أدب و تراث قادة وأعلام مختارات مقالات

في الطريق الى نجيب محفوظ

في الطريق الى نجيب محفوظ

بقلم المفكر العراقي: علي حسين

توجد روايات تجعلك حين تنتهي من قراءتها ، تعشق المكان الذي دارت به الاحداث ، اذكر منها مثلا مدينة بطرسبورغ كما رسمها لنا دوستويفسكي في روايته الأبله ، وباريس بكل جمالها وافراحها ومعاناة الناس فيها كما جاءت في كوميديا بلزاك الانسانية ، والتحفة العجيبة ” كنيسة نوتردام ” التي خلدها فكتور هيجو في واحدة من اجمل اعماله ، و” درابين ” المربعة كما وصفها بدقة غائب طعمة فرمان في النخلة والجيران ، وكان لأزقة القاهرة نصيبا حين خلدها نجيب محفوظ في معظم رواياته الضاجة بالحياة والامل والاضواء ، في الثلاثية او السراب او خان الخليلي او زقاق الدق يصف لنا قاهرته المدهشة ، ونتابع في صفحات رواياته كيف تتسرب منها الحياة ، وتمضي الازمنة ، لكن مدينة نجيب محفوظ ثابتة . في هذا الشارع المتعرج كالمتاهة كان ياسين يحاول السير على خطى والده كمال عبد الجواد الغرامية ، وفي واجهات الدكاكين ستسمع ضحكات شلة الانس ، وفي واحدة من الحدائق سنشاهد كمال عبد الجواد جالسا يحاول حل الغاز نظرية داروين .وكان نجيب محفوظ ينظر من خلال عيني كمال عبد الجواد الى القاهرة وتحولاتها ويطرح الاسئلة دون ان يعطي دروسا .. يقول انه ولد في حارات القاهرة القديمة ، وهو يعشقها :” هناك نوع من الحب الذي نحمله لمكان ما ولناس هذا المكان ” احياء القاهرة القديمة كانت هي كل شيء بالنسبة له ، وهو يصفها بانها الزوجة الاولى التي اراد من خلالها ان يقدم تجربته في الحياة ، ورغم هذا يقول لجمال الغيطاني في كتاب ” المجالس المحفوظية ” ان بعض اصدقائه يعرفون كل متر في القاهرة :” انا لا اعرف شيئا سوى القليل القليل ” .. وهذ القليل هو الذي مكنه من ان ينطلق من تفاصيل صغيرة وواقعية الى تشييد حياة باكملها .. من” سعيد مهران ” المطارد في اللص والكلاب الى ” نفيسة كامل ” ابنة الاسرة الفقيرة فيبداية ونهاية مرور بـ “صابر الرحيمي” الباحث عن ابيه في رواية الطريق الى ” حميدة ” في زقاق الدق التي سقطت في جحيم الغواية ، الى عوامة النيل حيث يجتمع الاصدقاء يثرثرون فتختلط عندهم الاوهام بالواقع ..منذ اكثر من ثمانية عقود اطلق نجيب محفوظ سهم الرواية العربية ، لياخذنا معه في افتتاح مهرجان الخيال الممزوج بالواقع .. وكان قدر نجيب محفوظ الذي تمراليوم ذكرى رحيله – توفي في 30 آب عام 2006 – ان يكون دليلنا في رحلة الخيال هذه .
حدث الأمر معي في بداية السبعينيات، كان عبد الرحمن السامرائي ” ابو عوف ” يتخذ من دكان صغير في بداية سوق السراي مقرا له،وهو ياتي الى مقر عمله محمولا على عربة خشبية تحيط به الكتب والمجلات ، فقد كان بدينا جدا ، لا يتمكن من السير على قدميه ، كنت أذهب اليه كلما زرت شارع المتنبي ، وكانت العربة التي يستخدمها في عرض الكتب وفي التنقل مصفوف عليها كتب من كل شكل ولون، وانا انبش فيها بحثا عن رواية او كتاب في المسرح، لمحت صورتها على الغلاف ، امراة جميلة تبدو على ملامحها الحيرة، قرأت العنوان ” بين القصرين ” وقبل ان اعرف اسم المؤلف قلت لابو عوف
• هل هذا كتاب جديد
– قال لي: ألم تقرأ من قبل لنجيب محفوظ
• قلت: أتذكر انني شاهدت له أفلاما
– أجابني هذا الكتاب هو الجزء الاول من ثلاثيته وهي موجودة لدي كاملة.
