التصوف والتشيع، نجد الشيبي ينقل هذا الموضوع ليكون الهامش بمثابة متن، فينتقده من ينتقد، ولكنه ثبت أطروحته لينتقل فيه بموضوعها ليكون هو المتن، ولينتقده من ينتقد ليكون هامشاً.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق