مقالات

أنا وفتغنشتاين وحيرة الفلسفة

أنا وفتغنشتاين وحيرة الفلسفة

بقلم المفكر العراقي ا. علي حسين

عند الدخول الى شارع المتنبي لا بد من زيارة دار الرافدين واللقاء بالصديق الناشر محمد هادي ، وفي غيابه يحتل مكانه المثابر حسن أكرم ، في الاشهر الماضية اهتمت دار الرافدين بترجمة رسائل لكبار الفلاسفة والكتاب ، مارسيل بروست ، فرويد وانشتاين ، اوسكار وايلد ، توماس مان وهرمان هسه ، نيتشه ، ورسائل ديكارت، واخيرا اليوم كانت رسائل الفيسلوف لودفيغ فتغنشتاين تاخذ مكانا متميزا في المكتبة ، ولانني اعتبر نفسي من هواة الفلسفة ، فكان لابد من اقتناء نسخة من هذه الرسائل لتضاف الى مجموعة الكتب التي احتفظ فيها لهذا الفيلسوف المثير والصعب في آن واحد .. ولم انتظر ان اعود من المتنبي قبل ان اتصفح رسائل فتغنشتاين وقد حاولت ان اقتطف بعض المقاطع لاشارك بها الاصدقاء والاحبة ومن ضيوف صفحتي في الفيسبوك . وانا اقرأ بعض رسائل فتغنشتاين عادت بي الذاكرة الى المرة الاولى التي قرأت فيها اسم فتغنشتاين او فتجنشتين كما في بعض الترجمات ، وكان ذلك في منتصف السبعينيات ، في ذلك الوقت كانت تصدر سلسة بعنوان ” نوابغ الفكر الغربي ” اول كتبها كان عن ” نيتشه ” كتبه فؤاد زكريا ” ثم توالت السلسلة فهذا ” افلاطون بقلم احمد فؤاد الاهواني ” واليوت ” تاليف فائق متي ، و” ديفيد هيوم ” كتبه زكي نجيب محمود الذي صدر له عن السلسلة ايضا كتاب ” رسل ” ، و” ديكارت ” لنجيب بلدي و” هولدرلين ” تاليف عبد الغفار مكاوي و” هيغل ” تاليف عبد الفتاح ديدي ، و” برجسون” لزكريا ابراهيم واسماء اخرى كنت اتلهف لمعرفة اسرار حياتهم ، ومن اجل هذا الغرض كنت اذهب كل اسبوع الى مكتبة دار الكتب القومية وكان مقرها في احدى درابين البتاوين المطلة على شارع السعدون بالقرب من جامع الاورفلي ، حيث يستقبلني ابو يوسف وهو شخصية ودودة ، وفي نفس الوقت ” دودة ” ، كتب ما أن تسأله عن كتاب حتى يقدم لك ملخصا عنه ، في هذه المكتبة ساعثر على كتاب ” فتجنشتين ” تاليف عزمي اسلام ، قرأت الاسم فوجدت نفسي امام فيلسوف غريب ، ومؤلف لا اعرف عنه شيئا ، لكن بما ان الكتاب من سلسلة ” نوابغ الفكر الغربي ” فلا بد ان اقتنيه ، اخذت الكتاب وذهبت الى المكتبة التي اعمل فيها ، اتخذت لي مكانا في احدى الزوايا ، وبدأت في قراءة صفحات من كتاب ” فتجنشتين ” الذي لم اسمع باسمه من قبل ، فقد كنت آنذاك ” ارطن ” باسماء معروفة مثل سارتر ، ماركس ، هيغل ، روسو ، فولتير ، كامو ، ورغم ان معرفتي بهذه الاسماء كانت بسيطة جدا ، لكنهم في النهاية اسماء معروفة وشهيرة ، فمن اين جاء السيد ” فتجنشتين ” ليحشر نفسه بينهم ؟