فكر مختارات مقالات

هيغل في قبضة سلافوي جيجك

هيغل في قبضة سلافوي جيجك

بقلم المفكر العراقي: علي حسين

” لا تحتاج الفلسفة إلى أن تشغل نفسها بالأفكار العادية – هيغل

عاتبني صديق قائلاً : يا اخي صدعت رؤوسنا بالفلسفة ، لكنك لم تتذكر أن العالم احتفل قبل ايام بمرور 250 عاما على ولادة اشهر الفلاسفة واكثرهم تاثيرا المرحوم ” هيغل ” الذي وصفه برتراند راسل بأنه ” الفيلسوف الأصعب ” ، فيما اعترف هو بأنه : ” من السهل أن تكون غير مفهوم بدرجة عالية ، من أن تكون مفهوماً بطريقة بسيطة “. ويصف بعض كتاب سيرته بان كتاباته بالنسبة للفلسفة مثل قمة إيفرست لمتسلق الجبال..ويروى عنه أنه في مساء يوم وفاته ، أرسل إلى أحد تلامذته ليخبره بآخر رغباته في الحياة قائلا : “أريدك أن تترجم أعمالي.

– فاجاب الطالب : الامر جيد جدا ، ولكن بأي لغة؟ –

· قال هيغل بصوت هامس بالألمانية.

– لكن كتبك باللغة الألمانية بالفعل! ”

ورغم مكانة هيغل الكبيرة في الفكر العالمي ، إلا ان فيلسوف الوجودية كيركغارد كان يرى في هيغل وفلسفته بانهما ” يشكلان مقالا في الكوميديا ” ويكتب كيركغارد ساخرا من الفيلسوف الالماني الكبير :” ان اغلب بناة المذاهب ، من حيث علاقتهم بمذاهبهم ، اشبه ما يكونون برجل ابتنى قلعة هائلة ، ثم عاش في كوخ مجاور ، فهم لا يعيشون في ابنية مذاهبهم الهائلة ” ، لكن برغم حدة الهجوم الكيركغاردي على هيغل وفلسفته إلا انه لم يستطع الافلات من قبضة هيغل على حد تعبير امام عبد الفتاح امام ، الذي كتب ان فلسفة كيركغارد هي : ” خيبة رجاء فيلسوف من اتباع هيغل لا تزال تلح عليه فكرة المعرفة المطلقة ، ويحمل في قلبه الحنين الى المعرفة في صورة مذهب ” .

ان كل فلسفة كبرى تقبل بطبيعتها الوانا شتى من التفسيرات ، بل ان اختلاف التفسيرات يعد احيانا بانه اشبه بالقياس الذي تقاس به مكانة الفيلسوف في الفكر العالمي . ولهذا يظهر هيغل دائما في صورة عملاق فلسفي لا نظير له ، ذلك لان فلسفته قد اوحت لجميع المهتمين بالشان الفلسفي بانواع التفسيرات التقدمية والرجعية في نفس الوقت . فهو في نظر البعض فيلسوف تشع من كتبه روح الثورة ، وفي نظر البعض داعية متحمس الى الدولة المحافظة ، وفلسفته مثالية ، ومع ذلك انبثق منها اشهر المذاهب مادية في العصر الحديث واعني به الماركسية ، حتى ان لينين يكتب في دفاتره الفلسفية انه :” من المستحيل فهم كتاب رأس المال ، دون دراسة مستفيضة لمنطق هيغل ، وهذا هو السبب في انه بعد نصف قرن ، فان احدا من الماركسيين لا يفهم ماركس ” .. فيما يكتب فريدرك انجلز في مقدمة كتابه ” حرب الفلاحين في المانيا :” لولا فلسفة هيغل لما كانت هناك اشتراكية علمية ” ..صورة هيغل ظلت تتباين بين ذلك الاستاذ الجامعي الهادئ والذي اصبح في اواخر ايامه ” دكتاتورا فلسفيا ” في بلاده ، ومعبرا عن مصالح النظام القائم ، وبين فيلسوف الثورة والتغير والرفض .