ناولني الاجزاء الباقية من الكتاب، ومضيت الى أقرب مقهى جلست وفتحت بين القصرين.
كنت أتعرف على نجيب محفوظ اول مرة، لم أعرفه من قبل، عرفت طه حسين والعقاد وشغفت برواية توفيق الحكيم عودة الروح.
أخذت أقلب صفحات بين قصرين ، فوجدت نفسي وانا أسافر في رحلة ممتعة الى شوارع مصر القديمة ، لتنفتح امام عيني مدينة القاهرة بكل سحرها، وشعرت وانا الشاب المراهق بفتنة اكتشاف شيء جديد، أتذكر ان الوقت مضى سريعا، كانت شخصيات الرواية تنطوي ملامحها على ذلك الجمال الأخاذ الذي يراود أحلام فتى مراهق مثلي ، وكانت سطور نجيب محفوظ تؤكد لي ان الحلم يحرر الانسان، وان الحب مرادف للمعرفة.
يخبرنا نجيب محفوظ أنه أمضى حياته وهو يتجه نحو نقطة يتمكن معها من كتابة رواية عن حياته الشخصية ، فهو الآن في الاربعين من عمره (عام 1951) – ولد نجيب محفوظ في 11 ايلول عام 1911 – ، ومرت سنوات على وفاة والده عبد العزيز إبراهيم،، ويخبر جمال الغيطاني في كتاب “نجيب محفوظ يتذكر : “انه فوجئ برد فعله أزاء رحيل الأب الذي كان كتلة لا يمكن اختراقها. لم يبكِ أو يُشلّ، بل خاف وشعر برغبة في الكتابة عن رجل ترك أثراً كبيرا في حياته “. حين بدأ كتابة قصر الشوق كان في الاربعين، وتذكر ان والده كان يعيش أجمل سني حياته في هذه السن. أخذت الرواية عاما كاملا من حياته وانتهت بكتاب يبلغ حجمه ثلاثة أضعاف روايته العادية. رفض الناشر طبعها بسبب كبر حجمها، أكثر من ألف صفحة، احتفظ بها يوسف السباعي في درج مكتبه كان ينوي نشرها في مجلة الاثنين، لكن الثورة قامت عام 1952، فيتم نشرها متسلسلة في مجلة الرسالة الجديدة، وكان نجاحها مشجعا لدار النشر ان تطبعها بعد ان اقترح الناشر تقسيمها الى ثلاثة اجزاء حسب الفترات التاريخية “بين القصرين، قصر الشوق، السكرية”،
بعد عام من نشر الجزء الاول من الثلاثية وبالتحديد عام 1953 يكتب نجيب محفوظ عن مفهوم الحب عند كمال عبد الجواد بطل قصر الشوق
” في الثلاثية نجد كمال عبد الجواد يتساءل :إذا كنا نحب الكمال في المحبوب فكيف يتأتى لنا أن نحب ما هو بعيد كل البعد عن الكمال؟ ويرى أن الخطأ يأتي من أن الحب لم يأخذ مجراه الطبيعي وأنه يأتي مما يضلل عين المحب عن الحب الصادق وليس من الحب نفسه، فإذا صدّقت نفس الحب السامي فالذنب ذنب النفس، ويعزون الفساد إلى النفس البشرية،
في تلك السنوات كنت شاباً صغيراً مفتوناً بعدد من الكتّاب .. أراهم دائماً يرسمون فى مخيلتى عالماً من الشخوص والنماذج الملهمة.. لذا كنت أحرص على قراءة كل سطر من سطورهم .. سُعدت بالساحر توفيق الحكيم الذي ادخل البهجة الى حياتي ، وانا اتابع مصائر أبطاله وأفراحهم وأحزانهم ، حيث استطاع ،وبمهارة الفنان العظيم، ان يخلق لنا عالما كاملا يتحرك فيه ببراعة وسط شخصيات واحداث هي جوهر فنه يكتبها ويعالجها منذ “اهل الكهف” و “عودة الروح” و “عصفور من الشرق” و”زهرة العمر” و”السلطان الحائر” و”يوميات نائب في الأرياف” . هناك عشت مع سحر الكلمات والوجوه والأحداث التي تحمل نكهة الفن الصافي . أما سلامة موسى فقد كان لوحده مكتبة متكاملة تضم الناقد والمفكر والمؤرخ والفيلسوف وعالم النفس والباحث الاجتماعي. وتعلمت من كتب طه حسن كيف اقرأ الادب وكيف أفهمه وكيف أتذوقه ، وطه حسين مثل سقراط يبحث مع قارئه ويناقشه ويسعى لسحق الافكار القديمة ثم يأخذك معه في رحلة استكشاف للادب العربي ، قديمه وحديثه ، وقد كان لكتابات طه حسين الفضل الاول بأن اخذت بيدي لتُدخلني عالما عجيبا مدهشا اسمه الكتاب.. واخذني سلامة موسى برحلة في كتابه ” هؤلاء علموني ” متقصياً لحياة وأعمال عددٍ من الشخصيات . انزويت بالكتاب جانباً، كانت المرة الاولى التي اسمع فيها باسم سلامة موسى ، في ذلك الوقت لم أكن أرى من الكتب سوى الروايات التي يصدرها محمود حلمي في سلسلته الشهيرة “كتابي” . لكني الآن مع روايات مختلفة وصاحبها مختلف ايضا ، كان قد نشر الكثير من الروايات ، لكن نصيبي ان ابدأ الرحلة معه بقراءة الجزء الاول من ثلاثيته .
