تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

أسلحة وجراثيم وفولاذ

كتاب كل يوم جمعة (48) الإنسان والأرض (1/4) أسلحة وجراثيم وفولاذ

بقلم: د. وسام محمد

هذا الشهر أخصصه لموضوع أحبه، وقريب من قلبي، وهو عن علاقة الإنسان بالأرض، ولا أعني تلك العلاقة العاطفية التي قد تنشأ بين الأرض وساكنيها، ولكن أعني تلك العلاقة التفاعلية بين إنسان يعتمد نمو حضارته على محيطه البيئي، وتتأثر بيئته بنمو هذه الحضارة.

وأول كتاب أعرضه عليكم في هذه السلسلة، وهو كتاب اعتدت قراءته في حلقات دراسية حرة مع طلابي من دارسي العلوم البيئية، كتاب (أسلحة وجراثيم وفولاذ: مصائر المجتمعات البشرية Guns, Germs and Steel: The Fates of Human Societies) لمؤلفه (جاريد دياموند) الصادر عن 1997، وهو كتاب يمكن أن يندرج تحت فئات مختلفة منها تبسيط العلوم، وفلسفة البيئة، والتاريخ البيئي، ويعتبر اللبنة الأولى في مشروع فكري متكامل لمؤلفه استكمل في مؤلفات لاحقة، ولا يزال يعمل على استكماله.

