عروض كتب مختارات مقالات

جون رولز .. فيلسوف العدالة المنصفة

بقلم/ علي حسين

كان عائداً من جنازة والدته حين وجد مدير دار النشر التي تطبع كتبه ينتظره امام باب المنزل ليخبره ان النسخة المليون من كتابه “نظرية العدالة” قد بيعت قبل ساعات .. شعر جون رولز انه في وضع محرج، ولم يستطع الفرح. كانت والدته ذات تاثير كبير عليه، فهي قضت حياتها مدافعة عن حقوق النساء .. وقد أثرت اهتمامتها بالعدالة والحرية وحقوق المراة على ابنها الثاني “جون” الذي عانى في طفولته من صدمة بسبب وفاة شقيقين له بعد اصابتهم ببكتريا معدية، وكانت الام تخشى ان يموت ابنها “جون” بنفس المرض فقررت عزله عن العالم ، مما سبب له حالة من التلعثم في الكلام رافتقه طوال حياته.

من خلال والدته تعرف على افكار جان جاك روسو وجون لوك : ” وجدت في نظرياتهم كيف تكون الحياة البدائية ” ، وقد تعلم من روسو ان الفرد اهم من الجماعة لأنه أيا كان المكسب الذي قد يحققه المجتمع كله ، يجب ان يحصل بالدرجة الثانية او كنتيجة لحصول كل فرد من المجتمع على فرصته لكي يرتقي .

ومن قراءة جون لوك سيتمسك بالحرية التي هي اساس لكل عدالة اجتماعية :” يجب أن يتمتع الجميع بالحق في مجموعة من الحريات الأساسية التي لا يجب أن تنتزع منهم، كحرية المعتقد، حرية التصويت على زعمائهم و حرية واسعة للتعبير. حتى لو أن تقييد بعض هذه الحريات حَسّن حياة أغلبية الناس”، ظل جون رولز يؤمن بان حماية هذه الحريات فوق كل شيء.

وسيصف لنا كتابه “نظرية في العدالة” بانه محاولة “لتعميم نظرية العقد الاجتماعي كما يمثلها جون لوك، وجان جاك روسو ورفعها الى مستوى اعلى”. لعل الفكرة الاساسية للعقد الاجتماعي كما جاءت عند لوك وروسو ومعهم ديفيد هيوم، هي ان الدستور السياسي والقوانين تكون عادلة حين تكون قابلة للموافقة عليها من جانب اشخاص احرار من موقع متساوٍ وتشريع سياسي قائم على العدالة الاجتماعية. بعد ذلك سيتعرف جون رولز على افكار جون ستيوارت مل، حيث نجد أن مبدأ الحريات المتساوية الذي نادى به رولز في كتابه “العدالة كأنصاف” يتماشى مع مبدأ ستيوارت مل الذي جاء في كتابه الشهير “الحرية”، حيث يرى الاثنان ان ثمة حريات اساسية لا يمكن اهمالها، منها حرية الضمير وحرية الفكر وحرية الحركة والعمل والمهنة والحق في الملكية الشخصية، ويصف رولز هذه الحريات بانها اساسية واكثر اهمية من حريات اخرى، فمعظم الناس لن يترددوا في التسليم بان حرية التعبير عن آرائهم، وفي ممارسة معتقداتهم وفي اختيار مهنهم، وفي اختيار الزوج او الزوجة، أهم بكثير من الرقص في الشارع عاريا، او حرية ازعاج الاخرين.

كان هاجس رولز منذ اهتمامه بقراءة الفلسفة ان يعيد الاتصال بمفكري الماضي العظماء ولهذا ظل يؤمن ان على الفلسفة أن تغير الكيفية التي نعيش بها، و ليس فقط كيفية مناقشة طريقة حياتنا. ولهذا نجد ان كتابات رولز رغم صفتها الاكاديمية ، فانها معنية بما تطرحه السياسة من اسئلة حياتية ، سواء تعلق الامر بالمسائل التي تتناول الحريات والحقوق المدنية ، او الاشكالات التي تثيرها موضوعة العدالة الاجتماعية ، او مسألة المساواة المتعلقة بالحريات والحقوق الاجتماعية وتوزيع الثروات . ولعل هذا الاحتكاك المباشر بقضايا الواقع جعل من فلسفة جون رولز السياسية نموذجا عميقا للقراءة المتفاعلة مع الواقع.