يخبرنا نجيب محفوظ انه بعد قيام ثورة 1952 شعر بأن رغبة الكتابة قُتلت داخله ، فالهدف الذي كان يكتب رواياته من أجله هو نقد المجتمع وتحريض الناس للوقوف بوجه الظلم ، وهاهي الثورة تتحقق وستتولى تحقيق ما كان ينادي به في رواياته :” كان السؤال الذي يلح عليّ : ماجدوى الكتابة ، ولما طالت فترة التوقف ، أصبحت كالتائه ، واستقرّ في وجداني أنني انتهيت كروائي ، ولم يعد عندي ما أقدمه للناس. ”
كان نجيب محفوظ ، يشعر بأنه أمضى حياته وهو يتجه نحو نقطة يتمكن معها من كتابة رواية عن مفهومه للدين والعلم ، فهو الآن في الثانية والأربعين من عمره (عام 1953) – ولد نجيب محفوظ في 11 أيلول عام 1911 – ، وكان قبل أشهر قد نشر مقالا عن فكرة الالوهية في الفلسفة الحديثة وفيه يقول :” شعر الفلاسفة المحدثون ، كغيرهم من المفكرين في أي عصر آخر ، بأننا نستطيع أن نعرف القليل عن الله ، لكننا لانستطيع أن نعرف عنه كل شيء ، فثمة طرق نستطيع أن نعرف فيها الله وأخرى لانستطيع أن نعرفه فيها ” .
كان نجيب محفوظ ينوي عام 1930 الحصول على شهادة الماجستير في الفلسفة ، وأخذ ينشر مقالات في ” المجلة الجديدة ” التي كان يصدرها آنذاك سلامة موسى ، يرى فيها أن الإنسان يمكن أن ينتصر على الفقر بالعلم ، ولهذا قرر ان يناقش في رواياته التي كتبها فيما بعد قضايا علمية كان الاقتراب منها أمراً محفوفاً بالمخاطر .. وفي ثلاثيّته الشهيرة – بين قصرين .. قصر الشوق .. السكرية – يسلط الضوء على إزمة الإنسان الوجودية ورؤية أبطال الرواية الى الكون ، وشكوك البعض منهم تجاه المعتقدات المتداولة آنذاك :” وجَّهني سلامة موسى إلى شيئين مهمين، هما العلم والاشتراكية، ومنذ دخلا مخّي لم يخرجا منه حتى الآن” .
وفي مقال ينشره نجيب محفوظ في ” المجلة الجديدة ” عام 1930 بعنوان: ” احتضار معتقدات وتولد معتقدات” يشير إلى أن المدنيات القديمة قامت على معتقدات ترسخت في وجدان شعوبها، لأنها كانت بمأمن في نفوسهم من النقد والبحث اللذين يولّدان الشك والريبة، غير أن الوضع الحالي أصابه تغير بتسليط ضوء العقل على تلك المبادئ التي قامت بها تلك المعتقدات القديمة، ولذلك فإن العصر الحالي يعاني فيه الناس من الاضطراب والتخبط الفكري والمعرفي ،لأنهم يشهدون عصر احتضار وتولد معتقدات. ولذلك فالمقياس الذي علينا أن نتشبث به هو العقل والتطور العقلي، لأنه سيجعلنا نتوجه إلى الطريق الأصوب ، وإذا كانت الفلسفة تطرح الأسئلة، فبإمكاننا أن نقول إن الأدب يحاول طرح إجاباتها، وتشكيل زوايا لرؤية تفاعل الشخصيات مع تلك الأسئلة، وكذلك محاولاتها للحل في المعالجة الفنية. وهو ما يقوم به الأديب ذو الخلفية الفلسفية على وجه التحديد” .
