فنون مختارات مقالات

عرض فيلم كفرناحوم

فيلم كفرناحوم

بقلم/ محمد عبد العاطي

قرأت عن فيلم كفر ناحوم حين صدوره قبل عامين وحينما علمت أنه عن أطفال الشوارع والمهمشين والفقر والبؤس والاتجار في البشر قلت في نفسي: لن أشاهده، يكفي ما أنا فيه من هموم، ولا داعي لفيلم يزيد الغم والكآبة. وطوال العامين أسمع بين الحين والآخر عن فوزه بجائزة هنا أو بميدالية هناك، فقررت اليوم مشاهدته وكانت المفاجأة أن مناظر البؤس التي في الفيلم لم تنقلب على مزاجي حزنا ونكدا بقدر ما أثارت في عقلي تساؤلات: لماذا، مع علمنا بكل هذا الفقر، لم يحدث شيء لتقليله وإنقاذ هؤلاء المساكين مما هم فيه؟ لماذا تستمر هذه المأساة في واقعنا كأنها قدر محتوم لا فكاك منه؟ أين ذهب حق الفقير في مال الغني؟ إلى متى ستظل دولنا محكومة بالمستبدين اللصوص الفسدة المتسببين في هذه الحالات الموجعة؟

على أية حال.

يحكي الفيلم قصة ولد صغير عنده ١٢ سنة يسمى زين يعيش مع أب عاطل عن العمل وأم تصنع لأطفالها مشروبا منزليا معبأ في أكواب بلاستيك وتطلقهم في الشوارع وعند إشارات المرور لبيعها، وهو نوع معروف من التسول المبطن.

البيت غاية في الفقر والبؤس؛ الطعام شبه معدوم، الملابس الرثة، المساحة الضيقة، ومع ضيق المكان واستحكام الفقر يضيق الخُلق ويكثر السباب، ويدفع الفقر الأب والأم لتزويج ابنتهما سحر من شاب له محل بقالة في الحارة التي يقطنونها، ويحاول زين منع الزواج بحيلته الصغيرة لكنه لم يستطع.

تذهب سحر لبيت عريسها ولما تبلغ ١١ عاما، ويغادر زين المنزل رافضا ما حدث وناقما على ظروفهم وأحوالهم.

تستمر الأحداث ويتعرف على جيستي، خادمة منزل أفريقية معها طفل من علاقة غير شرعية من شاب لبناني رفض الاعتراف به، وحينما رأت زين على هذه الحال من الجوع والتشرد واليأس رقَّ قلبها له وآوته في غرفتها المتواضعة وسط أفقر الأحياء في بيروت.
كانت مهمة زين الجلوس مع يونس ابن الخادمة الرضيع حتى ترجع من عملها، وذات يوم تأخرت فخرج يبحث عنها، وبعد يومين من قلة الحيلة مع هذا الطفل اتضح لزين أن الشرطة ألقت القبض على الخادمة جيستي وأودعتها سجن الترحيلات.

تذكر زين أن الخادمة كانت تتكلم عن رجل في السوق يعدها بالتهريب إلى أوروبا مع ابنها، فذهب إليه، وهناك ساومه المهرب على أخذ الطفل ليبيعه لعائلة كما يدعي فيرفض زين في البداية هذا العرض لكنه يعود فيقبله إنقاذا للطفل من الجوع والموت بعد أن طال غياب أمه.
يخبره المهرب أن بإمكانه تسفيره إلى السويد أو تركيا إذا دفع الثمن وطلب منه إحضار أي ورقة تثبت هويته.
عاد زين إلى بيته بعد غياب ستة أشهر وهناك علم أن أخته سحر قد ماتت عند باب المستشفى وهي تنزف بعدما لم تتحمل وهي الطفلة الصغيرة المعاشرة الزوجية والحمل، فقرر الانتقام من زوجها الشاب أسعد، واستل سكينا من المطبخ وانطلق يعدو حتى وصل إليه وطعنه فأصابه بشلل ولم يقتله.
تلقي الشرطة القبض على زين ويدخل الحبس وهناك يشاهد برنامجا له شعبية عند الرأي العام اللبناني من خلال تلفزيون السجن ويسمع المذيع يطلب من المشاهدين الاتصال ونقل تجاربهم على الهواء، فاتصل زين به، وصرخ في وجه المشاهدين بأوضاعه وأوضاع الأطفال المشردين نظرائه، وطالب بمحاكمة والديه لأنهما أنجباه وأتيا به إلى هذا العالم الموحش.
وينتهي الفيلم كما بدأ في قاعة المحكمة، نسمع ونرى، طفلا يحاكم والديه والمجتمع والحياة التي لم ير منها غير الظلم والقسوة.
الفيلم، وكما قلت في المقدمة، مليء بمشاهد الألم لكنه جاذب للمشاهدة ومتابعة الأحداث حتى النهاية. والسبب يرجع إلى الصدق، صدق القصة والتمثيل والمشاهد، لدرجة يصعب معها معرفة إن كان ما نشاهده فيلما وثائقيا أم سينمائيا، في حين أنه بالفعل سينمائي غير أن الممثلين، ورغم براعة أدائهم، كانوا من الأفراد العاديين غير المحترفين للتمثيل.
ربما يأخذ البعض على الفيلم عدم تعرضه للأسباب مجتمعة التي أدت الى هذا الفقر الذي نرى، وتركيزه على سبب واحد فقط وهو كثرة الإنجاب في مثل هذه الظروف غير المناسبة للعيش الآدمي، فلم يتعرض للدولة ونظام الحكم وجشع المجتمع وما هنالك من أسباب.. أقول ربما يأخذ البعض عليه ذلك، لكن في تقديري هذه الأسباب غير خافية على أحد، وربما لن تأت المخرجة نادين لبكي، صاحبة الفيلم، بجديد لو تطرقت لهذا، وكان قرارها ببساطة هو التركيز على المشهد كما هو دون فذلكة، وجعل الحقيقة تتكلم، والمعنى يصل.. وأزعم أنها نجحت في ذلك.
على كلٍّ، الفيلم من الأفلام العربية القليلة الراهنة التي بها مضمون يستحق التفكر وأداء يستأهل المشاهدة، وهو موجود على نتفليكس.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
محمد عبد العاطي
محمد عبد العاطي؛ باحث متخصص في مقارنة الأديان.