مجتمع مقالات

موقف في المايكروباص

بقلم/ د. ناصر الصوير

ركبت الميكروباص (١٤ راكب) من السويس إلى القاهرة وكالعادة قبيل الوصول يقول السائق الحمد لله على السلامة يعني ادفعوا الأجرة! فعلاً جمع الركاب الأجرة وأرسلوها للسائق الذي قام بعد النقود ثم قال: ناقص أجرة راكب اللي مدفعش يدفع! بدأ الركاب يتنصلون وكل واحد منهم يؤكد أنه دفع الأجرة ولم يعترف … منذ بداية جمع الأجرة لاحظت أن الراكب الذي بجواري مرتبك جداً ويدس يده في جيبه ولا يخرج منها شيئاً .. توترت الأجواء بسبب نقص الأجرة وعدم قيام أي راكب بالاعتراف بأنه لم يدفع الأجرة مما حدا بالسائق إلى التوقف بالسيارة على جانب الطريق فهاج الركاب وماجوا وفي النهاية أجمعوا أن الذي لم يدفع هو ذاك الراكب الذي بدا مستسلماً لقدره المحتوم أمام سيل من الشتائم والسباب والتوبيخ والذي كاد يتحول إلى ضرب واعتداء بالأيدي عليه وهو لا يحرك ساكناً مستسلماً لقدره .. نزل أحد الركاب من المقعد الأمامي بجسم رياضي ممشوق يلبس نظارات سوداء وأمسك بتلابيب الرجل وبدأ بسحبه من السيارة بغلظة شديدة.. أمسكت بيد الشاب وضغطت عليها بكل ما اوتيت من قوة وقلت له بصورة صارمة أترك الرجل ماذا فعل لتفعلوا به كل هذا؟! فقال صوت مرعب ألا تعرف أنه يريد أن يسرق الأجرة على السائق ولا يدفع!! قلت له فوراً ودون تردد ومن أخبرك أنه لم يدفع الأجرة .. فارتبك قليلاً وقال كل الركاب دفعوا إلا هو فقلت له أنت غلطان أنا الذي لم أدفع لأنني لست مصرياً ولا أعرف أن نظام الدفع يتم قبل الوصول بنصف ساعة ولم أفهم أن عبارة الحمد على السلامة يا حضرات تعني دفع الأجرة وأخرجت من جيبي محفظتي ودفعت للسائق ورقة نقدية تعادل ضعف الأجرة وقلت لها خذ ما تريد!! قال الراكب الذي كان بجانبي ولكنك اعطيتني الأجرة!! قلت له بسرعة وبشكل قاطع أنا اصلاً استيقظت على صراخكم هيا اعتذروا لهذا الرجل الطيب الذي اتهمتموه ظلماً! فعلاً تلقى الرجل سيل من الاعتذارات ربما تعادل أو تزيد عن كمية الشتائم والسباب التي تلقاها .. وصلنا للموقف ونزلنا وهمتت بركوب تاكسي لتوصيلي حيث أريد واذا بصاحبنا يتشبث بي ويحاول تقبيل يديّ فاستغفرت الله وبدأت أهديء من روعه .. وقلت له: احذر من فعل ذلك مرة أخرى مش كل مرة بتسلم الجرة فنظر اليَّ بأسى شديد وقال والدموع تترقرق من عينيه كنت تاجراً معروفاً وخسرت كل أملاكي وذهبت إلى القاهرة لبعض أقاربي ممن لي حقوق عندهم فطردوني ووالله لم يكن في جيبي قرش واحد!! أخرجت من محفظتي ما قدره الله وأعطيت الرجل واستأذنت بالمغادرة فأمسك يدي بقوة شديدة وقال ما اسمك قلت له ناصر فقال رافعاً يديه إلى السماء بعفوية عجيبة يا رب هذا عبدك ناصر سترني من الفضيحة وأعطاني ولم يحرمني يا رب استره ولا تفضحه أبداً وأعطه من عطاياك يا كريم!!!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
ناصر الصوير
كاتب ومحلل سياسي مختص بالشئون الفلسطينية، حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وشغل مستشاراً إعلامياً في بلدية غزة سابقاً.