في الجزء الثاني من الثلاثية – قصر الشوق – يرصد نجيب محفوظ القادم من الفلسفة الى الرواية ، ما حصل لكمال عبد الجواد وهو يتعرف على أحدث النظريات العلمية :
” قبل الخروج الى صلاة الجمعة بساعة ، دعا أحمد عبد الجواد ، كمال الى حجرته . كان بعض أصحابه قد وجهوا نظره مساء أمس الى مقال ظهر في البلاغ الأسبوعي بقلم الأديب الناشئ ( كمال عبد الجواد ). ومع أنّ أحداً منهم لم يقرأ المقال إلا العنوان ( أصل الإنسان ) فإنهم اتخذوا منه مادة للتعليق والتهنئة وممازحة السيد .
قال بهدوء مصطنع : – لك مقال في هذه المجلة ، أليس كذلك ؟
رفع كمال عينيه عن المجلة ، ثم قال بلهجة لم يمكنها من الإفصاح عن اضطرابه : بلى خطر لي أن أكتب موضوعاً تثبيتاً لمعلوماتي وتشجيعاً لنفسي على مواصلة الدرس .
قال السيد بهدوئه المصطنع : لاعيب في ذلك .. ماذا أردت بهذه المقالة ؟ اقرأها واشرحها لي ، فقد غمض عليّ مرامك .
-إنه مقال طويل يا بابا ، ألم تقرأه حضرتك ؟ إنني أشرح فيه نظرية علمية
-ماذا تقول هذه النظرية ؟ لقد لفتت نظري عبارات غريبة تقول إن الإنسان سلالة حيوانية ، أو شيء من هذا القبيل ، أحق هذا ؟ .
-هذا ما تقرره هذه النظرية .
علا صوت السيد وهو يتساءل في انزعاج :
-وآدم أبو البشر الذي خلقه الله من طين ونفخ فيه من روحه ، ماذا تقول عنه هذه النظرية العلمية ؟!
قال بصوت خافت : – دارون صاحب هذه النظرية لم يتكلم عن سيدنا آدم .
هتف الرجل غاضباً
-لقد كفر داروين ووقع في حبائل الشيطان ، إذا كان أصل الإنسان قرداً أو أي حيوان آخر ، ألم يكن آدم أباً للبشر ؟
يكرّر نجيب محفوظ في معظم رواياته علاقته مع العلم والفلسفة . وقد كان يؤمن أن الفكر الفلسفي وحده يستطيع النفاذ والنظر الى مشكلة الألوهية والخلق ، فهو يرى أنّ العلم هو الصورة الوحيدة للمعرفة البشرية ، ، وكان يرفض اعتبار اللاهوت أو الفلسفة الميتافيزيقية ميادين للمعرفة ، فالعالم الذي يصفه العلم هو العالم الوحيد الموجود ، وهو يرى أن مسائل الدين والأخلاق يجب أن تخضع لمعايير العلم .. يتذكر نجيب محفوظ أنه نشر عام 1933 مقالاً عن عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي أوغست كونت الذي أيقن في السنوات الأخيرة من حياته أن فلسفته تنطوي على أسس لعقيدة جديدة للبشرية وأنها هي وحدها الملائمة في نظره لعقل البشر في عصر علمي ، فالأديان التقليدية تقتضي قبول معتقدات لاهوتيّة غير علميّة
في نيسان من العام 1959 يعود نجيب محفوظ للكتابة بعد توقف دام اكثر من خمس سنوات ، كانت صحيفة الأهرام قد قدمت له عرضا مغريا بنشر إحدى رواياته متسلسلة على صفحات الجريدة ، ويذكر نجيب محفوظ أنه أعطى الرواية إلى مدير تحرير الصحيفة حمدي الجمال الذي قرأها وأعجب بها ودفعها للنشر ، ويبدو أن مدير التحرير لم ينتبه الى الموضوع الرئيس الذي تناقشه الرواية ، حيث اعتبرها رواية عادية تدور أحداثها في إحدى الحارات المصرية .
