ادارة و اقتصاد فكر مجتمع مقالات

تأملات في الفكر الاقتصادي الماركسي

 

بقلم/ عبدالرحمن عبدالله –
الولايات المتحدة

استمتعت خلال الأسابيع الماضيه بحضور عدد من الحوارات التي تناولت بالنقد و التشريح نظرية كارل ماركس الاقتصاديه. على الرغم من أنني أكملت بعض الكورسات في الاقتصاد الجزئي اثناء دراستي للماجستير، الا انها لم تتناول النظرية الماركسية بصوره معمقة؛ وهذا ما جعلني اندهش مما أورده المتحاورون من تحليلات منسوبة لكارل ماركس يشرح فيها آلية عمل النظام الرأسمالي، و ينتقد أدواته، و يبن مثالبه. لقد ابدى ماركس فهما عميقا للرأسماليه، فالنقد الذي قدمه يشي بأنه بذل مجهودا مقدرا في فهمها، ثم إن القرائن تدلل على انه لم ينتقدها من باب الترف الفكري وإنما لما رآه من تناقضاتها، وهذا ما جعله يقول “إن الرأسمالية تحمل بذور فنائها”.

وجدت في نفسي حماسا ورغبة في التعمق في دراسة كتاب كارل ماركس الأشهر “رأس المال”، لكن بما ان الكتاب قد كتب بأسلوب فلسفي معقد يصعب على المبدتئين من امثالي استيعابه، فقد رأيت أن أبدأ ببعض ما كتب تلاميذه في شرح نظريته، و ما كتب مخالفوه في نقد أطروحاته. وحتى لا يساء فهمي، يجب التنبيه الى أنني لست معنيا بنظرياته الإلحادية و الاشتراكيه، وانما نظرياته الاقتصاديه فقط، كما يجب التنبيه الى ان التجارب قد أثبتت قصور النظرية الماركسيه وعجزها على الصمود خارج قاعات الدرس، بيد أن الكثير من توقعاتها بشإن الراسماليه قد تحقق.

١. الملاحظة الاولى التي خرجت بها هي مدى جهلنا بشخصية كارل ماركس؛ يبدوا ان الصراع القوي بين قوى اليمين و قوى اليسار (نهاية الاستعمار و بداية حقبة التحرر ) قد ولد صورة ذهنية سالبة لكل ما له صلة بالفكر الشيوعي. أكاد أجزم ان أغلب مفكري اليمين ممن ناصبوا الفكر الشيوعي العداء لم يطلعوا على مساهمات ماركس في مضمار الاقتصاد السياسي. نفس الشيء ينسحب على اهل اليسار، فقد سوقوا الجوانب الاجتماعية و الإلحادية في فكر ماركس، ولَم يأبهوا بنظرياته الاقتصاديه؛ بل انني وقفت على شهادة احد كبار مفكري الحركة الشيوعيه في مصر يعترف فيها ان السواد الأعظم من رفاقه من قادة الحزب لا يعرفون شيئا عّن كتاب رأس المال و نظرية فائض القيمة و نقد ماركس للرأسماليه.

٢. النزاع السياسي بين العم سام (امريكا) و العم جو (الاتحاد السوفيتي) كان من القوة بحيث امتد تأثيره الى الجامعات و مراكز البحث. فمقررات كليات الاقتصاد في الجامعات الغربيه تتجاهل كتابات و نقد ماركس رغما عن قوة حجته و دقة ملاحظته. وهذا ما جعل ريتشارد وولف (احد علماء الاقتصاد في جامعات نيويورك) ينتقد هذا المسلك من المشرفين على المؤسسات الاكاديميه ويقول” بالرغم من انني أفنيت شبابي في دراسة الاقتصاد ونلت اقصى الدرجات العلميه من افضل الجامعات العالميه، الا انني لم أجد لافكار ماركس وجود في المقررات التي فرضت علي”. لقد كان الاجدر بالمؤسسات الاكاديميه التعامل بحياديه مع افكار ماركس، بل وأخذ ملاحظاته حول الرأسماليه بعين الاعتبار، سعيا وراء إصلاح عيوبها و تقويم ادائها.

