اجتماع عروض كتب مختارات مقالات

سيكولوجية الجماهير لـ جوستاف لوبون

سيكُولوجية الجماهير:
الجزء الأول: تقريب وتمهيد

بقلم/ ماجد الصالح خليفات

أضع بعض الملاحظات التي خرجت بها خلال قراءة “سيوكليوجية الجماهير” للفرنسي “جوستاف لوبون” الذي يعتبر مؤسس علم “سيكلوجية أو نفسية الجماهير” وتجدر الإشارة الى أن هذا الكتاب من أهم الكتب التي أسست لفهم قوة الجمهور (الشعب مثلا) والدور الخطير الذي قد يقوم به بمعزل عن أي قوى أخرى. أضع الملاحظات على شكل نقاط لتسهيل الرجوع إليها لمن يرغب. علما بأن جميع (حرفيا) سلوكيات الشعوب والجماهير في عصرنا الحالي محكومة بالكلية بهذه الأسس التي وضعها الكتاب وتلك التي طوّرها فلاسفة اجتماعيون آخرون لاحقا عليه:

1- قام علم النفس الفردي (علم النفس العام) على استنباط الذات الفردية من أجل تشخيص عُقدها النفسية في حين أن علم النفس المجتمعي بدأ بدراسة الصراع الدائر بين الفرد والمجتمع، بمعنى مدى انسجام الفرد مع مجتمعه، ثم درس سلوك المجموعات في المجتمع متجاوزا الأفراد. (من مقدمة المترجم).

2- بعض صفات الفرد النفسية هي انعكاس لصفات وسلوكيات مجتمعه النفسية. بمعنى الفرد قد يكتسب من صفات مجتمعه بعض الصفات المؤقتة كأن يصير نزقا أو فوضويا نتيجة أزمة صحية عابرة ضربت المجتمع دفعته لتغيير عاداته خلالها.

3- يلزم التفريق بين (علم النفس الاجتماعي) و(علم النفس الجماعي)، فالأول يدرس علاقة الفرد بمجتمع، وانسجامه معه، ومدى تأثره بالعوامل الطارئة في مجتمعه، بالإضافة إلى دراسة الفوارق بين الشعوب والأعراق، ومدى استجابة كل عرق أو مجتمع لعامل معين من العوامل؛ دراسة تطبيقية عملية من خلال البحوث والاستبانات والملاحظات الواقعية من المختبرات والشارع.

4- أما علم النفس الجماعي فيمكن اعتباره أحد فروع الاجتماعي، إذ يتعلق بالسمات النفسية للجماعة ككل بمعزل عن الأفراد، فشخصية وسمات شعب ما ثار على نظامه الحاكم في بلد ما مثلا، هي من اختصاص علم النفس الجماعي، أما العوامل التي دفعته للثورة فقد تكون متداخلة ومتشابكة خارجية وداخلية وتاريخية كذلك؛ فهذه من علم نفس مجتمعي.

5- تجدر الإشارة إلى أن مرئيات الكاتب في تأسيسه الصريح لعلم نفسية الجماهير: هي مرئيات تم التعديل عليها من قِبل أجيال لاحقة من الباحثين وعلماء النفس الاجتماعي، إلا أن هذا لا يعني إهمال الكتاب، بل ضرورة قراءته، والاهتمام به كمقدمة تساعد على تفهّم التطوّر المجنون في محدّدات سلوكيات المجتمع ككل، وتوقع حركته، بل ومحاولة توجيهه لشعور ما، أو تطبيعه بصفات طارئة ضرورية. فالكتاب منشور في أواخر القرن التاسع عشر 1895م. وقد جاء بعده فلاسفة كثر طوروا عليه، ولنقل أن دولا بعينها كالولايات المتحدة الأميريكية تبنّت هذا العلم ودعمت أبحاثه التطبيقية والسلوكية، واستثمرت فيه بل واستفادت منه سواء على مستوى الدولة أو الهيئات الحكومية والحملات الانتخابية والدعاية والقرارات المصيرية. إن هناك من يذهب إلى أن أميريكا القرن العشرين لم تكن لتصل إلى ما وصلت إليه بدون بحوث وتطبيقات علم نفس الجماهير (الاجتماعي).