، فتحت صفحات الكتاب ، وما أن قراءت الصفحة الاولى حتى ايقنت انني لن احب فتجنشتين هذا ، لانني لن افهمه ، فالمؤلف عزمي اسلام يكتب في مقدمة الكتاب :” انني لا اكون مغاليا اذا ذكرت ان قراءة احد مؤلفات فتجنشتين ، يعني بذل الكثير من الجهد لمجرد فهمه اولا قبل تحليله او مقارنة ببيقية اعماله الفلسفية الاخرى ، ويشاركني في هذا الراي كل من كتب عن فلسفة فتجنشتين بلا استثناء ، حتى ممن كانوا من تلاميذه او اصدقائه ” ، اغلقت الكتاب ، وقلت مع نفسي : هل يعقل ان مؤلف الكتاب يتحدث عن صعوبة فهم هذا الفيلسوف ، وانا الذي كنت ” اتهجى ” في قراءاتي الفلسفية ، ساتمكن من فهمه ؟ ، لكن في كل الاحوال كنت اشعر بنشوة ، فها هو ضيف جديد سيضاف الى سلسلة ” نوابغ الفكر الغربي ” التي احتفظ الى اليوم بكل اعدادها في طبعتها الاولى .. وفي رحلة التنقل بين الكتب الجديدة وقراءة الروايات وبعض كتب التراث والقليل من الفلسفة ، نسيت السيد ” فتجنشتين ” ولم اتذكره حتى وجدت ذات يوم في مكتبة التحرير كتابا بعنوان ” رسالة منطقية فلسفية ” المؤلف صاحبنا ” فتجنشتين ” نفسه ، والمترجم عزمي اسلام الذي بسبب مقدمته نضت يدي من المرحوم فتجنشتين ، التقطت الكتاب واذا بي اقرا اسم كاتب المقدمة ، انه زكي نجيب محمود الذي استمتعت بقراءة كتابه عن برتراند رسل ، وكنت اتابع مقالاته الممتعة عن الفلسفة في مجلة العربي الكويتي ، اشتريت الكتاب وقررت ان اقرا المقدمة فقط ، فاذا بي امام سياحة فلسفية مدهشة يقدمها كاتب متميز ، ورغم التقديم المتميز للكتاب إلا ان زكي نجيب محمود سار على طريق عزمي اسلام واخبر القراء ان فتجنشتين يحاول في كتابه هذا ان ” يركز سحابة من الفلسفة في قطرة من اللغة ” ، اما سحابة الفلسفة التي يتحدث عنها زكي نجيب محمود فهي هذا الكتاب الصغير ” رسالة منطقية فلسفية ” الذي لاتتجاوز صفحاته 150 صفحة ، وقبل ان اتنهي من مقدمة الكتاب قرأت هذه الكلمات المثيرة :” لم يعد الفيلسوف كسابقه يتعرض لوصف الوجود ، ولم يعد الفيلسوف المعاصر كسابقه يحاول أن يبني النسق الشامخ الذي يسع كل شيء ، فقد ابقى الفيلسوف لنفسه عملا واحدا مشروعا ، هو تحليل الكلام لتوضيح معناه ، واذا سألتني بعد ذلك : ما الفلسفة باختصار ؟ قلت إنها توضيح المعاني ” . قلت لنفسي ، هذه فلسفة جديدة لم اسمع بها من قبل ! اذن لابد من البحث عن فتجنشتين او فتغنشتاين ، وكان دليلي في الرحلة عزمي إسلام ، حيث عثرت في مجلة تراث الانسانية على مقال له بعنوان ” رسالة منطقية فلسفية ” فيه تلخيص لكتاب فتجنشتين ، بعدها وجدت له مقالا مطولا في مجلة عالم الفكر الكويتية بعنوان ” فتجنشتين وفلسفة التحليل ” ، ثم عثرت على مقالات متفرقة تشرح فلسفته في مجلة فكر وفن الالمانية وفي مجلة الفكر المعاصر التي كان يراس تحريرها زكي نجيب محمود .

