أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

أول كتاب في التاريخ عن المهمشين

بقلم/ د. يسري عبد الغني

يعرض كتاب (الفلاكة والمفلوكون) أو (تسلية الأدباء وأسوة الفقراء فيمن تقدمته الفلاكة من الكبراء)، لمؤلفه الدلجي المتوفَّى في القرن التاسع الهجري، أي في العهد المملوكي، أفكارا في غاية الأهمية عن الفقر وأسبابه وتداعياته على الأفراد والمجتمعات، كما يناقش ظاهرة التلازم بين العلم والفقر.
والفلاكة كلمة أعجمية في الأصل وتعني سوء الحظ والفقر، ويجد المؤلف الدلجي للفلاكة آفات كثيرة، منها: ضيق الصدر والنزق وسوء العشرة والعزلة، وقد يلزمها القهر المؤدي إلى الكذب والخبث والخديعة، وإذا استولت الفلاكة على عالم أو فاضل لزمته بسببها آلام عقلية، وهو بذلك يحلل ظاهرة غرابة الأطوار المعروفة عن العلماء والفنانين والفلاسفة والشعراء والأدباء، ويردها إلى الفقر وضيق ذات اليد وأنها ليست متعلقة حتما بالعلم والأدب كما هو شائع لدى الناس.
والفلاكة برأي الدلجي ألصق بأهل العلم وألزم لهم من غيرهم لأسباب كثيرة، فالإمارة (الحكم) عنهم بمعزل والتجارة مبنية على المكر والكيد والآمال التي لا يقوم دليل على وقوعها، والصناعة والحرف يلزمها حيل ورذائل يأنفون عنها فيقعدون عن الاكتساب متعللين بالأماني الكاذبة فيقعون في الفقر والإملاق.
وأهل العلم يحسنون الظن بالناس على مقتضى ما يتوهمونه في أنفسهم، والناس لا يقيمون لعلومهم ومعارفهم وزناً، ويحاولون تطبيق قواعد العلم ونظرياته الدقيقة في شؤون الحياة اليومية، ولكن القضايا تختلف عن بعضها من وجوه عدَّة، وثقتهم بقواعدهم العلمية تجعلهم يخبطون خبطا عظيما ويخطئون أصلا ورأسا، والعاملة الذين لا يعرفون هذه العلوم ينظرون في كل قضية جزئية أمامهم نظرا جازما غير مشوَّش، يبعد عنهم الفتور وضعف العزيمة فتنجح مساعيهم ويصيبون في ظنونهم غالبا.
والعلماء بنظرتهم الفاحصة العميقة يفرضون احتمالات بعيدة ويجزمون بوقوعها، وما من شيء إلا ويطرقه احتمال المثبط عن إمضائه واستقامته فيتخلفون لذلك عن مظان الخير فيقعون في الفلاكة والإهمال، ويقضون العمر في تحصيل العلم وهو بطيء، والعلم ليس أمرا يقاس ويعرف على وجه الدقة، فهو قابل للجحود والإنكار، وأن يدخل فيه غير أهله بالتلبيس والتمويه والجاه.
ومن العلماء الفقراء (المفلوكين) الذين عاشوا فقراء أو تعرضوا للسجن والاضطهاد: القاضي عبدالوهاب، والأخفش إمام اللغة والأدب والنحو مات عام 315 هـ غماً عندما نهره الوزير العباسي أبو الحسن علي بن عيسى، والترمذي المحدث إمام الشافعية في عصره (توفي عام 295هـ)، والحافظ عبدالغني المقدسي، والخليل الفراهيدي واضع علم العروض وأوزان الشعر، والطبري شيخ الشافعية (توفي عام 450هـ)، وابن خلكان مؤلف كتاب وفيات الأعيان من أشهر كتب التراجم في التراث العربي، والشيرازي إمام عصره في المعقولات (توفي عام 710هـ)، وابن دريد إمام عصره في اللغة والأدب، وابن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور، وابن الخشاب البغدادي، وعلاء الدين الباجي، وواصل بن عطاء إمام المعتزلة، وسيبويه حجة النحو (توفي عام 180هـ وعمره 32 عاما)، والقاضي شريك وأبو بكر النيسابوري وابن حزم، وإن كان غنيا ووزيرا وابن عائلة علم ونفوذ، فقد شرد وتوفي في الصحراء عام 456هـ، وابن دحية الكلبي والشاطبي إمام القراءات وأصول الفقه، وياقوت الحموي مؤلف معجم الأدباء ومعجم البلدان وأبو حامد الأسفرايني، ونفطويه وابن خزيمة وأبو الفضل الميداني وأبو العلاء الهمذاني وابن الجصاص، والفارابي إمام الفلاسفة العرب بلا منازع عمل ناطورا ببستان في دمشق، وهو في ذروة علمه وشهرته والهروي والبيهقي المحدث والإصطخري عالم الجغرافيا والرحلات (المسالك والممالك) والحريري صاحب المقامات، والنووي إمام الشافعية ومؤلف كتاب المغني أهم مرجع في الفقه الشافعي، وروى وشرح صحيح مسلم، كان يأكل وجبة واحدة في اليوم مما يرسله له أبوه من بلدته نوى في حوران، وكان يقيم في دمشق في المسجد الأموي، وكان طعامه دائما من الكعك اليابس والفواكه المجففة وملبسه من الثياب المرقعة ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل سُجن وعُذب وأبو حنيفة سُجن وعُذب والبخاري سُجن وعُذب والنسائي.. وغيرهم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0