6- قسّم الكاتب في تمهيده للكتاب المؤثرات الرئيسة في شخصية الشعب والجمهور:
(١) إلى مؤثرات تاريخية ورثها عن أسلافه (أسلاف الجمهور) وهي ثابتة أو جامدة صعبة التغيير.
(٢) وإلى مؤثرات مؤقتة قد تكون مختلفة كليا عن الموروثة، ناتجة عن تجمهر الشعب في مناسبة ما. ويمكنني أن أضرب مثالا بسيطا لتقريب الصورة لمن لم يقرأ من قبل في هذا الباب؛ بأن أفترض وقوع حادث مروري مؤثر على طريق قبل عشرات السنين؛ فتجمع عدد كبير من الناس عنده. هنا نقول بأن من الصفات الموروثة التي قد تكون حاضرة: الاندفاع الجماعي نحو المساعدة، وغض البصر عن كل ما لا يسمح رؤيته في الحالة الطبيعية. في المقابل فإن الفضول المستفز ناحية تفاصيل الحادث، وسرقة الضحايا، والصراخ هي من الصفات الطارئة التي قد تتضاد مع الأولى. المثال للتقريب في حين أن الأمثلة التطبيقية الكبيرة هي أعقد بطبيعة الحال. ملحوظة: يمكن اعتبار الحادث حدثا محرِّضا شكّل جمهورا بالمصادفة.

7- كان الكاتب “لوبون” موقنا منذ البداية أن الفترة التي عاشها ووضع فيها كتابه هي فترة انتقالية يتشكل فيها وعي الجماهير ونفسيتهم، وقد سمّى عصره بـ”عصر الجماهير”، بعد عصور من تحكم السلطة الدينية “كالكنيسة” أو الإدارية “كالملوك أصحاب الحكم المطلق” بهذه القوة التي كانت إلى حد كبير مطواعة في يد من يحركها، حيث أن اتجاهات الجماهير وقتها كانت مفهومة، وقراراتها متوقعة.

8- يمكنني القول بأن الكاتب قد تنبأ ((بخوف)) من طرف بعيد؛ بانهيار فكرة الحضارات وخصوصيتها على يد الجماهير العمياء، وربما هذا ما نعيشه الآن، إذ لم نعد نرى من الحضارات غير آثارها الموجودة في المتاحف، واستحضار أمجادها في الأعمال الأدبية.

9- يضرب الكاتب مثالا للإشارة إلى ضعف قوة القوانين ومؤسسات الدولة أمام نفسية أو مزاج الجماهير بقوله أن سنّ ضريبة عادلة بصيغة واضحة محددة لن يلاقي قبولا شعبيا في حين أن تفتيت قيمة الضريبة على سلع استهلاكية قد لا يجد مقاومة تذكر. فالوسيلة الأولى دفعت الجمهور لمقاومتها، أما الثانية فانسابت فيه دون مقاومة.

10- عطفا على ما سبق، أريد أن أترحّم على جدّ الكاتب وأقول له بانه قد تشكّل وعيا ضريبيا لدى الجماهير في كافة البقاع. لكنني أضرب مثالا على فكرته بأن الاحترام الذي كان مفروضا على الجماهير لمؤسسات الدولة وتشريعاتها صار ضعيفا باستثناء الاحترام الذي يُغذّى بتأني وهدوء على مراحل لقطاعات بعينها، كحب الناس للجيش وأفراده “العسكر” في عموم الشرق الأوسط.

11- يلزم الإشارة والتذكير، بأن كلمتي الجماهير والجمهور التي ترددت كثيرا أعلاه تعني تجمعا من الناس لا يشترط أن يربط بينهم رابط عرقي قومي أو ديني. في حين أن تكتلا من الناس قد يكتسب صفاتا جديدة ومنعزلة عن صفات عرق معين يشكل أغلبية في هذا التكتل.. مع التنويه بأن هذه الصفات مؤقتة ومحددة في ظرف معين كالصفات العابرة التي يكتسبها جمهور معين لعدة سنوات بعد انقلاب عسكري. فيكون من المتوقع أن تطرأ صفات جديدة، قد تكون مضادة وقد تكون أكثر إغراقا لسابقتها.

يتبع الجزء الثاني والثالث لاحقا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي