مجتمع مختارات مقالات

حين تموت وتنشهر ستتحلل ويحلل قضيتك الناس والإعلام

عن حريق أصاب ثلاثة أطفال بالنصيرات أمس

 

بقلم/ رزان السعافين

في هذه البلاد .. حينما تموت بحدث جلل، ستنهال عليك التحليلات والتأويلات من حيث لا يخطر على بال أصدقائك والناس أجمع !
منهم من سيعتبرك ضحية شعب يفتقد الكهرباء ولم تأويه سوى شمعة أحرقته !
ومنهم من يعتبرك ضحية عائلة مهملة أو مجحفة.
أيها الناس … والله لا يروق للقلب أن يتحدث بقصة إنسانية إلا ليتعظ من قصص الآخرين، أو يتعاطف معهم ويتألم، أو يشفق عليهم ويبتعد عن الخوض الزائد بدون هدف خوفا وقلقا… خذوا العبرة، وأعانهم الله على مصيبتهم أيا كانت ظروفهم…
لا تنسوا أحكام الله ففي كل بلاء حكمة وابتلاء.
كفاكم أحكام عقابية غيابية من حصائد الألسنة!
حينما ثارت وسائل التواصل الاجتماعي على عدد من قضايا العنف ضد نساء أو أطفال؛ فهذا طبيعي لأنها قضايا حقوقية والعاقل من ينبذ العنف الذي يختفي مع نضج المجتمعات.
أما في قضايا الموت أن ينقسم الناس إلى وكلاء ومحامين وقضاة على قضية مؤلمة كهذه .. ف كفى صدقا !
ما حدث أمس في مخيم النصيرات ليس بحادثة أولى من نوعها في قطاع غزة، فكم التهمت شمعة أرجاء منازل ونهبت الممتلكات ونهشت اللحوم وكتمت أصواتا لم تُسمع بعد؛ وصداها اختفى للأبد.
من حوالي 12 سنة وحوادث الحرق بالشمع بسبب انقطاع التيار الكهربي تتكرر بوجه وآخر، خاصة في بعض البيوت التي لم تتوافر بها بعد بعض معدات الإنارة المتوافرة والشائعة في بلادنا، وتعتبر هذه الإنارة أكثر أمانا ونسميها “الليدات”؛ وهي عبارة عن إضاءات خافتة تستخدم لغرض بديل مؤقت عن الكهرباء، ويتم شحنها على بطاريات ذي جهد عال جدا، وعليه تعتبر مكلفة للأسر الفقيرة التي لا تملك قوت يومها أو تنعدم لديها أسس الحياة.
لقد فوجع قطاع غزة أمس بحريق نشب في بيت داخل مخيم النصيرات أمات ثلاثة أطفال ينامون داخل غرفتهم على ضوء شمعة بسبب انقطاع الكهرباء.
مما أشيع عن هذه العائلة أن والدتهم ووالدهم منفصلان، وأن الأم لم ترهم من شهور حيث تقيم في بيت والدها.
والأطفال في حوزة الأب ورعاية جدتهم التي قدمت لهم واجب العشاء، فكانت ليلتهم الأخيرة في دنياهم حينما ناموا بعد عشاء الجدة، فأضاء لهم أبوهم شمعة تنير عتمة الكهرباء والتي لن تنير عتمة قلوبهم المشتاقة لنور دافئ في حياة الأبوين لتستقر أركان الأسرة المشتتة والتعيسة.
التهمت الشمعة الأطفال بلا عودة؛ وعليه انهالت وسائل التواصل الاجتماعي بالسباب والشتائم على الحكومة التي لم توفر الكهرباء بعد، ومنهم على الحصار الخانق منذ أمد طويل!
وهناك شتائم ومنشورات انهالت على أن الأم ظالمة، وتركت أطفالها وقد ماتوا لإهمالها؛ ومنهم من تعاطف معها لأنها محرومة منهم بسبب اعتبار الأب مجحف، وفقا للآراء المتداولة عليهما.
فكل ما كان منشورا حول قضيتهم من تحليلات وتفسيرات دليل على عقم نظرة الكثير من الناس من الأمور.
فيحللون ويلقون أحكاما وفقا لما يكرهون .. فمن كره الحكومة ألقى عليها اللوم، ومن يعاني وطنيا من الحصار ألقى الكرة في ملعبه؛ ومن تعاني من رجل اتهمته بالظالم الذي أخذ الأطفال؛ ومن يعاني من إمرأة جعل القضية أنها إهمال أم بحق أولادها…. الخ.
يا كرام والله حصائد الألسنة من حصائد بغض النفوس؛ لا أتكلم هنا بالقضاء والقدر، بل عن الاجحاف بالعباد حين تفسير أمورهم وفقا لأهواء النفس وتقلباتها وتجاربها.
قضيتهم ببساطة هي نتيجة معاناة شعب تجرع الويلات من الاحتلال، والمتآمرين خارجيا، والمنقسمين داخليا، الذين أجمعهم حرقوا أعمار أجيال بأكملها، وحرقوا شموع الأمل من عيونهم؛ فليس هينا عليهم أن يستمعوا كل فترة إلى قصة عائلة حُرقت بسبب شمعة !
لذا علينا أن نهون الأمر بإعدام ما تقذفه الألسن على واقعنا المشؤوم بشكل عجزنا عن تصنيفه.
واعلموا أن صاحب التجربة لا يفتي كثيرا، وأن المتألم الحقيقي لا يتحدث كثيرا؛ وكل زيادة في الكلام حول القضية هي نتيجة عدم نضج كاف، ودليل إجحاف زائد وسفاهة جمعية.
فارحموا من في الأرض كي يرحمكم من في السماء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0