دين مجتمع مختارات مقالات

أصحاب الإشاعات

بقلم/ أماني الجماصي

منا من يناصر الحق دائماً، ومنا من يطبّل للباطل بكل ما أوتي من حمق، ومنا من يمسك العصا من المنتصف، تارة تجده مع الحق وتارة مع الباطل وهذا هو الأسوء “النفاق”.

لو أسقطنا كل ما ذكر في القرآن الكريم على واقعنا اليومي، لما سمحنا لقلوبنا أن تصاب بالعمى، لكن البعض بفطرته المشوهة المليئة بالحقد والتغابي، يصر على إلصاق الحمق بنفسه.

مثلاً/

عندما استنفر الرسول المسلمين في غزوة تبوك للخروج والقتال في ظل الحر الشديد، قال المنافقون “لا تنفروا في الحر”، فرد عليهم الرسول “بل نار جهنم أشد حرا”، ثم انتقل دورهم لمخالفة الأوامر، وبث الفتنة والفرقة في صفوف جيش المسلمين، والتكاسل عن المسير.

المنافقون في غزوة الخندق قاموا بثبيط وتخويف وتهويل المسلمين وإضعاف عزائمهم “إذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا”.

المنافقون بعد الانتهاء من غزوة بني المصطلق وعلى رأسهم عبد الله بن أُبي بن سلول، عندما اختصم صحابيان أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين عند ماء “المريسيع”، فقال ابن سلول (أوَقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعُدُّنا وجلابيب قريش إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلْك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلّ”، فنزل قول الله تعالي “يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين ولكنّ المنافقين لا يعلمون”.

السيرة النبوية مليئة بقصص المنافقين ومدى تأثيرهم القوي على المجتمع المسلم، فمن يتجرد من الإيمان الصحيح يهوي إلى أسفل السافلين، ولذا فالمنافقون في كل مكان وزمان يشدون أزر بعضهم بعضاً ويدبرون للإسلام ويكيدون لأهله، فإذا كان للمنافقين هذا الأثر الكبير زمن الرسول، فما حال تأثيرهم اليوم في زمننا هذا.

قال تعالى “لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا”.

المرجفون في المدينة هم أصحاب الاشاعات، وأخطرها تلك التي تكثر زمن الأزمات والحروب والفتن، شائعات يراد بها الإرجاف والتخويف، وتوهين العزائم وتثبيط الهمم، وبث الرعب في النفوس وإضعاف القوة، والتشكيك في القدرة على المواجهة، وتعظيم قوة الخصم، وتفخيم شأنهم والركوع لهم والسير في ركابهم، والسكوت عن ظلمهم وابتزازهم.

ولكون الله ورسوله حذرونا من كل ذلك من خلال آيات الكتاب وأحاديث السنة، فكان لزاماً علينا أن نمتثل لأوامر الله القائل في كتابه “وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ”.

فالساكت لن يخسر شيئاً طالما أنه ملتزم بسكوته، في حين أن من يخوض فيما لا يعنيه ويفتي في كل صغيرة وكبيرة وكأنه شيخ علامة، ويعلق على هذا الحدث وذاك لمجرد نشر البلبلة والشائعات، فالأجدر به أن يعيد حساباته لأنه سيحاسب عن كل صغيرة وكبيرة خرجت من فمه،.

فالله يقول “وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا”.

ورسوله يقول “من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال (عصارة أهل النار) حتى يخرج مما قال”.

وقال أيضاً “إن مِن أَفْرَى الفِرَى أن يُرِيَ عينيه ما لم ترَ”.

وقال ” بئس مطيَّةُ الرجل: زعموا” أي “أسوأ عادةٍ للرجل أن يتخذ لفظ زعموا مركبًا إلى مقاصده، فيخبر عن أمرٍ تقليدًا من غير تثبتٍ، فيخطئ ويجرَّب عليه الكذب”.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0