٣. يعد ماركس اول من نبّه الى مفهوم  “تقديس السلع commodity fetishism”. وهو مفهوم يفسر كثيرا من الظواهر التي نلاحظها في حياتنا اليوميه. بحسب ما أورده ماركس، فإن سعر السلعة يحدد من خلال ما تحتويه من قيمة اجتماعيه. لتبسيط هذا المفهوم، دعونا نطرح الأسئلة التاليه:

مالذي يدفعنا لشراء قوة الصباح من استاربكس ودفع ما يقارب ال 5$، في الوقت الذي تباع فيه القهوة في المحل المجاور بما لا يتجاوز الدولارين.

ومالذي يدفع شركات الطيران للمبالغه في تسعير تذاكر درجتي ال first & business class، بحيث يمكن ان تتجاوز خمسة أضعاف التذكرة العاديه، في حين ان كلفتها الحقيقيه لا تتجاوز الضعف.

اذا ما أمعنّا النظر في المثالين اعلاه، نجد ان خليطا من العوامل الاجتماعية هو ما يدفعنا لتقبل أسعار بعض السلع و الخدمات رغما عن عدم تناسبها مع القيمة الحقيقية. لقد استطاعت الرأسمالية توظيف هذا المفهوم بصورة مدهشة لبرمجة عقول المستهلكين. إنه لمن المحزن ان البشرية بعد ان إستطاعت تجاوز الأنظمة الطبقية الحسية (الإقطاع و العبوديه) فإنها عادت و سقطت في فخ الطبقية الذهنيه.

٤. تحدث كارل عّن ان المنافسه بين المنتجين يدفع الأسعار نحو الانخفاض، لكنهم (و محاولة منهم في زيادة الاًرباح) يقومون بخفض تكاليف الانتاج. ولأن الرأسمالية الشرسة لا تبالي بمصير العمال و عائلاتهم، فإن التخفيض يشمل فيما يشمل رواتب العمال. وهذا يؤدي بدوره الى انخفاض القدرة الشرائية في المجتمع. ثم إن الفجوة بين الكم الهائل من الانتاج و مقدرة المستهلك على الشراء تؤدي الى ظهور الأزمات الاقتصاديه.

هذا ما دفع السيناتور الامريكي ساندرز بالتوجه الى الشركات الكبرى طالبا رفع الحد الأدنى للأجور الى ١٥ دولار للساعه، لم يستجب الى نداءاته حتى الان الا عدد قليل من الشركات (على رأسها شركة أمازون). مما دفع السيناتور الى تبني قانون يلزم الشركة، التي يحصل عمالها على اَي نوع من انواع الدعم و الرعاية الاجتماعية الحكوميه (التامين الصحي الحكومي او دعومات الغذاء او السكن)، بتحمل قيمة الدعم الحكومي الذي حصل عليه عمالها من الحكومه.

٥. لاشك ان فكرة الملكية الجماعية التي دعى اليها ماركس قد اثبتت فشلها، لكن في المقابل أليس من الظلم ان يستغل حفنة من الاثرياء مجهودات الملايين  من الفقراء لزيادة ثرواتهم. لقد شهدت البشرية في القرن الحالي معدلات من سوء توزيع الثروة لم تشهدها من قبل. وهذا ما عبر عنه ماركس من مخاوف واطلق عليه صفة “الجانب المظلم للرأسمالية”. دعونا ننظر لهذه الأحصائيات:

*في العام ٢٠١٨، عدد المليارديرات في العالم اقترب من حاجز ال ٢٠٠٠ شخص.

**مجموع ثروات ال ٧٠ الأوائل منهم يفوق مجموع ثروات ٣٠٪؜ من سكان العالم.

*بحسب اوكسفام؛ فإن ٥٠٪؜ من مدخرات هؤلاء المليارديرات كفيل بمحاربة الجوع والفقر والمرض في العالم، بينما تضمن لهم ال ٥٠٪؜ المتبقية حياة مليئة بالبذخ والترف والاستمتاع.

٦. لقد كان ماركس محقا عندما تحدث عن جشع الراسماليه و انتهازيتها، لكن: هل فكر يوما في ان رفاق دربه من الروس و الصينيين هم من سيتصدر لهذه الرأسمالية البشعه؟

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
عبدالرحمن عبدالله
كاتب وباحث سوداني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في قضايا السياسة والاقتصاد.