في فترة الحظر المنزلي يعود الفيلسوف السلوفيني ” سلافوي جيجيك ” الى عشقه الاول الفيلسوف ” هيغل ” ويكتب عن الفيلسوف الالماني الشهير بانه يحمل فكرتين متناقضتين في راسه ، فهو صاحب نظرة متفائلة جدا ، وفي نفس الوقت هو الفيلسوف الأكثر تشاؤما . في كتابه الاخير الذي انتهى منه اثناء فترة الحظر بعنوان ” هيغل في دماغ لاسلكي ” والذي صدر بمناسبة الذكرة 250 لولادة صاحب ” ظاهريات الروح ” يتساءل جيجيك : ماذا يحدث عندما يمكننا مشاركة أفكارنا بشكل مباشر مع الآخرين. وما يعنيه أن تكون إنسانًا عندما تتمكن الآلة من قراءة عقلك ؟ ، الكتاب محاولة ربط هيغل بالعالم الذي نعيش فيه الآن ، عالم ” العصر الرقمي ” . قبل هذا الكتاب كان جيجيك قد اصدر كتابا بعنوان ” أقل من لا شيء ” ، اراد ان يقول من خلاله أنه من الضروري ألا نعود إلى هيغل فحسب ، بل نكرر انتصاراته ونتجاوزها ، ونتغلب على حدوده بأن نكون أكثر هيغلية من السيد هيغل نفسه ، ويضيف ان :” هيغل لا يرسم نظاماً ويفرضه كشكل اجتماعي محدد، بل هو يرسم حالة اجتماعية بعد أن تجاوزها الزمن بوعيٍ تام. حالنا اليوم يشبه فلسفة هيغل تماماً، أكثر بكثير من ماركس ” .

وبطريقته في الكتابة يربط جيجك هيغل بالعالم الذي نعيش فيه الآن ، ويوضح سبب كونه أكثر متعة مما يمنحه أي فيلسوف آخر ، ويتساءل : ولماذا لا يكون القرن الحادي والعشرين ، قرن هيغل بامتياز ؟

عندما اكتب في صفحتي على موقع التواصل الاجتماعي ” فيسبوك ” عن هيغل او كانط او كيركغارد تكون خشيتي من ان بعض الموضوعات ربما تكون جافة وصعبة ولا تتحملها اجواء الفيسبوك التي تتطلب مقالات سريعة وقصيرة ، وايضا خوفي من ان يقول البعض يارجل مالنا ومال فلاسفة أكل الدهر عليهم وشرب . فيما يتساءل البعض لماذا نولي اهتمام لفلاسفة مثل هيغل ونحن نعيش عصر السرعة والتغريدة القصيرة وهيمنة الانستغرام .ويكون جوابي دائما ان هؤلاء الفلاسفة استطاعوا ان يناقشوا معظم المسائل التي تحيرنا في الوقت الحاضر ووجدوا اجابات مهمة لا نريد للاسف ان نتعمق فيها ، في سؤال وجه الى جيجك عن الناس الذين يشترون كتبه ولا يقرؤونها، يجيب بسخريته المعهودة : ” أمنيتي السرية أن هناك طبقات من القراء لا يبحثون فقط عن النكت داخل كتبي ” . وانا بالتاكيد اعرف ان هناك الكثير من متابعي هذه الصفحة ، لا يبحثون عن الطرفة وانما عن المادة الجادة

دائما ما يطرح سؤال : ما مصدر تلك المكانة التي يتمتع بها هيغل ، يقول البعض ان ذلك نابع من اهتمامات هيجل نفسه وخصوصا بمسائل الدولة ومناقشة معضلات المجتمع ، ان عبارته الشهيرة ” الدولة هي ارفع اشكال الروح الموضوعية ” لا تزال تمثل التراث السياسي لمعظم الامم في العصر الحديث .. وكان من حسن الحظ ان فلسفة هيجل لم تكن فلسفة مغلقة تبحث فقط في المعاني الفلسفية التي تهم المختصين بالفلسفة ، وانما كانت فلسفة مفتوحة تبحث ايضا في القضايا التي تهم الناس ، فإلى جانب كتبه ” ظاهريات الروح ” و” المنطق ” ، كتب هيجل في فلسفة التاريخ وعلم الجمال وفلسفة القانون ..وقد كان هيغل تجسيدا حياً للفلسفة من حيث هي عمل يشتغل به الانسان ، ولم يكن يخجل من أن يوصف بانه فيلسوف محترف ، اذ ان الفلسفة عنده حرفة ، لها قواعدها ولغاتها واحوالها ، وتقتضي مرانا وتدريبا عقليا خالصا ، ومن العجيب ان الآراء لاتزال تختلف الآراء حول فلسفته ، فالبعض ينظر اليه كما ينظر الى ارسطو على انه هو الفيلسوف الذي اتى بمذهب رحب يضم في داخله كل الفلسفات السابقة ، والبعض الآخر يعده الخطأ الأكبر في الفكر البشري ، وليس في هيجل الانسان اي جانب طريف ، اذ يبدو ان الهدف الوحيد لحياته كان القيام بدور كاتم سر “المطلق” ، لقد وصف هيغل فلسفته بانها :”محاولة لجعل الفلسفة تنطق بالالمانية” ، وكان لينين الذي يعد واحدا من اشد المتعصبين لفلسفة هيغل اقترح ان تنشأ جمعية لاصدقاء هيجل ” .. لقد صار هيجل اشبه بصخرة باعثة على السؤال والجدل فوق ارض الفلسفة العالمية .

هل نحتاج ان نتحدث عن حياة هيغل . يصفه احد تلامذته بهذا الوصف المثير ” ” القامة خمسة اقدام وبوصتان ( اي حوالي 167 سنتيمترا) الشعر والحواجب غامقة والعيون رمادية والانف والفم متوسطتان والذقن مستديرة والجبهة عادية والوجه بيضاوي باستطالة ” . وشهد غالبية طلبته بانه لم يكن ذا جاذبية . وكان وجهه على حد قولهم شاحبا كما كان مترهلا . اعتاد ان يهمل ملابسه وهو جالس على كرسي الفلاسفة لألقاء محاضراته ، بدأ دائما كانه متعب . وكان يطرق براسه وهو يتكلم في تردد متصل ، فضلا عن انه كثيرا ما كان يسعل وسط الكلام .

ولد جورج فيلهلم هيغل في مدينة ستيغارت الألمانية عام 1770 ، لعائلة فقيرة ، فقد أمه التي كان يحبها كثيرا في الحادية عشرة. وقتل أخوه في الحرب، وجنّت أخته التي كان متعلقاً بها كثيرا، كان الوالد موظف بسيط ، والأم ربة بيت لا تعرف القراءة والكتابة ، ولم يبلغ عامه التاسع عشر حتى اندلعت الثورة الفرنسية التي اطلق هو عليها فيما بعد “الفجر الجديد” . عاش هيغل في العصر الذهبي للأدب الألماني ، وبالرغم من كونه اصغر من غوته بعشرين عاما ، ومن شيلر بعشرة اعوام ، فقد استطاع ان يتقرب من حلقتهم الضيقة ويصبح احد مريدي غوته، وهناك يرتبط بعلاقة صداقة مع شاعر المانيا الكبير هولدرلين.

كان هيغل اكبر إخوانه حظوة عند أبيه وذلك لأنه كان يرى فيه الذكاء المفرط ، وقد ارد الوالد ان يجعل من ابنه كاهناً ، فسجله في الفصل الأكاديمي بجامعة “توينجن” لدراسة اللاهوت ، وهناك تعرف على شيلينغ الذي سيصبح اقرب اصدقائه وكان يصغره بخمسة أعوام ، إلا أن دراسة اللاهوت لم تستهوه فقرر الانصراف لقراءة مؤلفات افلاطون وسنيكا ومونتسكيو، ثم وجه اهتمامه الى جان جاك روسو وكان كتاب “العقد الاجتماعي” بمثابة كلمة السر التي تراءت لهيغل الشاب من اجل قيام فلسفة ثقافية حديثة الأسلوب ، وقد دفعته آراء روسو الى ان يشكل نادياً للسياسة كانت تناقش فيه الثورة الفرنسية ، الأمر الذي دفع السلطات الألمانية الى مطاردة اعضاء النادي ، فقرر هيغل الهرب الى مدينة برن ، وهناك استطاع ان يجد وظيفة في احد بيوت الأثرياء ، بعد ان توسط هولدرلين في تعيينه ، وفي تلك الفترة عكف على دراسة مؤلفات هيوم وميكافيللي و لايبنتز وسبينوزا ، كما قام بدراسة مؤلفات كانط . في تلك الفترة نلاحظ اتجاه هيغل نحو فصل الدين عن الدولة ، وفي رسالة الى هولدرلين عام 1795 يكتب :” لاسيبل الى هز صرح الكنيسة الارثوذكسية ، طالما ان مهامها ترتبط بمصالح دنيوية ، وتتداخل في بناء الدولة ، وطالما ان الكنيسة مصرّة على ان تجعلنا نضع ايدينا في جحورنا ونتكاسل في انتظار ان تاتي مملكة الله ، العقل والحرية سيظلان كلمة السر التي بيننا ونقطة اتحادنا ، هي الكنيسة غير المرئية .”