الكتاب في مقدمة وأربعة أبواب تضم تسعة عشرة فصلًا وخاتمة. يشير (دايموند) في مقدمة الكتاب، التي عنونها بـ (سؤال يالي، مسارات التاريخ الإقليمية البديلة)، للمناخ الفكري الذي تشكلت فيه فكرة كتابه، في صورة نقاش دار بينه وبين شخص يدعى (يالي)، وهو مواطن ومناضل وموظف وسياسي من غينيا الجديدة، يسأل فيه هذا الأخير عن السبب الذي جعل الشعوب تتباين في درجة حضارتها، وهو ما يدفع (دايموند) في التفكير في الآليات التي ضمنت هيمنة الأوروبيين على العالم في القرنين الماضيين، وما لحق الشعوب الأصلية في الأمريكيتين وأستراليا من إبادة على يد الغزاة الأوروبيين، ويقرر أن يناقش هذه الأفكار للبحث عن الحقيقة، ولكن عوضًا عن استكشاف السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للهيمنة الأوروبية كما جرت العادة، يقرر أن يبحث عن أثر البيئة في تباين الحضارة بين الأمم المختلف عامة، وبين الأورو-اسيويين وغيرهم من الشعوب خاصة، وكيف أسهم هذا التأثير في تشكيل تاريخنا حتى اليوم.
الباب الأول، عنوانه (من عدن إلى كاياماركا)، حيث عدن إشارة إلى جنة عدن والتي بدأ الإنسان مسيرته منها، و(كاياماركا) عاصمة إمبراطورية الإنكا التي شهدت أول صدام بين الحضارة الأوروبية وغيرها من الحضارات، الصدام الذي أنتهى بوضع حجر الأساس للهيمنة الاستعمارية الأوروبية حتى اليوم، وهذا الباب يضم ثلاثة فصول. الفصل الأول وعنوانه (حتى نقطة البداية) ويناقش فيه ظهور الإنسان على الأرض، مبينًا أن أفريقيا كانت مهد البشرية الأول لما اجتمع فيها من خصائص بيئية ساعدتها أن تلعب هذا الدور، ومنها انتشر البشر إلى قارات العالم المختلفة، وبداية مشوار التحضر بظهور المجتمعات الأولى. الفصل الثاني وعنوانه (تجربة طبيعية من التاريخ)، مبتدأ بحادثة تاريخية صغيرة ومنسية في التاريخ البشري العام وقعت في الجزر البولينزية في القرن التاسع عشر، إذا أبيد شعب الماريوري على يد شعب الماوري، ينطلق (دايموند) يؤسس نظريته التي سوف يستخدمها فيما بعد لتفسير الحضارة، وخلاصتها أن الشعوب التي تعيش في بيئات معقدة وفقيرة، تطور تقنيات ونظم اجتماعية تساعدها على التغلب على تعقيد وفقر بيئتها، بعكس الشعوب التي تعيش في بيئات غنية وبسيطة، وعند وقوع أي صدام بين الشعبين، يلعب فيه أبناء البيئة القاسية دور المهاجم، فإن الغلبة لابد وأن تكون لهؤلاء. الفصل الثالث وعنوانه (صدام في كاياماركا)، وهنا ينتقل المؤلف إلى أول صدام كبير بين ثقافة أوروبية وأخرى غير أوروبية، وهو غزو الإسبان لإمبراطورية الإنكا؛ وعلى عكس الكتابات التاريخية الأوروبية المبكرة التي تتكلم عن شجاعة أسطورية للغازي الإسباني الذي جاء لينشر كلمة الرب/الكنيسة بين وثنيين فحاز النصر، يقدم (دايموند) رواية عن صدام بين ثقافتين الأولى – الأوروبية – مصابة بجميع عقد الاستكبار وتستحل نقض العهود واستغلال الآخر (((الأممي)))، بينما الثانية مغرفة في روحانية اسطورية تمنعها أن تبصر الخطر، وهو ما يستغله الإسبان، وهو ما سوف يمثل النموذج الأصلي للاستعمار الغربي الذي سوف يتكرر في كل مكان فيما بعد.
الباب الثاني عنوانه (ظهور وانتشار عملية توزيع الغذاء)، ويضم سبعة فصول. أولى هذه الفصول، الفصل الرابع من الكتاب، عنوانه (قوة المزارع)، منطلقًا من تجربته الشخصية كصبي يعمل في مزرعة أمريكية في ستينات القرن العشرين، يبحث (دايموند) خرافة (بطولية الاستعمار الغربي للأمريكيتين)، ما بين نظرة المستوطن الأوروبي الفخور بمزرعته التي أنشئها على أرض سلبها من السكان الأصليين، ونظرة هؤلاء السكان الذين تحولوا إلى عمالة رخيصة مستغلة ومحتقرة، ويصل إلى نتيجة أن نمط حياة المزارع أكسبته عدد كبير من التقنيات والوسائل الاجتماعية التي جعلته بالضرورة متفوقًا عند الصدام على مجتمعات الرحل، ففولاذ المحراث نفسه فولاذ الأسلحة، كما أن عملية تدجين واستخدام الحيوان في الزراعة أدت إلى تحصين المزارعين من العديد من الأمراض التي أصبحت أمراض بسيطة لديهم، وقاتلة بالنسبة للرحل الذين لم يعرفوها من قبل. الفصل الخامس وعنوانه (تاريخ الأغنياء والفقراء)، وفي هذا الفصل يبحث (دايموند) سبب التوزيع التاريخي والجغرافي للفقر والثراء بين الشعوب، متسائلًا عن سبب ظهور الزراعة في بيئات صعبة كالعراق والمكسيك، وتأخرها في بيئات ثرية مثل كاليفورنيا والجزر البولينزية، وهو ما يرجعه إلى أن البيئات الصعبة قد وفرت تحدي لشعوبها أدى إلى تطوير الزراعة وتدجين الحيوانات، بعكس البيئات الثرية التي لم توفر مثل هذا التحدي. الفصل السادس وقد اختاره على مثال السؤال المصير لهاملت فصاغه (أن تزرع أو لا تزرع)، وفيه يستمر في مناقشة نظريته حول الزراعة الضرورة باحثًا في الاستجابات للتحديات الايكولوجية المختلفة التي أدت إلى تباين أشكال الزراعة حول العالم، وبالتالي تباين أشكال الحضارة الزراعية والتقنيات التي أنتجتها. الفصل السابع، وعنوانه (كيف تصنع لوزه)، وفيه يتتبع تاريخ تدجين النباتات البرية وصولًا إلى الخضروات المزروعة والمحاصيل. الفصل الثامن وعنوانه (تفاح أم هنود)، وفي هذا الفصل يعود من جديد لسؤاله المتعلق بظهور الزراعة في مناطق غير ملائمة وعدم ظهورها في المناطق الملائمة، مركزًا هذه المرة على عامل ايكولوجي مهم يتعلق بنوعية النباتات البرية التي توفر في هذه الأماكن، إذ توفر في المناطق الملائمة أنواع من النباتات البرية محدودة أو عديمة الجدوى الغذائية، وكان ازدهار الزراعة لاحقًا في هذه المناطق بسبب وصول المحاصيل والخضروات الملائمة للزراعة من أماكن أخرى. الفصل التاسع، وعنوانه (حمير الوحش، زيجات تعيسة، ومبدأ أنا كارنينا)، ويستمر في نفس الاتجاه الذي مشي فيه في الفصل السابق، وإن كان في هذا الفصل يركز على ندرة أو عدم وجود الحيوانات الملائمة للتدجين في البيئات الملائمة للزراعة. وفي الفصل العاشر، وعنوانه (سماوات مفتوحة ومحاور مشرعة)، يستمر في بحث تأثير البيئة على انتشار الزراعة، وبالتالي الأسلحة والجراثيم والفولاذ، ولكن هذه المرة يبحث تأثير الاتصال والمواصلات بين الحضارات المختلفة.