وفي كل ما قرات كان هناك راي يقول ان الجميع اختلف حول فلسفة فتجنشتين . اتباعه وانصاره يرفعونه الى مصاف الفلاسفة العظام ، ويعتبرونه شخصا نادر العبقرية ، واعداؤه يرونه عدوا للفلسفة ولنفسه ، هادما للفكر ، وحاملا لراية ” اللافلسفة ، في الفكر الغربي المعاصر ، بل يسخرون منه ويعتبرونه مدمرا لنفسه ايضا . وستقودني الرحلة مع ” فتجنشتين ” الى التعرف على كتابات عزمي اسلام الذي حصل على الدكتوراة برسالة عنوانها ” فلسفة التحليل عند فتجنشتين ” ، وكان المشرف على الرسالة زكي نجيب محمود ، ثم قرات لعزمي اسلام كتابه الممتع اتجاهات في الفلسفة المعاصرة ، بعدها اكتشفت ان عزمي اسلام متخصص في فلسفة العلوم واصدر كتابا يعد مرجعا بعنوان ” مقدمة لفلسفة العلوم ” والذي حصل من خلاله على جائزة الدولة في مصر ، وكتاب مبادئ التفكير العلمي، وكتاب مفهوم التفسير في العلم، وكتاب مدخل إلى الميتافيزيقا.. توفي عزمي اسلام عام 1987 وقد ترك للمكتبة العربية الكثير من الدراسات والكتب في المنطق وفي فلسفة العلوم وايضا في دراساته عن الفكر العربي ، وكتابه عن ” جون لوك ” ضمن سلسلة نوابغ الفكر الغربي .
كان في أواخر مراهقته حين أدرك أنه يجب أن يدوّن أفكاره في دفتر صغير :” لكي يكون دفتري منظّماً على النحو المطلوب ، فإنه يتحتم عليّ ، إذا جاز التعبير ، أن أخطو خارجاً منه مباشرة الى الحياة ، حتى لا اضطر الى الصعود بحثاً عن النور كما لو كنت في قبو ، أو الى الهبوط مرة اخرى الى الارض ” ، لكنه في لحظة ما شعر بعدم تمكنه من تذوق الحياة جيداً ، رغم ثروة والده الطائلة ، وفيما أصرَّ شقيقه على دراسة الموسيقى ، كان هو مهتماً بهندسة الطيران التي قضى معها ثلاث سنوات دراسية ، ليتخرج مهندساً متخصصاً في تصميم مراوح الطائرات ، في تلك الفترة اخذ يدوّن ملاحظات عن علم الرياضيات ، وكانت الرياضيات بوابة للدخول الى عالم الفلسفة ، وليجد نفسه في مواجهة كتاب ” أصول الرياضيات ” لبرتراند رسل ، فأُصيب بالذهول وتساءل : ” هل يمكن لعقل بشري ان يكتب مثل هذه الصفحات ”
كان رسل يسعى لإظهار ان الرياضيات تستند الى المنطق بشكل اساسي ، فقرر الشاب لودفيغ فتغنشتاين ان يكتب كتاباً يقلد فيه الفيلسوف الانكليزي ، فاعتزل عائلته واصدقاءه لمدة ستة اشهر ليخرج بدفتر ضخم كتب عليه ” أُسس علم المنطق والرياضيات ” ، وذيله باهداء كتب فيه :” الى الاستاذ الذي مسح بأفكاري الارض مسحاً .. برتراند رسل ” . عرض الكتاب على استاذه عالم الرياضيات ” جتاوب فريغ ” الذي نصحه بان يمزقه ويترك الهندسة ليذهب للدراسة تحت اشراف الانكليزي برتراند رسل ، فقرر الذهاب الى كامبردج للدراسة ، ولان التخلي عن الهندسة من اجل الفلسفة سيغضب والده ، قرّر ان يستشير الاستاذ رسل ، كان الفيلسوف الانكليزي في أوج شهرته يبلغ من العمر اربعين عاما ، ينتمي الى اسرة ارستقراطية ، مشهور بمغامراته النسائية ، فيما كان فتغنشتاين في الثانية والعشرين من عمره طالباً مغموراً ، على الرغم من ان أسرته تتمتع بثراء عظيم ، ويكتب رسل في سيرته الذاتية عن هذا اللقاء واصفاً التلميذ :” كان غريباً انه محصّن ضد أي هجوم يتعلق بالمنطف ،كانت آراؤه غريبة الى حد أنني لم أحسم أمري طيلة المقابلة ان كان هذا الشخص الواقف امامي عبقريا ام مجرد شاب غريب الأطور ، لكنني توصلت بعد ساعتين من الحديث ، إن الحديث معه مضيعة للوقت ” فيما يكتب فتغنشتين في دفتره الصغير : ” كان اول سؤال سألته لرسل : (هل تظنني أحمقاً وجباناً ) ، قال لي: لماذا تسأل هذا السؤال؟ قلت له وأنا أنظر في السماء لأنني لو كنت احمقاً فسوف اصبح ملاحاً جوياً ، اما اذا كنت غير ذلك فسوف اصبح فيلسوفاً ” ومن أجل ان يعرف الاستاذ ان هذا التلميذ غبي حقاً ام لا ، طلب منه ان يكتب بحثاً حول أي موضوع فلسفي ، كان الاستاذ يريد أن يتخلص منه وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة لكشف تخلّف وغباء وعنجهية هذا التلميذ النمساوي ، هكذا كان رسل يفكر آنذاك ، لكن التلميذ عاد بعد اسابيع وهو يحمل دراسة عن المنطق ، ما ان قرأ رسل اول جملة منها حتى نهض من مكانه وهو يصرخ :” اخيراً وجدت الفيلسوف الذي يحل المشاكل بعد ان اصبحت كبيرا وعاجزا عن حلها ، هذا الشاب يمثل النموذج الفعلي للعبقرية ” ، بعدها بأشهر نجد رسل يقول لأخت فتغنشتين التي جاءت لتطمئن على أخيها :” أتوقع ان الخطوة الكبيرة التالية في الفلسفة ستتم من خلال أخيك ” ..بعدها يكتب رسل في رسائله الى زوجته : ” فتغنشتين حدث عظيم في حياتي ، وهو الرجل الصغير الذي يعقد عليه المرء آمالا ” .

من هو فتغنشتاين مهندس ، عسكري ، مزارع ، معلم فلسفة ، معمار ، ناسك ، عضو في فريق الطوارىء ، قبل ان يتعرّف على الفلسفة كان يجد حياته في شيئيين ، الميكانيكا والموسيقى ، قال عنه هايدغر ” ظل طوال حياته القصيرة لايتوقف ابدا عن تغيير مفاهيمنا باستمرار “.

ولد لودفيغ فتغنشتاين في فيينا عام 1889 لعائلة تعشق الموسيقى ، كان بيتهم الكبير يضم سبع آلات بيانو ، جميع افراد العائلة عازفون مهرة ، ومن اجل شقيقه الاكبر سوف يؤلف الموسيقي الشهير موريس رافيل مقطوعته الشهيرة ” بوليرو ” ، وكان الموسيقار براهامز صديقا حميما لوالده مثله مثل العديد من الرسامين والموسيقيين والادباء ، الذين كان يعج بهم القصر كل مساء ، الاب كارل ثري جدا ، صاحب مصاهر للحديد . في الرابعة عشرة من عمره اخترع فتغنشتين ماكنة خياطة تعمل بطريقة الدواليب ، كان احد زملائه في الصف واسمه ادلوف هتلر ، معجباً بأفكاره العلمية وطموحاته وذات يوم قال له : ” أتمنى ان نصنع انا وانت سلاحا خارقا ” ، بعد سنوات سيتذكر هذا التلميذ وهو يشاهده يخطب بالملايين ويعلن الحرب على اوروبا .

كان لودفيغ الأصغر بين ابناء هذه الاسرة الغنية المتكونة من خمسة ابناء ، أكبر الابناء هانس معجزة موسيقية ، اثار اعجاب كبار موسيقيي عصره ، لكن الاب الذي كان يريد لأبنائه ان يرثوا مهنته ، اجبره على ترك الموسيقى والتفرغ للاعمال الصناعية ، مما ادى به الى الانتحار ، وهو في سن السادسة والعشرين ، وبعدها بسنتين اقدم شقيقه الآخر رودلوف على قتل نفسه ، فيما وجدوا شقيقه الثالث منتحراً بعد نهاية الحرب العالمية الاولى ، لان جنوده لم يتبعوه في المعركة .