شعر هيغل بسعادة غامرة في عمله الجديد ، وقد عدّه خطوة نحو الأمام ، نحو العالم الرحب الكبير ، ونحو عالم السياسة ايضا :”سوف اعود ، كي اصبح مساويا للعالم اكثر بعض الشيء مما كنت”. كانت هذه رسالة بعث بها الى شقيقته ، وفي تلك الفترة يكتب مقالات يُعلق فيها على خطب البرلمانيين التي كانت تناقش الضرائب على الفقراء واصلاح قانون الأراضي . بعد وفاة والده عام 1799 يتخلى هيغل عن وظيفة المعلم الخاص ، ليلتحق بصديقه شيلينغ في جامعة ينا ، وكان شيلر وفيخته هناك ايضا ، الآن شيلنغ حقق شهرة ومكانة سمحتا له بالتوسط لتعيين صديقه هيغل مدرساً في الجامعة براتب متواضع ، وفي تلك الفترة يؤسس مع شيلنغ مجلة للفلسفة ينشر فيها الفصول الاولى من كتابه “علم ظهور العقل ” ، في تلك الفترة احتل الفرنسيون مدينة ينا فأغلقت الجامعة ما اضطر هيغل ، لأن يعمل صحفياً بالقطعة ، ثم قبل وظيفة مدير مدرسة ثانوية .

في عام 1801 يقدم رسالته للدكتوراه وفيها يخالف آراء نيوتن ، ويعود للجامعة ليصبح عام 1805 استاذاً فوق العادة ، إلا أن الحرب التي لم تنته بددت آماله بحياة مستقرة ، فسُرق منزله ، ولم ينجح سوى في انقاذ واحد من ممتلكاته وهو الأكثر قيمة لديه: مخطوط فينو مينو لوجيا الروح “ظاهريات الروح” الذي كان يحتفظ به في جيب معطفه اثناء حريق المدينة واضطر لطلب مساعدة غوته . عام 1806 استطاع ان يقنع احد الناشرين بطبع كتابه الذي لم يجد اقبالاً من القراء حيث وجدوا صعوبه في حل ألغازة ، ، لكن رغم المصاعب إلا أن هيغل كان يرى ان العالم يتحضر لمعركة كبيرة سينتصر فيها الانسان ، انسان الأزمنة الحديثة الذي شاهده يسير فوق حصانه ، لقد حمل نابليون او روح العالم الى المانيا بعض المكتسبات السياسية والاجتماعية للثورة الفرنسية : “شاهدت القيصر، تلك النفس العالية ، ممتطيا جواده ، انه لفي الواقع احساس رائع ذلك الذي يغمر المرء حين يرى هذا الفرد مركزاً في نقطة جالساً على جواد.”

بلغ هيغل الأربعين من عمره ولم يتزوج ، ونراه عام 1811 يكتب الى صديقه نيتهامر يزف اليه نبأ خطوبته : “اعلم انك تود لي السعادة من كل قلبك .. اسمها ماري فون توخر ” ، كانت ماري اصغر منه باثنين وعشرين عاما ، وقد أراحه الزواج وساعده على زياده انتاجه الفلسفي ، فقدم بعد عام كتابه الأشهر “علم المنطق”، وقد تميز هذا الكتاب عن سائر انتاج هيغل حتى ان مؤلفه دعاه “افكار الله قبل الخلق” ، كان هيغل آنذاك قد صار علماً شهيراً في سماء الفلسفة عندما طلبت اليه جامعة هايدلبرغ ان يقبل فيها منصب الأستاذية ، حيث امضى في هذه الجامعة عامين قبل ان يقدم له وزير التربية البروسي منصب استاذ الفلسفة في برلين ، كان يتمنى منذ زمن طويل الاستقرار في مركز الحياة الثقافية والسياسية في المانيا ، وقد وفرت له جامعة برلين حقلاً واسعاً للكشف والدراسة ، واستطاع امام جمهور مختار من الطلبة ان يقدم محاضراته الشهيرة حول فلسفة الدين والجماليات وفلسفة التاريخ ونشر عام 1821 كتابه “مبادئ فلسفة الحق.”