في الرابع عشر من أيلول 1959 تنشر صحيفة الأهرام في الصفحة الأولى خبراً يقول ” اتفقت الأهرام مع نجيب محفوظ كاتب القصة الكبير، على أن تنشر له تباعاً قصته الجديدة الطويلة.. إن نجيب محفوظ هو الكاتب الذي استطاع أن يصور الحياة المصرية تصوير فنان مقتدر مبدع، لذلك فإن قصصه كانت حدثا أدبيا بارزا في تاريخ النهضة الفكرية في السنوات الأخيرة. ولقد وقعت الأهرام مع نجيب محفوظ عقدا يصبح للأهرام بمقتضاه حق النشر الصحفي لقصته الجديدة مقابل ألف جنيه. ” وبعد أربعة أيام تعود الاهرام لتنشر في الصفحة الأولى هذا العنوان ” الأهرام تبدأ في نشر قصة نجيب محفوظ يوم الإثنين القادم ” ، وبدأ نشر الرواية يوم الإثنين الحادي والعشرين من أيلول بعنوان أولاد حارتنا.
تُنشر الرواية وتمرّ الحلقات الاولى دون أن ينتبه لها أحد ، حتى كتب أحد النقاد في صحيفة الجمهورية المصرية مقالاً يشير فيه الى أن نجيب محفوظ يتناول قضية الخلق في ” أولاد حارتنا” ، بعد نشر المقال بدأت بعض الجهات الدينية بمطالبة النيابة العامة إلى التدخل لوقف النشر ، ودخل الازهر على الخط حيث اعتبرها بعض المشايخ تتضمن كفرا صريحا ، وان الشخصيات في الرواية ترمز الى الانبياء ، ووصلت رسائل الشكوى والاحتجاجات الى رئاسة الجمهورية التي طلبت إيضاحا من رئيس التحرير آنذاك محمد حسنين هيكل ، ، ويذكر هيكل في حواره الذي أجراه معه يوسف القعيد ونشر في كتاب بعنوان هيكل يتذكر .. عبد الناصر والمثقفين ” : بعد الضجة التي حدثت أخذت ” اولاد حارتنا وقرأتها ، ، وأدركت مغزى تحذير نجيب محفوظ لعلي الجمال ، إلا أن رأيي استقر على المواصلة بالنشر ، ولم أكن أتخيّل أن تصل الضجة حولها الى بعض الجهات الدينية الكبرى التي طالبت الرئاسة بوقف النشر حتى لا تحدث مصادمات بين الحكومة والإسلاميين ” ، وفي كتاب صفحات مجهولة من حياة نجيب محفوظ ، يخبرنا رجاء النقاش أن جمال عبد الناصر اتصل بهيكل وكان قد قرأ بعض الحلقات ليسأل هيكل عن الضجة المثارة ، ويدافع هيكل عن نجيب محفوظ وينصح الرئيس بأن لايمنع الرواية ، لأنّ مثل هكذا قرار سيضع الدولة تحت رحمة الإسلاميين ، ووافق عبد الناصر، لكنه اقترح على هيكل أن يسرع في النشر ويجعله يومياً حتى تنتهي حلقات الرواية وتنتهي معها الازمة ، ويكلف عبد الناصر مندوباً من الرئاسة أن يبلغ نجيب محفوظ بأن الرواية لن تنشر في كتاب يقول نجيب محفوظ :” بعد أن انتهت الاهرام من نشر أولاد حارتنا اتصل بي الممثل الشخصي لرئيس الجمهورية وقال لي من : من الصعب السماح بطبع هذه الرواية ، لأنها سوف تثير ضجة كبيرة .. وتجتمع لجنة الدفاع عن الإسلام برئاسة محمد الغزالي وهو من الشخصيات القيادية في حركة الإخوان المسلمين وتهاجم اللجنة رواية ” أولاد حارتنا هجوما عنيفا حيث أكد البيان أن الرواية تعبث بتاريخ الديانات وتدعو إلى الإلحاد .

يكتب ادوارد سعيد ان:” اعمال نجيب محفوظ ليست مشهورة بسبب المدة الطويلة التي قضاها في الكتابة فحسب ، بل لأن عمله مصري و ( قاهري ) بكل ما في الكلمة من معنى ، كما لو كان هذا العمل مستمدا من رؤية مكانية وخيالية لمجتمع فريد في الشرق الاوسط . ان ما يلفت النظر عند محفوظ هو كونه دائم الاطمئنان لوحدة مصر الترابية ، بل ولتماسكها الحضاري ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0