أدب و تراث مختارات مقالات

اليأس روح شيطاني قاتل

بقلم/ طارق السكري

اليأس .. روح شيطاني قاتل .. إذا تمكن شوه الروح الإنساني ودفعها للانتحار !
تماما كما فعل مع الشاعر العربي الكبير خليل حاوي.
ذكر الدكتور إبراهيم جابر قصة انتحار الشاعر خليل حاوي في كتابه الرائع “انتحار المثقفين العرب”. وهو يناقش في هذا الكتاب الوضع السياسي الذي يخلقه العدو ليترتب على ذلك وبصورة آلية انتحار المثقف العضوي في المجتمع.
وانتحار المثقف يأخذ أشكالاً. فإقدام المثقف على إحراق كتبه يعد نوعا من هذا الانتحار تماما كما فعل أبو حيان التوحيدي بكتبه ! والشواهد كثيرة.
وقد ذكرت المؤلفة الأمريكية سوندرز في كتابها المدهش “من يدفع للزمار” .. كيف أقدم بعض الأدباء الألمان والروس بالانتحار.
إبان الحرب الثقافية الباردة
ما علينا من هذا كله.
في قصيدة للبردوني بعنوان: هذا اليأس ! يصور لنا من خلالها “اليأس كائن.. مثقف بكل اللغات .. لديه القدرة على التشكل والتلبس بكل فكرة والتلون بكل مظهر”.
يبدأ البردوني القصيدة بالتجليات الضبابية الشعرية، وعند الإبحار بك في عوالم القصيدة تقع على صور غرائبية في التصوير تملأ نفسك رعباً.
يشرع البردوني بألمعية الفيلسوف في عملية الحفر عن ما هية اليأس.
ما أصله ؟ ومن أين ينبع ؟ وما أوصافه ؟ إلى استطراد متعدد ومتلون في نسيج شعري وتعابير جميلة وصور فيها من الواقع واللاواقع وفيها من الحقيقة والخيال:
كسقف السجن يُمناهُ .. بنانُ شماله أمراسْ
له رأسانِ في رأسٍ .. وظهرٍ مثلُ ألفيْ راسْ
ويعلو صهوةً المُثري .. يجرُّ عباءةَ الإفلاسْ
إلى تلك الرحلة في مجاهيل اليأس المبهمة المثيرة.
لكن الذي أثار انتباهي بيت من الشعر ورد في القصيدة يقول عن هذا المخلوق الأسطوري المتوحش “اليأس”:
ويربو في بيوت المال .. يسعل في حشا الحرَّاس.
حدّقتُ في البيتِ الشعري جيداً وقلت: كيف يربو اليأس في بيوت المال ! أليس المال الطريق إلى السعادة ؟ أليس بالمال تتبدد ظلمات اليأس وتتشقق كواكبه وفضاءاته ؟!
ثم تراقصت أمامي كلمة: “بيوت المال” إذن ! فالحديث عن وزارة المالية. ولكن ما علاقة الثقافة بالمالية ؟ إن المالية حين تفرغ من مضمونها الفلسفي، فتتحول إلى غرفة نوم للحاكم للفسدة والمفسدين النافذين. تكون منبع اليأس وسيلاً دافقاً من الإحباط.
وحين لا يجد المثقف ما يعينه على مواصلة وظيفته في الحياة وهي القراءة ونشر الوعي وتحصين المجتمع من فيروسات التغريب أو الرجعية أو الاستبداد، فمعنى هذا أن المثقف العضوي لن يجد له مكانا في المجتمع، وسينكمش على نفسه، ويغيب عن الفاعلية الحضارية، وسيحترق كشريط الماغنيسيوم قهراً وكبتاً. يقول البردوني عن هذا المخلوق الكئيب:
هنا يهمي توابيتاً .. هنا ينقضُّ كالأفراسْ
هنا ينصبُّ أحجاراً .. ويمشي هاهنا كالناسْ
دنيءُ السَّير والمسرى .. جبان الغيم والإشماسْ
يُدير الحكم والمحكومَ .. والمدسوسَ والدّسَّاسْ
اللهم احفظنا من اليأس وأزل كل مسببات اليأس وحطم كل العوائق التي تحول دون تحقيق وطن مدني آمن وحصّنا ضد اليأس فإن اليأس حرام علينا كما قال أرطغرول.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0