كان فتغنشتاين ، معذبا بذكاء استثنائي ، وفي سن العشرين باشر دراساته في مجال الهندسة ، وسافر الى مانشستر ليدرس هندسة الطيران ، فبدأت الرياضيات تستهويه ، كما ستستهويه بعد حين مسائل المنطق والفلسفة ، وسوف يتابع في كمبردج دروس برتراند رسل الذي كان قد نشر مع ليزداد الخلاف مع والده الذي كان يجد في الفلسفة مهنة غير مفيدة للعائلة ، الامر الذي زاد من مرض العصاب الذي كان يلم به بين الحين والآخر ، وذات يوم سأل رسل تلميذه فتغنشتين عندما رآه بحالة دائمة من القلق : ” هل تفكر بالمنطق ام بخطاياك ” ؟ وأجابه بكليهما ، عندها اصبح رسل قلقاً على تلميذه الذي كان يرى فيه خليفة له ، من ان يتجه نحو الجنون ، ويكتب رسل في يومياته :” فتغنشتين على حافة انهيار عصبي ، وليس بعيدا عن الانتحار ” .

حين عين فتغنشتاين على متن المدمرة الحربية فيستيل ، كتب اول مؤلفاته في دفتر صغير ، وسط ضجيج الآلات والتعب وتقلبات الجو ، كانت غايته من الكتاب هو ايجاد حلاً لمشكلته مع الفلسفة ، التي أصرّ على ان الجوهري فيه هو علاقة اللغة بحل مسائل الفلسفة والمنطق ، فالجمل المجردة من المعنى وحدها تصف وقائع واحداثا تجري في العالم ، لكن على اي شيء يتركز العالم ذاته ، نسيجا وحضورا هذا هو ما يبقى التعبير عنه مستحيلا : ” اذا كان لابدّ من ان أجيب على سؤال ما الأخضر ، الذي يطرحه شخص لا يعرف عن الأخضر شيئا فلا يمكنني الا ان اقول ، هو هذا وانا أشير الى شيء اخضر بامكاننا ان نشير بالبنان الى هذا الواقع الخارج عن اللغة وان نبرهنه لكننا لا نستطيع التعبير عنه ” . يُسمي فتغنشتين هذا الواقع بالمجازي ، والخطأ الأكبر شيوعاً هو ارادة التعبير عن هذا المجازي الذي لا يوصف، لذا يضع مقابل هذا الوهم قاعدة تقول : ” ينبغي اخفاء ما لانستطيع قوله” .

اعطى اندلاع الحرب العالمية الاولى في العام 1914 فتغنشتاين منفذا لرغبته في الموت ، لقد تطوع بسرعة في الجيش ، على الرغم من وضعه الصحي ، وتراه يكتب بعد سنوات : ” ذهبت الى الحرب على امل ان يحميني الموت في المعارك من فكرة الانتحار ” ، شارك في الحرب بكل قواه ، وكان من المرشحين لنيل الاوسمة عدة مرات ، ونراه يمجد الحرب في قصيدة قصيرة ، ويرسل الى استاذه برتراند رسل ، رسالة يسخر فيها من دعواته للسلم ، لكن نراه يكتب بعد سنوات :” وجدت نفسي مثل العديد البشر قد اصابهم هوس الحرب ” ، في الاسر الذي وقع عام 1918 ينهمك في قراءة مؤلفات تولستوي وتسحره الحرب والسلم ويصبح مشبّعاً بتعاليم الأديب الروسي الكبير : ” الانسان ضعيف في الجسد ، لكنه حرّ بسبب روحه ” وقد تقبل فتغنشتين آراء تولستوي حول الجنس التي وجد انه يتعارض مع الحياة الروحية للانسان ، لقد اصبحت افكاره بعد الحرب تذهب باتجاه التدين العميق ، وفي تلك السنوات يعثر على مؤلفات شوبنهور التي تسحره ، وتسيطر على فكره ، بحيث تكاد الصفحات الاولى من كتابه ” الاطروحة ” ان تكون نسخة جديدة من كتاب ” العالم إرادة وتمثلا ” ، اضخم اعمال شوبنهور وتحفته في التشاؤوم واليأس .
