علي المرهج
فكر مختارات مقالات

حينما تكون أنت الحكاية

حكاية حياة

حينما تكون أنت الحكاية

بقلم: ا.د. علي المرهج

حينما كُنت أدرس في الدكتوراه كان إسمي (علي عبدالهادي عبدالله مرهج) بحسب شروط الدراسة بذكر الإسم الرباعي، وكان مرهج جدي الرابع، وقد اكتشفت بعد حين أنه جدي ولقبي في هوية الأحوال الشخصية بذات الوقت.

أشرف على أطروحتي للدكتوراه أستاذي الكبير (مدني صالح) وكان عنوانها (النص الرشدي في القراءة الفلسفية المعاصرة)، أي كيف فهم الرشديون المعاصرون فلسفة ابن رشد وتأولوها، فصاروا شيعاً وفرقاً، كُل فرقة تفهم من فلسفة ابن رشد ما تروم وفق نزوعها العقائدي والأيديولوجي، والفلسفي.

كُنت مزهواً بمعرفتي بفلسفة ابن رشد وتأويلاتها التي أدعي أنني فهمت معضمها إن لم يكن كلها.

عرفت ميول ابن رشد الفلسفية والكلامية ودفاعه عن فلسفة أرسطو بوصفه (الشارح الأكبر) لهذه الفلسفة، فأرسطو عند ابن رشد بمثابة (الإنسان الكامل) فهو كما ذكر ابن رشد (الرجل الذي كمل عنده الحق)، ولأن “الحق لا يُضاد الحق، بل يشهد له ويُوافقه) ولقرآن حق وقول أرسطو حق، فهما يلتقيان في القصد والغاية.
وهناك بعض من قُرّاء ابن رشد من اعتقد أنه يقول بحقيقتين: “الحقيقة القرآنية” و “الحقيقة الفلسفية”.

لا أخوض بغمار موضوع فلسفي محض، ولكنني سأعود للكبير (مدني صالح) الذي كُنت أراه وكأنه قديس يقطن قسم الفلسفة.
أكملت أطروحتي للدكتوراه تحت إشرافه، وبعد زمن التعيين في الوظيفة كتدريسي في الجامعة المستنصرية وبعد سقوط نظام (صدام حسين) كتتبت مقالات عدة بإسم علي عبدالهادي، وصادف في أكثر من مرة أن يكونإسم أخي الكبير (سعيد عبدالهادي) ناشراً لمقال له في ذات الصفحة التي نُشر فيها مقالي، فوجدت أن في تكرار الإسم ما يبدو (صدفة) سيعتقد الآخرون أنه بقصد، فآثرت استخدام لقبي في (الهوية الشخصية) = (الجنسية) الذي هو (المرهج)، ولم أحسب أنه سيُثير أقرباء لي من عشيرتي!، فوجدت بعضهم يُطالبني باستخدام لقب (الشويلي) أو (آل الغليم)، ولم يدر بخدلي أن في استخدامي لهذا اللقب ما يُثير الآخرين ويُبغضهم!.

وبعد أن وجدت في كثير منهم امتعاض لأمر لم أقصده آثرت التمسك به لا عناداً بقدر ما وجدت فيه أنه لقب لعائلتي في هويتي الشخصية لم أختره أنا!.

المهم الكبير عندي والأثير أنني بعد أن نشرت أكثر من مقال باسمي (علي المرهج) صادف أنني زرت الكبير (مدني صالح) في قسم الفلسفة بجامعة بغداد، فرحب بي بقوله لي أهلاً بعلي المرهج!، فطرت من الفرح، لأنني عرفت أن هذا الكبير يقول لي في طيات كلامه أنه يقرأ لي مقالاتي، وقد عرفني باسمي الجديد.

أن يقرأ لك مدني صالح ويُعطيك تشفيراً أنه يُتابعك، فثق أنك قد تمكنت من مغازلة من يحتقر الدنيا، ومثل هكذا مغازلة تُنبيك أنك تختط طريقك في الكتابة والقراءة بما يجعلك تسير على خطى الكبار.

أن يُعجب بك وبكتابتك كبير مثل (مدني صالح) فذلك المُتمنى.
لا زلت ولا أخفيكم أنني أكتب و مدني صالح يسكن عقلي، وحينما أكتب أقول لنفسي لو قرأ مدني صالح مقالي هذا أو جملتي هذه هل سيقبلها؟!.

ولأنني أعرف الكبير مدني صالح لا يُرضيه إفلاطون بكل نزعته المثالية ولا أرسطو بكل إضافاته العلمية بما فيها من نزوع تأملي، فقد آثرت تقدير قراءته لأطروحتي عن تأويل فلسفة ابن رشد في الفكر العربي المعاصر الذي لا يجد فيه سوى شارح أكبر للفلسفة الأرسطية التي لا يرتضي الخروج عنها، ليُحاول “تنقيتها مما علق بها من شوائب الشُرّاح”.

لا زلت أحلم بترك التقليد والتبعية في المعرفة الفلسفية لا لأرسطو ولا لغيره، وما يُثيرني في كتابة الكبير (مدني صالح) أنه يبحث في فلسفة (ابن طُفيل) عن ما لم يكتشفه الآخرون فيها بوصفها فلسفة تكنتز في حكاية (حي ابن يقظان) نزعة علمية، فضلاً عن كونها (قصة فلسفية).

لأعود مرة أخرى لـ “علي المرهج” صديقي وأناي الذي تمثلت كتابته فرحاً باعجاب أستاذه مدني صالح.

بعد أن وجدت الكبير (مدني صالح) يعرف (علي المرهج) تلميذه الذي كان (علي عبدالهادي) آثرت أن أحافظ على هذا الإسم الذي يُذكرني بكبار من عائلتي وكبار من أمثال أستاذي الأحب الكبير (مدني صالح).

(حينما تكون أنت الحكاية) تذكر اكبار من الذين يُشاركوك طعمها، ولكم أن تُشاركوني طعم ما ذقته في إختياري للقب (علي المرهج) أو أن تكروهوه، فأنا (الحكاية) وبدايتها وقد تكتب أنت نهايتها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
علي المرهج
الأستاذ الدكتور علي عبدالهادي المرهج؛ أستاذ الفلسفة والفكر العربي بقسم الفلسفة في كلية الآداب/الجامعة المستنصرية - العراق