أدب و تراث مختارات مقالات

محمود مخلوف يكتب عن الرافعي

بقلم/ محمود مخلوف

كم كنت أتمنى لو أن الرافعي رحمه الله اكتفى في «على السفود» بنقده الفني لأدب العقاد من غير أن ينطق هُجْرا أو يأتي نُكْرا، ولو فعل لكان ذلك كفيلًا في نقض بنيانه من أسه، ولأراك بمعاول البيان ومطارقه كيف يستحيل البناء الشاهق ترابًا يسد الآفاق غباره، ولأراك كيف يُخمِده وابل القول فيهبط إلى أسفلَ ليكون هذا البنيان وما نجم من آثار هدمه هو والأرض سواء بسواء، فلا يكاد يدري المار عليه أكان ثَـمَّ طلل دارس هنا أم لا؟! ولأقنع قارئه بمخالفة المهدوم لقواعد البناء وأن إزالته كانت هي عينَ الصواب، لكن لمَّا شابه بفاحش القول أكسبه قوةً في نفس القارئ غير المتعصب، وجعل شعوره تتجاذبه حالان؛ الأولى حال المقبل على معرفة قواعد النقد وتعلمها ليَمِيزَ بها الواهيَ من الآداب من القوي، والثانية حال المتأذي مما يرى من بذيء القول وفاحشه حتى وإن بدت أقواله في قالب فكاهي محبب للنفس، فجعل ذلك قارئَه يتعاطف مع خصمه من حيث أراد تنفيره منه وتوهينه.

وكم كنت أتمنى لمَن كتب في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية ودافع عن اللغة الشريفة دفاع الأبي الباسل أن يربأ بنفسه عن مثل هذا، لا لأجل العقاد، ولكن لأجل نفسه، فأخشى أن يكون كتابه هذا – وإن رآه بعض الناس بديعًا في باب الهجاء والسخرية أو رأوا أن المقول فيه ذلك مستحق له- مما تُحَط به درجاتُه، فقد تداوله الناس وسيتداولنه إلى ما الله به عليم، ونحن لا يسعنا إلا الترحم على صاحبه سائلين المولى أن يتجاوز عنه ويعفو، فهو ممن جاهد في ساحة الدين ونافح عنه واغبرَّ قلمُه في سبيله، وبهذا نرجو له الغفران ومحو الذنوب والآثام.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0