غير انه أثار منذ وصوله برلين ، حفيظة الأوساط المحافظة التي اتهمته بانه يغلف أفكاره السياسية الإصلاحية بتعابير فلسفية غامضة، وقد اغضب السلطات بمحاضراته واعماله ، مما ادى الى ان تتم مراقبته من قبل الشرطة ، ولم يقتصر خصومه على اتهامه بوحدة الوجود وانكار خلود النفس ، وانما كانوا يهزأون من كل تفكيره الديني ، وقد روى لنا الشاعر هايني الذي كان تلميذا لهيغل انه كان يتحدث يوميا مع استاذه عن الثواب والعقاب في الحياة الآخرة ، فما كان من هيغل سوى ان يبادره بالقول :” أتريد ان تحصل على مكافأة لأنك اعتنيت يوماً بوالدتك المريضة ، او لانك لم تدس السم في يوم من الأيام في طعام أخيك ؟” وكذلك روى لنا هايني ان هيغل رأى أمام احدى الكنائس احد الباعة الذين يبيعون الميداليات المقدسة فاستشاط غضباً لهذا المنظر وراح يقول :”انظر الى ديانتكم ، والى المناظر التي تقدمونها لنا ، لكم اود ان ارى قبل موتي اختفاء كل هذه الترهات” ، وقد كانت شهرته سبباً في تكاثر أعدائه وتزايد الحملات عليه ، وكان شوبنهاور في مقدمة الذين سخروا من فلسفة هيغل واعتبرها مضيعة للوقت ، لكنه لم يهتم وواصل عمله ، إلا ان أصابته بمرض الكوليرا لم تمهله طويلا ، فمات في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 1831 ولم يكن احد ينتظر لم مثل هذه الميته. من الامور الطريفة التي يلتقطها بعض الذين كتبوا سيرة هيغل هي علاقة الفلاسفة بالوباء ، فيذكر روجيه بول دروا صاحب كتاب ” اساطين الفلسفة ” أن الكوليرا حين وصلت برلين كانت المدينة تعيش على وقع صراع بين عملاقين “هيغل وشوبنهاور ” ، فلما حلّ المرض بدا هيغل غير قلق من الوباء على خلفية قلة اختلاطه بالناس وهو شكل من الشجاعة دفع ثمنه بعد أسابيع، أما المفارقة الأبرز فتتعلق بشوبنهاور الذي عُرف كفيلسوف متشائم وكاره للحياة، لكن مع أنباء وصول الكوليرا إلى برلين فرّ بحياته إلى فرانكفورت فلم يمت إلا بعد وفاة هيغل بما يقارب الثلاثين عاما – توفي شوبنهاور عام 1860 -.

لقد كان هيغل دائما ضد الفجاجة في النفس البشرية ، ولهذا فانه يرفض القول بان الانسان حر بالطبيعة ، وانما الانسان بقوته الذاتية ، يمارس حريته ، فالحرية عند هيغل هي فعل ممارسة الحرية ، انها فعالية الانسان.

اذن لا مجال هنا للقول بان هيغل مجرد فيلسوف مثالي يتحدث في المطلق ، لانه لايريد من الانسان ان يمارس حريته من دون ارادة ، فهو يذهب الى ان الانسان اذا ما عرف المعنى الحقيقي للحرية ، فانه بالضرورة سيختار المشاركة في تقدم المجتمع والفرد والبشرية بارادته الحرة ، ان هيغل مهتم اساسا بكيف يختار الفرد بحرية ان يسير مع حركة التاريخ ، وكيف تتحدد حريته ، بالحتمية التاريخية ، فما هي وسيلته لتحقيق هذا الامر ؟ ان وسيلة هيغل الاساسية هي اعتناق المنهج الجدلي ، حتى يتحرر الفرد من ربقة الواقع الذي قد تحتمه الظروف ولا يتماشى مع حركة التاريخ ، ان تريد الحرية ذاتها ، يعني انها تريد قانونها ، وقانونها هو الحق ، وليس الحق الفردي ، بل الحق المتمشي مع منطق العقل ، ومنطق العقل هو منطق التاريخ ، منطق الحتمية التاريخية ، غير ان هذه الحتمية التاريخية ليست آلية وإلا كانت هناك خيانة للجدل ، بل هي حتمية بمعنى ، ان الذي يصنع حتميتها ، هو الوعي الحر للافراد والشعوب التي تختار بارادتها القانون ، لا ليكون خانقا ، بل ليصبح مساعدا اياها على مزيد من التنفس

سيظل هيجل واحدا من رجال الفكر الخالدين الذين يذكروننا دائما بانه لابد لقضايا الانسانية واسئلتها القديمة من ان تطرح في كل جيل طرحا جديدا ويشير هيجل الى معنى ذلك وهدفه حين يعلن: “ان تاريخ العالم هو التقدم في وعي الحرية”.

يكتب سلافوي جيجك :” العظماء الثلاثة بالنسبة لي هم: أفلاطون، وديكارت، وهيجل، لماذا ؟ لأن كل واحد منهم قدم فلسفة تتوارثها الأجيال. أو كما قال ألفريد نورث وايتهيد : ( أليس تاريخ الفلسفة في جُله هو تاريخ نقد أفلاطون؟ )،ومن بعده يأتي ديكارت، الجميع يريد التخلص من ديكارت، وفي القرن التاسع عشر كانوا جميعاً يرغبون في التخلص من هيغل. “

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0