في الأسر ينتهي من كتابه ” رسالة منطقية فلسفية ” ، وبعد اطلاق سراحه عام 1919 يعود الى اسرته في فيينا ، محملا بافكار شوبنهور المحبطة ، وفي القصر الكبير للعائلة يواجه اشقائه بقرار مفاجىء ، وهو رغبته بان يصبح معلماً في احدى المدارس الابتدائية. حيث انتقل عام 1920 الى قرية جبلية في أطراف النمسا ليهرب من العالم ، ويؤكد بعض كتّاب سيرة فتغنشتين ان فترات الانعزال في حياته ، ربما كانت بسبب ميوله الجنسية المتقلبة ونراه يكتب الى شقيقه قائلا : ” اصبحت الامور تعيسة في الآونة الأخيرة .. فقط بسبب حساسية تعففي ، لقد فكرت دائما بانهاء حياتي ، ولا تزال تلك الفكرة تراودني الان ، لقد غرقت حتى القاع ” ، وليحرم نفسه من الاستسلام للغواية والملذات ، قرر ان يمنح نصيبه الكبير من ثروة والده المتوفى الى اشقائه ، ولم يكن برتراند رسل معجبا بهذا الزهد والتخلي عن الثروة وقد قال له :” مليونير ويعمل معلما في قرية ، بالتاكيد مثل هذا الشخص اما منحرف او أحمق ” .
أمضى ست سنوات في وظيفة معلم القرية ، قطعها عام 1926 بشكل مفاجىء ، ليعود الى فيينا حيث احتفت به ” الجمعية الفلسفية في فيينا ” التي اعتبرت كتابه ” الاطروحة ” لوحاً فلسفيا مقدسا ، وكان اعضاء الجمعية ينتظرون بشغف حضور فيلسوفهم الكبير ، لكنه خيّب املهم حيث ذهب ليعمل بستانياً في احد الاديرة قرب فيينا ، كان يفكر بالالتحاق بالرهبان ، لكن رئيس الدير رفض طلبه ، لشكوكه بتصرفات فتغنشتين التي كان يراى انها غربية وبعيدة عن الدين
عندما التحق فتغنشتاين بمناقشات الجمعية الفلسفية في فيينا عام 1927 لم يرقَ له أعضاء الجمعية الذين وجدهم سوقيين ويلبسون بشكل سيء ، وكان تفكيره الذي لم يهدأ على الرغم من انه لم يكتب شيئا في الواقع ، كان يتطور بطرق لا يستطيع التعبير عنها بشكل سهل ، حيث بدا بالابتعاد عن نظرية اللغة والتوجه نحو الوظيفة الأبداعية للغة وللعديد من الطرق التي يمكن استخدامها بها ، ومن الان اصبحت اللغة تفهم عبر المراقبة ، بدلا من التحليل ، وكان فتغنشتين يعتقد انه لم يحل جميع المشاكل بكتابه ” رسالة منطقية فلسفية ” ولهذا ادرك انذاك ان هناك المزيد من التفكير الذي عليه القيام به وحسب احد المقربين منه :” كان لايحتمل اي اختبار نقدي من الاخرين ، ما ان يحصل على البصيرة بفعل الالهام ، فان الانطباع الذي يتركه لدينا ، هو كما لو ان البصيرة وصلته من خلال وحي سماوي ” ، ولانه لم يجد سكان فيينا مستمعين ملهمين له بدا فتغنشتين قراءة اشعار رابندرات طاغور وهو يجلس قبالىة الجدار .
عام 1929 تقرر جامعة كامبردج اعادته اليها ، هناك استطاع ان يؤثر باساتذته من جديد وقد وصف رسل الاطروحة بانها عمل شخص عبقري ، ومع حصوله على شهادة الدكتوراه حصل على منحة محاضر ، ظل فتغنشتاين في كامبردج حتى عام 1936 ثم رحل الى النرويج ، حيث تفرغ لمدة عام في تاليف كتابه ” ابحاث فلسفية ” ثم عاد الى الجامعة ليخلف الفيلسوف مور على كرسي الفلسفة ، ولما نشبت الحرب العالمية الثانية شارك فيها فعمل في احد المعامل الطبية ، وعاوده القلق من جديد لنراه يعتزل كرسي الفلسفة عام 1947 ، ليستقر في مزرعة بالريف الايرلندي حيث عاش في وحدة تامة ، وهناك اكمل الجزء الثاني من كتابه ابحاث فلسفية.
مرض فتغنشتين في تلك الفترة مرضا شديدا ، وتبين عام 1949 انه يعاني من مرض السرطان ليتوفى في 29 ايار عام 1951 وكان اخر عبارة قالها لممرضته :” قولي لهم انني قد عشت حياة رائعة “.