الباب الثالث وعنوانه (من الغذاء إلى الأسلحة والجراثيم والفولاذ)، ويضم أربعة فصول، والفصل الأول من هذا الباب، الفصل الحادي عشر من الكتاب، عنوانه (هدية مميتة من الحيوانات)، وفي هذا الفصل يبحث موضوع ربما يناسب زمان كورونا، موضوع انتقال الأمراض من الحيوانات إلى البشر، ويعتبر (دايموند) أن البيئات الزراعية توفر ظروف أكثر مناسبة لانتقال الأمراض من الحيوان إلى الإنسان، كما أن أبناء الحضارات الزراعية على مدار التاريخ نجحوا في تطوير المناعة ضد مثل هذه الأمراض، وهو ما يفتقر له أبناء الحضارات الغير زراعية، وهو الأمر الذي أدركه مجرمي الغزو الأوروبي واستخدموه ضد شعوب أمريكا الأصلية، ويؤكد المؤلف على أن 90% ممن قتلوا بسبب الغزو الأوروبي من أبناء الشعوب الأصلية في الأمريكيتين إنما قتلتهم تلك الجراثيم، سواء التي نقلت عفويًا أو عن سابق قصد. الفصل الثاني عشر وعنوانه (خطط كتابية وحروف مستعارة)، وفي هذا الفصل ومتتبعًا تاريخ الكتابة يحاول (دايموند) أن يجيب على السؤال لماذا طورت بعض الشعوب الكتابة دون غيرها، معللًا انتشار الكتابة في حضارات دون غيرها بالتنوع والتفاعل الداخلي داخل الحضارة الذي الزم هذه الحضارات بتطوير تقنيات اتصال يسمح لها باستمرار التفاعل وتطويره. الفصل الثالث عشر عنوانه (أم الحاجة)، وينطلق (دايموند) من ملاحظة أن الحضارات القديمة تباينت في طرق الكتابة ما بين الواح الطين وورق البردي وغيرها، إلى هيمنة الابتكارات التقنية الغربية اليوم، باحثًا في الأسباب التي أدت إلى هذه الهيمنة؛ معللًا قبول التقنيات في مجتمعات لم تنتجها بالعامل الاقتصادي وعامل الحفاظ على مصالح المنتجين وقيمتها المضافة في عملية الإنتاج. الفصل الرابع عشر، وعنوانه (من المساواة إلى التسلط)، وفيه يبحث (دايموند) كيف يلعب الاقتسام الغير عادل لموارد المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية دورًا حاسمًا في إضعاف هذه المجتمعات، ويمهد لإفنائها ذاتيًا أو على يد قوة خارجية.

الباب الرابع والأخير وعنوانه (حول العالم في خمسة فصول)، ويضم خمسة فصول، والفصل الأول من هذا الباب، الفصل الخامس عشر من الكتاب، وعنوانه (شعب يالي)، وفيه يطبق ما عرضه من نظريات على شعب غينيا الجديدة وتاريخ هذا الشعب في الصراع مع جيرانه وصولًا للصراع مع الغزاة الأوروبيين. في الفص السادس عشر، وعنوانه (كيف أصبحت الصين صينية)، ومرة أخرى يحاول تفسير تاريخ الصين وبنيتها العرقية واللغوية على أساس نظريته، وصولًا إلى نتيجة أن توحيد الشعوب الصينية في شعب واحد استلزم استخدام السلطات المركزية الصينية لسياسات مشابهة أو مطابقة للسياسات الاستعمارية الأوروبية الإجرامية ولكن ضد مواطنيها، وهو ما أوجد صين موحدة في عيون الغربيين، ولكنها لا تزال مقسمة بصدوع مخفية، ولعل ما يتعرض له مسلمي الأوغور من مواطني الصين اليوم دليل صدق (دايموند). ومن الصين، ينتقل إلى غينيا الجديدة الإندونيسية في الفصل السابع عشر المعنون (زورق سريع إلى بولينزيا)، حيث الصراع اللغوي والعرقي المفروض على شعب غينيا الجديدة من قبل اندونيسيا الدولة التي تنتمي لها غينيا الجديدة والصين الدولة التي تمتلك أقلية مهيمنة اقتصاديًا على غينيا الجديدة، يعيد تشكيل مجتمع شعب غينيا الجديدة الأصلي مؤثرًا على هويته وثقافته. الفصل الثامن عشر وعنوانه (نصفا العالم يتصادمان)، ملخصًا طرائق الصراع بين الشعوب التي لعبت البيئة دورًا مميزًا في تطويرها، يستنتج (دايموند) أن هناك صراع دائر اليوم بين قوى مهيمنة أوروبية في مجملها، وقوى مقاومة غير أوروبية في مجملها، وأن ميدان الصراع لغوي وثقافي في المقام الأول. الفصل التاسع عشر، وعنوانه (كيف أصبح افريقيا سوداء)، وفيه يناقش أسطورة التحرر من الهيمنة الغربية متخذًا من افريقيا مثالً للإيضاح.
وينتهي الكتاب بخاتمة عنوانها (مستقبل التاريخ البشري كعلم)، يطرح فيه (دايموند) سؤال هامًا حول ما إذا كان ينبغي إعادة النظر في مناهج كتابة التاريخ لاعتبار دور البيئة في صناعة الحضارة، وتوجيه الحدث التاريخي.

إلى جانب الموضوع الشيق للكتاب، فالكتاب – ومشروع (دايموند) الفكري كله – يمثل كيف يتحول الأكاديمي إلى مفكر عابرًا للتخصص، ينطلق من تخصصه ويتجاوز انتماءه العرقي والثقافي إلى ما هو إنساني يتعلق بحضارته بالكامل، مكرسًا مشروعه للبحث عن سبب ازدهار وسقوط الحضارات، وهو ما عبر عنه خلال أكثر من عمل منها هذا الكتاب، وأعمال أخرى مثل كتابه الهام Collapse. بدأ (جاريد دايموند) حياته العلمية باحثً في مجال الفيزيولوجي، ثم تحول إلى دراسة الايكولوجي في مرحلة لاحقة، ودرس ولا يزال في العديد من الجامعات في الولايات المتحدة.

الكتاب نفسه صدر عام 1997، وقد نال جائزة (باليتزر) للكتابة إلى جانب جوائز أخرى، وقامت الجمعية الجغرافية الأمريكية بإنتاج وإذاعة سلسلة وثائقية مبنية على الكتاب أُذيعت عام 2005 وحققت نجاح وذيوع كبير وقتها؛ ترجم الكتاب إلى اللغة العربية عام 2007، ترجمه مازن حماد ترجمة وافية ممتازة، صدرت عن دار النشر (الأهلية للنشر والتوزيع).
مودتي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0