سياسة مختارات مقالات

تركيا واليونان.. طبول الحرب تدق على الحدود

تركيا واليونان.. طبول الحرب تدق على الحدود

بقلم: ا. هبة داودي

تهديد ووعيد هو ذلك الذي ما ينفك الرئيس رجب الطيب أردوغان يطلقه على اليونان، مؤكدا أن بلاده مستعدة للحرب، وكذا لتقديم الشهداء، على حد قوله، ومواجهة أي قوة كانت تعمل على سرقة حقوق تركيا ومواجهتها، وهو ما قابلته اليونان بالتأكيد على أنها لا تخشى المواجهة، بل راحت تضيف بأن “أردوغان يعيش في عالم من الأوهام، ويسعى إلى إعادة بعث الإمبراطورية العثمانية”، ليتحول السؤال إلى إمكانية حدوث المواجهة العسكرية فعليا، وتشكيلة الاصطفافات الدولية القائمة، بين داعم لأثينا، ومناوئ لأنقرة، خاصة من قبل الدول الأوروبية، بعد أن كان السؤال حول امكانية أن تكون جزيرة “ميس” تلك القنبلة الموقوتة التي قد تشعل فتيل الحرب ما بين اليونان وتركيا، في وقت تتزايد حدة الاحتقان على محور أثينا وأنقرة، في وقت اختارت تركيا التمدد إفريقيا، وكانت البداية من ليبيا عن طريق توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، الامر الذي قابلته اليونان بكثير من الامتعاض، لتتعدد جبهات المواجهة اليونانية التركية وتصل إلى حد التلويح بالمواجهة.

قرار اليونان توسيع حدود مياهها الإقليمية إلى 12 ميلا في بحر إيجه، الذي يشهد منذ مدة خلافا بين أنقرة وأثينا زاد من حدة السجال، ولو أن الأزمة متجددة وليست بالجديدة.

وتمثل قضية الحدود البحرية أمرًا شائكا بين البلدين، حيث تكثر بينهما الخروقات الجوية العسكرية، بينما يتقاسمان النفوذ في قبرص، بين شمال تركي غير معترف به، وجنوب مدعم من اوروبا، بل وتحول إلى عضوية الإتحاد الأوروبي.

ومما زاد في المسألة الخلافية بين الطرفين، عمليات الاستكشاف على المحروقات، وإعلان أنقرة عن اكتشاف كبير في البحر الاسود، ومباشرتها إعادة إحياء مشاريع مد أنابيب الغاز مع اذربيجان، فيما قامت اليونان بالتوقيع مع مصر على اتفاقية ترسيم حدود بحرية، أضيف إليها اعلان عن توسيع الحدود البحرية الى 12 ميلا، وهو ما يعني غلق كافة المنافذ على تركيا، وعزلها بصورة شبه كاملة.
ورغم مرور أكثر من قرن من الزمن على آخر حرب بين الطرفين، أو ما يسمى “حرب الاستقلال التركية” أو “نكبة آسيا الصغرى”، التي دامت طيلة 3 سنوات، وذلك بدء من 1919 إلى 1922، ودارت بين اليونان والثوريين الأتراك من الحركة الوطنية التركية، إلا أن العداء والضغيتة التاريخية لازالت حاضرة، ولم تستطع صفحات التاريخ قلبها ولا طيها، سواء على الصعيد الرسمي، وحتى الشعبي.

كما تشكل الجزر، مشكلا حقيقيا بين البلدين، ومنها الخلاف الأكبر المرتبط بجزيرة قبرص، المقسمة بين تركيا واليونان منذ محاولة اليونان فرض سيطرتها الكاملة على الجزيرة وتدخل الجيش التركي عام 1974 لحماية القبارصة الأتراك، ما نتج عنه تقسيم الجزيرة، ورغم سلسلة المحاولات فشل الجانبان في التوصل إلى اتفاق للكونفدراية أو الانفصال وتقسيم الأرض والثروات.

في اوت 2020 حيث حاولت أثينا محاصرة السواحل التركية من خلال جزيرة صغيرة تبعد عن السواحل التركية 2 كيلومتر ومئات الكيلومترات عن اليابس اليوناني، وهو ما دفع تركيا الى الرد بأنها لن تسمح بمثل هذه الخطوة .

ولطالما مرت العلاقات التركية اليونانية بمراحل صعبة من التوتر نتيجة خلافات تاريخية على الحدود البرية والبحرية والمياه الإقليمية والمجال الجوي وملف جزيرة قبرص، أضيفت إليها خلافات جديدة تتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط وملف اللاجئين واستضافة اليونان لانقلابيين أتراك، والخلاف حول “آيا صوفيا” الذي حولته تركيا من متحف الى مسجد، حيث لقي الاجراء امتعاضا وسخطا يونانيا كبيرا، بل وحتى أوروربيا.

و في اخر رد فعل يوناني، اعتبرت اثينا إن الحوار مع تركيا “ليس ممكنا”، في ظل التهديدات الممارسة، وذلك بعد حديث وزير الخارجية التركي أوغلو عن استعداد بلاده للحوار مع اليونان لحل الخلافات حول الحقوق والموارد في البحر المتوسط، طالما كانت أثينا مستعدة لذلك، إلا ان اليونانيين انزعجوا من الخطوة التركية بعد اعلان من البحرية التركية أنها ستمدد مهمة سفينة المسح الزلزالي “عروج ريس”، إلى جانب سفينتي “عثمان” و”جنكيز خان”، حتى 12 سبتمبر، علما بأن الاتحاد الاوروبي عمد الى الاصطفاف الى جانب اليونان.

اردوغان، اليوم، لم يتوان في التأكيد على ان تركيا تحولت الى قوة اقتصادية و عسكرية مكتفية، فضلا عن توجهات تركيا الى توسيع نطاق النشاط بالاعلان عن ترسيخ تواجدها بالصومال، و اقامة قاعدة عسكرية بالنيجر ،ودعم مواقعها في ليبيا الى جانب تفعيل النشاط باذربيجان وغيرها، وبغض النظر عن قوة تركيا العسكرية مقارنة بنظيرتها أثينا، يبقى للتحالفات الدولية دور أساسي في حسم الأمور، في حال ما تجسدت التهديدات وأضحى الوعيد واقعا، وعلى شكل خاص التحالفات الغربية، وعلى رأسها فرنسا التي تدعم اليونان بشكل علني ومباشر، مع الأخذ بعين الإعتبار أن تركيا تسعى الى اللعب في الميدان الفرنسي في القارة الإفريقية، وهو ما أثار امتعاض فرنسا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
هبة داودي
أ. هبة داودي؛ إعلامية جزائرية، تشغل سكرتير تحرير ورئيس نشرة ومسؤولة مراسلين في قناة تلفزيونية خاصة، ورئيس شؤون دولية سابقا، ورئيس قسم ثقافي سابقا، في يومية خاصة.