مؤلفات فتغنشتين هزت الأوساط الفلسفية وما زالت حتى اليوم، على الرغم من نبذ صاحبها الفلسفة وراء:” من يريد أن يتابع الفيلسوف عليه أن يطلق الفلسفة، لأنها تضعنا أمام الأشياء في حملة ألغاز، وعلينا أن نعود إلى اللغة البسيطة لفهم الأشياء عند استعمالها، وليس بما نضيف عليها من معاني” .
ومن وجهة نظره فإن القضية المحورية ومشكلة المشاكل هي علاقة اللغة بالعالم، واستخدم لها مثل طنين الذبابة في الزجاجة، أي تلك التي تخرج الذبابة من حيرتها عبر عنق الزجاجة إلى الفضاء الفسيح.
ولعل أعظم ما في فلسفة فتغنشتين ، تفكيكه لعمل اللغة، وأن اللغة في أحسن أحوالها تصور الواقع، ولكن ليس من واقعة مرتبطة بأخرى بأي وسيلة من الوسائل، وهذا يعني أن اللغة وهم، ولعل أفضل ما فيها أنها قناة تواصل ، ولكن من خلال الاستعمال فقط ، فالكلمة لا تحمل المعنى ، بل نحن من يشحنها بالمعنى، وأفضل مبدأ هو (التحقق) من الكلمات، وهو ببساطة الرجوع إلى الواقع. وكان فتغنشتين يقول : ” إن اللغة لا تزيد عن لعبة ” ؟ وقد اعتبر فتغنشتين مؤسساً للفلسفة الوضعية المنطقية .وهي الفلسفة التي تقول ان العالم يتكون من اشياء ومن هيئات التي تسمى ( حالات الاشياء ) ، تشكل الاشياء جوهر العالم ، وهي بصفتها أشياء بسيطة وثابتة ومستقلة عن حالات الاشياء ، اما في حالة الاشياء او الوقائع ، فالاشياء ترتبط فيما بينها عبر علاقات ، بحيث تشكل هذه العلاقات العدة المنطقية للعالم ، وهي تحدد بذلك نقطة الالتقاء بين اللغة والعالم . فاسطوانة الفونغراف والفكرة الموسيقية والنوتة والموجات الصوتية ، جميعها تقوم الواحد منها بالنسبة الى الاخرى ضمن هذه العلاقة الداخلية من التمثل ، التي نجدها بين اللغة العالم ، إن البنية المنطقيبة هي المشتركة فيها جميعا .
في السنتين الأخيرتين من حياته ، كتب فتغنشتين عن موضوع اليقين ، فقد افترض الفلاسفة ان معرفتنا قائمة على حقائق اساسية يجب اخذها على انها حقائق مسلم بها ، واذا لم ناخذها على انها كذلك فان صرح المعرفة باسره سوف يكون غير مؤكد وسيسود الشك كل شيء في هذا العالم . وحينها لن نعرف حتى اذا كنا نحلم ام لا ، ان قضية الفيلسوف ديكارت المنطقية ( انا افكر اذن انا موجود ) تعتبر مثالا ذائع الصيت على افتراض الوصول الى اعماق الحقيقة .

وقد حاول فتغنشتاين ان يثير الشك حول مقولات ديكارت ، فالقول امام شجرة اننا نعرف ان هذه شجرة ، وضع لايحصل ابدا واذا اصطنعناه نصطنع في الوقت نفسه وهم معرفة لاتتطبق مع شيء .من وجهة نظره فليس هناك من معنى للقول ” اعرف ان هذه يدي ” او ” اصابع قدمي عشر وانا متاكد من ذلك ” لاننا في الواقع لانفكر فيها ابدا ، وعليه فان ما يميز اليقين ليس كون المرء واضحا ، بل بالعكس يميزه التزامه بالصمت ، يريد منا فتغنشتين ان نطرح اسئلة المعرفة كلها بصورة مختلفة ، وعلينا ان نضيف مقولات فتغنشتين الى كلمة سقراط الشهيرة :” اعرف انني لا اعرف شيئا ، والى مقولة كانط ” ماذا بامكاني ان اعرف ، لتتلخص فلسفته فتغنشتين بالمقولة الشهيرة :” احيا أولاً ، واعرف بعد ذلك ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي