فكر مختارات مقالات

الدين بين النباهة والاستحمار

الدين بين النباهة والاستحمار

بقلم: ا.د. علي المرهج

عنوان لافت يستخدمه (علي شريعتي) ليُميز بين نوعين من الدين (الدين الحقيقي) = (الدين الثوري) و “الدين الأفيوني” = “الدين السائد”.

ميّز شريعتي بين نوعين من التشيع أو ما أسماه “التشيع العلوي” و “التشيع الصفوي”، ويقصد التفريق والتمييز بين نوعين من التشيع، أحدهما ثوري يقتضي “النباهة” لما فيه من “بناء للذات الثورية” التي يسعى أصحابها لجعل (قضية الحُسين قضية إنسانينة (عِبرة وعَبرة).

هناك نوع من التشيع يُقابل (الاستحمار) وليس في التشيع فقط، بل حتى في التسنن، حينما تترك عقلك مركوباً كالحمار يركبه آخر يُملي عليك ما ينبغي عليك فعله.

استخدم علي شريعتي مفهوم “الاستحمار” كمقابل لمفهوم “الاستعمار”، فالمستعمر يستخف بعقول الشعوب التي استعمرها، ويدعي أنهم لا قدرة لهم على إدارة أرضهم وأملاكهم!. لذا هو جاء ليُساعدهم على إعمارها!.

كلا المفهومين “الاستحمار” و “الاستعمار” يعتمدان على مبدأ واحد، ألا وهو اعتقادهم بجهل (الآخر) وتميزهم عليه بكونهم سيعملون على جعله تابعاً لهم. إنه (نظام الوصاية) الذي يجعل من المجتمعات تابعة لكل قرارات أهل “الاستحمار” = “الاستعمار”.
ليس المشكل في وجود أهل “الاستحمار” أو أهل “الاستعمار” إنما المشكل الأكبر في مجتمعاتنا وقبولهم لـ “نظام الوصاية عليهم” فيقبلوا أن يكونوا “مُستحمرين” أو مُستعمرين”، لأن في “سلب الشخصية مُقدمة للسيطرة عليها”.

يؤكد (علي شريعتي) على وجود “دين ضد دين”=”دين مزور” ودور أصحابه تشويه “الدين الحقيقي”، والحال ينطبق على التشيع، فالتشيع في أصله نزوع للتحرير لا التبعية والتقليد، كما هو أصل دين النبي الأكرم الذي أصله تخليص الإنسان من (الاستعباد)، أو ما يذكره علي شريعتي بالنص:”الرسالة الإسلامية جاءت من أجل تحرير العباد من عبادة العُباد = (الاستعباد) إلى عبادة الرب = (الحُرية الربانية)”.

يقصد شريعتي بـ “الاستحمار” “تزييف ذهن الإنسان وحرف مساره عن النباهة الإنسانية”، ومن أسس “الاستحمار” كما هو “الاستعمار”، التجهيل والإلهاء، وهذا يتضح لنا في ما يحصل عندنا من تأكيد على ضرورة ممارسة الطقوس العاشورائية من دون العمل وفق مقتضيات التضحية الحسينية بوصفها إصلاح وصلاح لهذه الأمة من جهة الرفض للظلم والفساد، أو من جهة العمل على بناء مجتمع تسوده “العدالة الاجتماعية”.

يؤكد شريعتي عى أن الإنسان قيمة عليا، لا قيمة له لا في الديانات ولا في الفلسفات إن لم نعمل على النهوض بوعيه وتنمية شعوره بقيمته الإنسانية، “إن أكبر قيم الإنسان هي التي يبدأ منها بـ “الرفض” و “عدم التسليم” اللذين يتلخصان بكلمة “لا”، ومنها بدأ آدم أبو البشر”، بل وكل الأنبياء والفلاسفة المصلحين الذين كان أصل تميزهم وإصلاحهم قائم على تبنيهم لفعل “التمرد”، فالتمرد والنباهة هما صفتان تليق بالأنبياء والأوصياء والفلاسفة الكبار.
إن ميزة التشيع هي “التمرد” كما يذكر شريعتي في كتابه (التشيع العلوي والتشيع الصفوي)، لأن خطاب التشيع ومسعى رجالته الصادقين إنما هو إنصاف المستضعفين ورفض التمايز الطبقي، كونه في ظاهره ومضمره حمل لهم هؤلاء المستضعفين، فهو هداية وعمل للتخلص من ولاية الجور.

“التشيع العلوي (إيمان متحرك) بينما (التشيع الصفوي) لا يعدو سوى (إيمان متحجر) حينما تحول فيها التشيع أيام الصفويين من كونه حركة ونهضة إلى تشيع نظام وحكومة”.

(الاستغلال، الاستعمار، الاستبداد، والاستعباد)، أو ما يُسميه شريعتي “رباعية الاستحمار” هي رباعية (تجهيلية) القصد منها تغييب عقل الإنسان وجعله يقبل بأن يكون تابعاً، وفي تبعيته لمن يتبع شاكراً!.

تحدث عن “الاستحمار الديني”، وانتقد فيه المفكرين الذين يتخذون من العزلة حياة لهم، وقد أسماه “الاستحمار القديم”. بينما “الاستحمار الحديث” هو ضياع إنساننا المعاصر في (أفيون التقنية) و الدفاع عن (الحريات الفردية) وأهمها “الحرية الجنسي” و “حرية المرأة” لا لأنه واع بقيتمها الإنسانيبية بقدر ما هو يُقلد النزعات الغربية وتقليعات الحداثة فيها!.

“الدين الاستحماري (عند شريعتي) هو الدين المُضلل، الدين الحاكم، شريك المال والقوة، الدين الذي تتولاه طبقة من الرسميين الذين لديهم بطاقات للدين…، الدين الذي يُسخر الناس كالحمير، أي يستحمرهم”!.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي