دين مقالات

في النقد العلني

في النقد العلني

بقلم الدكتورة/ رهف ابو حنيدق

أستاذة العقيدة الإسلامية

قال تعالى في كتابه الكريم مخاطباً سيد البشرية محمداً صلى الله عليه وسلم: “عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ”.

“وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا, إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا”.

“يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ”.

هناك معضلة كبيرة تم خلقها في العقل الإسلامي المعاصر, حيث يُصر منتمو الحركات الإسلامية المعاصرة على أن النقد لا يجب أن يكون في العلن, حفاظاً على أسرار الحركة وخصوصيتها, بل يجب ان يكون سرياً, وقد يُوصف من ينتقدهم بالحاقد أو المزايد أو الراغب في التخريب … فوالله إن ذلك لترهات لا تبقي للنقد قيمة أو فاعلية , وهو على عكس ما جاء به القرآن الكريم, فلقد سجل القرآن الكريم ملاحظات على خير البشر, وجعلها آيات تتلى أبد الدهر, بما يفوق أية وسيلة إعلامية موجودة الآن, وستبقى هذه الآيات تلهج بها ألسنة المؤمنين وقلوبهم إلى يوم القيامة, ولم يقتصر ذلك على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بل شمل ذلك الأنبياء والمرسلين, فقال عن آدم عليه السلام: “وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى” وعن موسى عليه السلام: “فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ” وعن يوسف عليه السلام: “وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ” وقال عن جيل الصحابة الذين هم أفضل البشر بعد الأنبياء: “مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ”, وقال جل وعلا: “مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ”.

أليس في كل تلك الآيات البينات درس نتعلمه؟ أم أن هناك خير ممن ذكرهم القرآن لا يجوز الاقتراب من ساحتهم؟ حتى كلما اقتربنا من ساحة أحدهم قيل لنا: كيف تقولون ذلك في علماء الأمة؟ فيمن قدم وضحى وفعل وفعل … لماذا يعتبر هؤلاء أن النقد العلني جريمة كبرى وذنب لا يغتفر, ونسي هؤلاء أن النقد العلني علامة رشد وصحة ونضج..

إن النقد العلني هو شكل من أشكال ممارسة السلطة, فالعلاقة بين المواطن والمسؤول ليست علاقة تناصح فردي, بل تعاقد اجتماعي يوجب على أفراد المجتمع أن يشكلوا جماعات ضاغطة في اتجاه وفاء الحُكام بشروط تعاقدهم.

هناك سلطات أربع هي: السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية والسلطة الشعبية, وهذه الأخيرة تهدف إلى تشكيل تيارات شعبية اجتماعية ضاغطة باتجاه السلطات الثلاثة الأولى لاتخاذ قرارات تحقق مصالح الناس, وإن لم تفعل فإنه يجب على هذه السلطة الشعبية محاسبتهم والسعي إلى إقالتهم.

النقد العلني وليس السري, هو الكفيل بتصحيح المسارات, خاصة إذا كان هذا الأمر يمس حياة ومصالح الناس, أما النصح السري فهو فقط للأخطاء الفردية ذات الطابع الشخصي, بخلاف الأشخاص ذوي المهام العامة, أو المؤسسات والجماعات العامة, التي سيؤدي انحرافها إلى كوارث اجتماعية, لا تصيبن الذين ظلموا خاصة, وسيصبح الساكتون عنها ككفار بني إسرائيل الذين قال عنهم القرآن: “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ, كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ”.

إن النقد العلني دواء ناجع ومفيد, مقوم للأخطاء, مطور للعقل والفكر, ومعزز للثقة بالنفس, أما أن تدعي أنك كاملاً فهذا يعني أنك تضرب في عنق المستحيل ولا تقتله.

اقرأ المزيد:

المرأة الفلسطينية في يومها الوطني

تغييب المرأة في يوم المرأة الفلسطينية

قصة حقيقية مؤلمة عن ظلم المرأة حدثت في مصر

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.