ولد جون وليام لي رولز في الحادي والعشرين من شباط عام 1921 في بالتيمور بولاية ماريلاند، كان والده واحدا من ابرز المحامين في بالتيمور”، عملت امه “آنا بيل” في مجال التدريس وحقوق المراة، اصيب بمرض الدفتريا وهو في السابعة من عمره ، وقد اخبر الاطباء والديه ان فرصه في الحياة قليلة جدا ، لكنه سيخيب ظنونهم ويعيش 82 عاما، التحق بمدرسة كالفيرت لمدة ست سنوات، قبل الانتقال إلى مدرسة كينت، وهي مدرسة إعدادية دينية. بعد ان انهى دراسته الثانوية التحق عام 1939، بجامعة برينستون، اهتم بدراسة اللاهوت خلال العامين الاخيرين وكان طموحه ان يصبح قسا، وكتب اطروحة في اللاهوت، لكنه سيغير اتجاهة ويدرس الادب ، تحت تاثير نورمان مالكوم صاحب الكتاب الشهير “المعرفة واليقين” والذي كان احد تلامذة لودفيغ فيتغنشتين، وبتاثير من مالكوم تفرغ جون رولز لقراءة اعمال فنغشتاين واثاره كتابه “تحقيقات فلسفية” وقد وصف رولز فنغشتاين بانه “الفيلسوف الصوفي الغامض”.

خلال الحرب العالمية الثانية، خدم رولز كضابط مشاة في المحيط الهادئ، حيث قام بجولة في غينيا والفلبين، تحمل خلالها حرب الخنادق وعاش مشاهد مروعة، جعلته يفقد ايمانه بالدين، بعد استسلام اليابان، أصبح رولز جزءاً من جيش الاحتلال الاميركي، لكنه شعر بخيبة أمل عندما ضربت امريكا مدينة هيروشيما، وبدأ في ممارسة العصيان العسكري، معتقدا أنه لا يوجد مبرر لا ستخدام هذا السلاح، وأن استعمال الأسلحة النووية كان خطأ. مثل العديد ممن عاشوا تلك المرحلة، كان يريد أن يخلق عالما أحسن و مجتمعا أحسن. لكن طريقة إحداثه للتغيير كانت عبر التفكير والكتابة واشاعة مبدأ العدالة، وعندما كان يكتب كتابه الشهير “نظرية في العدلة” كانت الحرب في الفيتنام مشتعلة، وكانت هناك احتجاجات واسعة في كل انحاء العالم ضد هذه الحرب، في ذلك الوقت اختار رولز أن يكتب عن القضايا العامة المتعلقة بالعدل، كانت فكرته الاساسية أننا نحتاج إلى التفكير بوضوح حول كيفية العيش المشترك و حول الطرق التي تؤثر بها الدولة على حياتنا. لتكون حياتنا محتملة يجب أن نتعاون. غادر الجيش في كانون الثاني 1946، ليعود إلى برينستون لمتابعة كتابة اطروحة الدكتوراه في الفلسفة الأخلاقية، بعد نيله شهادة الدكتوراه من جامعة برينستون عام 1950، حصل على منحة جامعة أكسفورد، حيث تأثر في تلك السنوات بالمنظور السياسي الذي طرحه أيزيا برلين فيما يتعلق بالحرية، ويتذكر انه كان يتسلل الى القاعة التي يلقي بها ايزيا برلين محاضراته في اكسفورد وقد سحرته فكرة برلين عن الحرية، واخذ يطرح اسئله من عينة: من يقرر افعال الانسان، هل يقوم بها حرا بالطريقة التي يختارها، ام يخضع لاوامر من مصدر اخر للسيطرة والتحكم ؟ بعد ذلك سيلقي رولز محاضرات على الطلبة بعنوان بين “الحرية والعدالة “، كان تصور رولز للحرية يتلخص في ان على أي مجتمع عادل تَبني موقف التسامح وتوقع التعددية، كما يجب عليه ان يترك الناس احرار في متابعة اهدافهم، شرط عدم تعارض ذلك مع مستلزمات اخرى للعدالة.

عام 1962 ينتقل إلى جامعة هارفارد، حيث قام بالتدريس لمدة عام  في عام 1995 عانى من السكتات الدماغية، مما أعاق قدرته على الاستمرار في التدريس، لكنه بالمقابل استطاع ان يكمل كتابه “قانون الشعوب”، وهو ادق توضيح لآرائه حول العدالة الدولية، وقبل وقت قصير من وفاته نشر كتابه المهم “العدالة كانصاف ، واستجاب فيه الى بعض الملاحظات التي وجهت الى كنابه “نظرية في العدالة”. في الرابع والعشرين من تشرين الثاني عام 2002 يتوفى جون رولز عن 82 عاما ، وتكتب الغارديان ” رحل صاحب كتاب ” نظرية في العدالة .. الكتاب الاهم في الفلسفة السياسية منذ كتابات جون ستيوارت مل”.

لم تكن نظرية العدالة بالامر الجديد داخل الفكر الغربي ، بل ان الفلسفات جميعها منذ افلاطون سعت الى بناء نظرية للعدالة ، وقد عدت العدالة منذ افلاطون واحدة من الصفات الاولى لنظام سياسي جيد ، بل ان سقراط اعتبرها الفضيلة التي تشمل كل الفضائل الاخرى ، بحيث ان المجتمع العادل والمجتمع الجيد لا يؤلفان سوى شيء واحد، ولعل افضل تعريف ما وضعه لنا الروماني جوستينيان من ان العدالة هي الارادة الثابتة والابدية لاعطاء كل فرد ما يتوجب له ، وسنجد جون رولز يجد مفهوما للعدالة يستمد قوته من الديمقراطية الاجتماعية ، وهي الفكرة التي اشار لها جون ستيوارت ميل من قبل.

ينظر الى كتاب ” نظرية في العدالة ” الذي صدر عام 1971 على انه الكتاب الاهم في الفلسفة السياسية في القرن العشرين ، مثلما ينظر الى جون رولز على انه الفيلسوف السياسي الاكثر اهمية في العصر الحديث ..حيث نجد رولز من خلال كتابه هذا يؤمن أن النظرية السياسية الليبرالية يجب أن تواجه حقيقة مهمة في كل المجتمعات الديمقراطية وهي حقيقة التنوع. حيث ان هذه المجتمعات تحتوي أفرادا مختلفين في خلفياتهم الدينية والعرقية والجنسية والفلسفية، هذه الحقيقة تفرض على نظرية العدالة أن تبحث عن مبادئ تحظى بالقبول من جميع هؤلاء الافراد، نظرية للعدالة يمكن أن يقر بها الجميع بمختلف عقائدهم والوانهم ومكانتهم الاجتماعية. ورغم بعض الاعتراضات التي واجهة نظرية رولز، إلا انه ظل مصرا على ان هذه النظرية يمكن لها ان تتحقق اذا ما توفرت لها نظرية سياسية لا علاقة لها بالاديان والغيبيات. نظرية لا تتدخل في سلوك وقرارات الناس الخاصة. بمعنى آخر نظرية متعلقة بالمكونات الأساسية للمجال العام وتترك المجال الخاص لأصحابه. حيث يمكن ان نترك مجالا واسعا للتنوع والاختلاف، بشرط ان تتخلى هذه النظرية عن ادعاء تقديم مفهوم شامل للخير والحق ينطبق على سلوك الأفراد كما ينطبق على سلوك مؤسسات الدولة. هذه المعادلة قد توفر معدلا أكبر من الانتماء من فئات المجتمع المختلفة للقانون العام.
تصور رولز للمجتمع يقوم على أنه مجتمع قائم على التعاون. أي أنه دون تحقيق شروط عادلة للتعاون بين أفراد هذا المجتمع فإنه لا يمكن الوصول إلى نظرية حقيقية للعدالة. الأفراد هنا يحضرون داخل علاقاتهم الاجتماعية وفي حالة تواصل مع الآخرين، وبحسب رولز يحتاج الفرد إلى شرطين اساسيين للقيام بهذه المهمة. الشرط الاول هو امتلاك حس العدالة، الشرط الثاني هو القدرة على تكوين مفهوم للخير. ويطرح رولز سؤالا مهما: كيف يمكن أن أعيش وفقا لمفهومي للخير وتعيش أنت كذلك وفقا لتصورك للخير؟ وبما أن مفاهيم الناس للخير والحق تتعارض فما يراه أحدهم حقا يراه الآخر باطلا فإن الاستعداد للتنازل والتسوية والوصول إلى حالة وسط، هو أمر اساسي لكل انسان داخل علاقات اجتماعية محكومة بنظرية منصفة للعدالة.
يطرح رولز فكرة هل ينبغي على العدالة ان تقوم على المنفعة، أم على احترام الحقوق الفردية ؟ قبل صدور كتاب جون رولز “نظرية في العدالة ” كان التصور النفعي هو السائد في الفلسفة السياسية والاخلاقية في امريكا والعديد من البلدان، ثم مالت الكفة بعد نشر كتاب رولز ، الى الليبرالية القائمة على الحقوق ، فنظرية رولز تؤكد انه لايمكن ان نمارس حرياتنا السياسية والمدنية بشكل حقيقي من دون تلبية حاجاتنا الاجتماعية والسياسية الاساسية، لذلك فان النظام السياسي مطالب حسب نظرية رولز، بضمان مستوى معيشة لائق لكل مواطن، على اساس ان ذلك حق له، من تعليم واستفادة من دخل وسكن، ورعاية صحية، ويطرح رولز نظريته عن الحق والخير، فهو يرى اننا لسنا حاصل لرغباتنا ، كما ترى الفلسفة النفعية، ولا كائنات يقتصر الكمال عندها في تحقيق اغراض معينة او غايات تفرضها الطبيعة كما ترى الفلسفة الارسطية، بل اننا على العكس من ذلك نحن ” أنوات “حرة ومستقلة، لا تحدنا روابط اخلاقية سابقة، كما اننا قادرون على اختيار غاياتنا بانفسنا، ولاننا “أنوات” حرة ومستقلة، قادرة على اختيار غاياتها، فنحن في حاجة الى اطار للحقوق يكون محايدا ضمن الغايات، لذلك يرى رولز ان اقامة حقوق على تصور ما للخير من منفعة ، سيكون من شانه فرض قيم بعض على بعض آخر، ومن ثمة عدم احترام قدرة كل شخص على اختيار غاياته، ولهذا يكتب رولز ان المذاهب الغائية خاطئة جذريا في تصورها، لانها تربط الحق بالخير ربطا خاطئا: “ينبغي اذا ان لانحاول اعطاء حياتنا شكلا ما انطلاقا من الخير بطريقة مستقلة. ليست اهدفنا هي التي تبرر طبيعتنا بل تلك المبادئ التي نعترف لها بكونها المتحكمة في الشروط التي يقع في سياقها تحديد الاهداف والطريقة المتبعة في تحقيقها. سبب ذلك يكمن في اسبقية الأنا على غاياته وتحديده لها الى درجة ان الغاية السائدة نفسها يجب اختيارها من بين عدد من الامكانات. لذلك ينبغي قلب العلاقة بين الحق والخير كما تقترحها المذاهب النفعية والغائية والنظر الى الحق على انه أولي، ولهذا فان الفكرة التي تفيد اننا أنوات حرة ومستقلة، يجب حسب رولز ان لا تخضع لروابط اخلاقية مسبقة.
في النهاية يمكن تلخيص فكرة جون رولز للعدالة والتي طرحها في معظم كتبه الاساسية الثلاثة ” نظرية في العدالة ، والعدالة كانصاف، وقانون الشعوب ، تقوم على خلق مجتمع صحي في مواصفات جيدة وعلى الفرد ان يفعل ذلك دون معرفة الموقع الذي سيحتله في المجتمع. لا يعرف إذا ما كنت سيكون غنيا أو فقيرا أو إنسانا بإعاقة، قبيحا ذكيا أو غبيا، موهوبا أو غير موهوب،. ويعتقد أنك ستختار مبادئ أكثر عدلا من وراء ما اسماه بـ “حجاب الجهل” لأن الفرد لا يعرف الموقع الذي سيحتله في النهاية، أو الشخص الذي يمكن أن يكونه. بهذه الآلية البسيطة للاختيار دون معرفة موقعك، يطور رولز نظريته للعدل. وهذه النظرية مؤسسة على مبدأين و هما الحرية و المساواة.
كان أول مبدأ هو مبدأ الحرية. يقول هذا المبدأ: يجدب أن يتمتع الجميع بالحق في مجموعة من الحريات الأساسية التي لا يجب أن تنتزع منهم، كحرية المعتقد، حرية التصويت على زعمائهم و حرية واسعة للتعبير. حتى لو أن تقييد بعض هذه الحريات حَسّن حياة أغلبية الناس، يعتقد رولز، كان مهما أن يتم حماية هذه الحريات فوق كل شيء.

المبدأ الثاني لرولز هو مبدأ الاختلاف، وهو يتعلق بالمساواة. يجب أن ينتظم المجتمع بطريقة تمنح ثروة و فرص أكثر مساواة للذين يعيشون حياة صعبة. إذا تلقى الناس كميات مختلفة من المال، يُسمح بهذا التفاوت فقط إذا كان يساعد مباشرة غير المحظوظين. وهو يرى ان الفرد يجب ان لا يحصل على اجور باهضة او مكافآت ماليه كبيرة لكونه “نجم سينمائي” او “لاعب كرة موهوب” او “موظف ذكي”، إلا إذا حصل الناس الأكثر فقرا على مال أكثر كنتيجة لحصوله هو على هذا الراتب الضخم . فأن مثل هذه العدالة هي التي ستقبلها الناس مطمئنة وراضية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0