سياسة مختارات مقالات

خالد مشعل والمشهد الفلسطيني القادم … حركيِّة الرؤية والميدان!

بقلم/ د. أحمد يوسف

أن تعرف شخصاً لأكثر من ثلاثين عاماً وأن تتعامل معه في العديد من الملفات الساخنة قبل تأسيس حركة حماس وبعدها، وأن تجالسه ويجمعك معه الحوار والطعام وهمس المشاعر وأسرار الكلام، وأن تشاهده في المنشط والمكره، وأن ترقب تحركاته وهمته العالية وتميزه في التعاطي بأخلاق عالية وأدب جمٍّ في محطات الاختلاف التي عصفت بالحركة، وكيف أجاد كقبطان للسفينة، إلى أن سلَّم الراية قوية خفاقة لمن جاء بعده يكمل المسير.

في الحقيقة، كان الأستاذ خالد مشعل بحاجة إلى “قيلولة سياسية” و”استراحة محارب” ليرقب المشهد ويتابعه بعيداً عن ضغوطات الحدث اليومي وصغائر الأمور، وبهدف صياغة رؤية يستكمل فيها ملامح الاستراتيجية التي حدد خطوطها العريضة في الورقة السياسية التي اعتمدتها الحركة ممثلة بالمكتب السياسي الذي كان يرأسه حتى منتصف العام 2017.

إن ما يطرحه اليوم الأستاذ خالد مشعل هو مقترح رؤية يحاول من خلالها جمع أبناء فلسطين من الإسلاميين والقوى الوطنية عليها، مع الحفاظ على مكانتها في الوجدان العربي والإسلامي؛ باعتبارها قضيتهم المركزية. وتتضمن الرؤية برنامجاً وطنياً يقوم على إطلاق المقاومة الفلسطينية والمواجهة الشاملة مع الاحتلال، ومعالجة أزمة المشروع الوطني الفلسطيني من خلال خريطة طريق تعيد الاعتبار له، من أجل تعزيز الوحدة وإطلاق الطاقات في وجه الاحتلال بهدف إنجاز مشروع التحرير وتحقيق الاستقلال.

لا شك أن الرؤية التي عرضها الأستاذ خالد مشعل تحت عنوان “المشروع الوطني الفلسطيني ومواجهة قرار الضم”، من خلال منتدي التفكير العربي – لندن، مطلع تموز الماضي، تستدعي التساؤل حول الجديد فيها، وما الذي يضيفه الأستاذ مشعل لمشهد الحركة الإسلامية والتنظيم إذا ما آلت إليه قيادة القاطرة الحمساوية؟ وهل بإمكانه إحداث التغيير الذي يتطلع له الكثيرون من نخب الحركة وكوادرها؟ وهل يتمكن من التوفيق بين احتياجات الحركة والتزاماتها السياسية وعلاقاتها الإقليمية والدولية، رغم وضعية التناقض وحالة الاصطفاف وتباين معسكرات التحالف داخل المنطقة والتي أحالتها إلى حقل ألغام؟

لا شك أن هذه الورقة التي تحمل رؤية سياسية نضالية قد لفتت أنظار الكثير من المراقبين للمشهد الفلسطيني، وقد اعتبرها البعض بأنها بمثابة برنامج ترشحه لرئاسة حماس!

نعم؛ هناك الكثير من النقاط الإيجابية التي تناولتها الرؤية على سبيل إعادة إحياء الكيانية الفلسطينية بروح الشراكة السياسية والتوافق الوطني. ولكن هذه الورقة تحتاج إلى ورقة أخرى تسندها وهي تتعلق بالبيت الحمساوي نفسه، والذي يتطلب تعزيز قدراته على القيام بنقلة نوعية تعين قيادته على حمل هذه الرؤية والتمكين لها، وهو ما سأشير إليه، على أمل أخذها في الحسبان، لتتكامل معالم النهضة وأركان القوة لمشروعنا الوطني وبنياننا الداخلي.

تبدو اليوم، وربما منذ أن دخلت حركة حماس على خط الحكم والسياسة، أن حالة التضخم في الأعداد والآليات والميزانيات والأعباء المالية قد تعاظمت في قطاع غزة وأثقلت طاقات الحركة، بل جعلت من علت بهم مشاغل مشهد الحكم عاجزين عن التفريق بين التزامات الحكومة وأعباء الحركة، بحيث تداخلت الأمور واختلط الحابل بالنابل. لقد كان الشعور بأخطار تراجع الأداء مع محدودية الكفاءات التي تتصدر عملية اتخاذ القرار ملحوظاً، وقد تهامس به الكثير ممن هم بمكانة “عظم الرقبة” من نخب الحركة ورجالها المخضرمين.

ولعلي أذكر أننا كتبنا حول هذه المسألة منذ زمن ليس بالقصير، وأدرنا بعض اللقاءات الحوارية لبلورة رأي حركي حولها، واحترمنا قرار الحركة بأن الوقت لم يحن بعد. ومع مرور السنين وتداخل المسؤوليات وتكاثر الأعباء التي تنوء بحملها أكتاف الرجال نعاود طرح الفكرة والدفع بها من جديد.. الفكرة – في الحقيقة – تقوم ببساطة على تجزئة المهمات وجهات الاختصاص، بحيث تتوزع الأحمال ومساحات العمل على ثلاث جهات أو جبهات تنظيمية منفصلة من حيث التخصص والاهتمامات؛ الدائرة الأولى: أن تكون جبهة للفعل المقاوم والعمل الأمني تحظى بالسرية والخصوصية، ولها قيادة تتمتع بأهلية وخبرات الميدان وبميزانيات وهيكليات صغيرة يصعب اختراقها، وهناك ما يربطها بأضيق دوائر العمل بشكل ما.

أما الدائرة الثانية؛ في العمل السياسي من خلال واجهة حزبية، لها مساحات مفتوحة للعمل والمناورة وحماية المشروع الوطني، ويحظى قادتها بوجوه وشخصيات وطنية ذات توجهات إسلامية عامة، وتتمتع بدعم الحركة ومباركتها، ويمكنها التحرك في فضاء يستوعب الجميع، كما نشاهد حالياً في المغرب وتركيا وماليزيا.

أما الدائرة الثالثة؛ فهي العمل الدعوي، الذي يشكل الحاضنة الشعبية والشبابية للحركة، ويظل يمارس العمل العام في كافة مناحيه التربوية والحركية والنقابية، وتكون هذه الدائرة بمؤسساتها الواسعة ومرتكزاتها الضخمة حجر الرحى في عملنا كحركة تعمل للوطن والأمة.

كان الأخ خالد مشعل خلال فترة توليه قيادة حركة حماس، والتي قاربت العقدين لظروف واعتبارات استثنائية، شخصية بكاريزما عالية وكتلة نشاط متميزة في حركيته ومتابعته لنبض التنظيم والشارع، وكانت سياسة “الباب المفتوح” التي اعتمدها في علاقاته مع الجميع تشجع أبناء الحركة والكثير من قيادات التنظيمات وفصائل العمل الوطني وأصحاب المكانة من المخاتير والوجهاء ونشطاء المجتمع المدني ورؤساء التجمعات النقابية والشخصيات الاعتبارية بالتواصل معه أو الحرص على ترتيب لقاءات وحوارات معه، وكان مكتبه في دمشق أو خلال زيارته لبيروت والقاهرة والسودان وتونس لا توصد له أبواب، فكان ملماً بكل شيء، وكانت دائرة علاقاته متشابكة بقوة، وكان مقنعاً في جاذبيته وصراحته لمشاطريه الحديث.

إن الأستاذ خالد مشعل هو شخصية ذات تاريخ مشرق وصفحات مليئة بالإنجاز، وهناك الكثير من أبناء الحركة الذين يتطلعون لعودته لقيادة الحركة، لما يتمتع به من أهليِّة ومكانة ووعي رجل الدولة. ولا شك أن الانتخابات القادمة إن جرت في موعدها أو تأجلت لبعض الوقت ستشهد تنافساً لن يغيب عن مشهده شخص بوزن ومكانة الأستاذ خالد مشعل. بالطبع، هناك شخصيات أخرى تتمتع بإمكانيات قيادية وازنة ولها هي الأخرى فرص وحظوظ متقاربة، وإن كانت الانتخابات وما يصاحبها من تفاعلات داخل التنظيم في الداخل والخارج هي من ستحسم الخيارات وتضع الراية في اليد الأكثر قدرة على إدارة الحركة وترتيب أوضاعها وجمع شملها، والتعامل مع المرحلة السياسية والأمنية التي تمر بالكثير من التهديدات والمخاوف على مستقبل الشعب والقضية.

قد يكون من المبكر طرح مثل هذه القضية للتداول الإعلامي، وإن كان طرحها لا يغيب عن جلسات نخب الحركة وكوادرها، وهي جزء من العملية الديمقراطية التي تميزت بها حركة حماس، منذ انفتاحها قبل عقد ونصف العقد على العمل السياسي، حيث صارت لغة السياسة ومفراداتها جزءاً من أشكال الممارسة الحركية في داخلها.

إن بيت القصيد وحجر الزاوية -يا أبا الوليد- أن الرؤية تحتاج قبل النفير إلى إصلاح القاطرة، وتأسيس أركان مسيرتنا على نهجٍ من الشراكة السياسية والتوافق الوطني.

المصدر: صحيفة القدس

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي