فكر مختارات مقالات

عندما حيرني كيركغارد ، ولعبت الوجودية في عقلي

عندما حيرني كيركغارد ، ولعبت الوجودية في عقلي

بقلم المفكر: علي حسين

كانت المرة الاولى التي اسمع فيها باسم ” سورين كيركغارد ” عندما كنت طالبا في الاعداية ، آنذاك كان صديقي الشاعر والكاتب عادل عبد الله مهوس بشيء اسمه الوجودية ، يقرأ سارتر ، ويحفظ فقرات من البير كامو ، ويعرج احيانا على كيركغارد الذي لم اعثر على كتاب له في ذلك الوقت وفي الضفة الاخرى كان لنا صديق آخر هو قحطان جاسم – الذي يعيش الآن في الدنمارك ويعكف على شروع مهم ترجمة الاعمال الكاملة لكيركغارد – وكان صدقي قحطان ماركسيا حتى النخاع ، تعرض بسبب عشقه لماركس وانجلز وثالثهما لينين الى السجن والمطاردة التي انتهت بمغادرته العراق وكان يحاول ان يضمني الى صفه يناقشني وبجدية عن كتب ماركس وانجلز وبريشت وغوركي ، ولهذا الصديق العزيز الفضل بانه اول من اخذ بيدي لينشر لي مقالة في جريدة طريق الشعب واتذكر كانت عن الفنانة الراحلة زينب ، ثم وجدني مهووسا في المسرح فطلب مني ان اكتب مقالا عن مسرحية بريشت ” كريولان ” التي اخرجها عوني كرومي وهي المسرحية التي حاول فيها بريشت معارضة شكسبير ، وكتبت مقالا مطولا عن كريولان بعنوان ” كريولان بين شكسبير وبريشت وعوني كرومي ” واصابتني نوبة من الفرح والدهشة حين وجدت المقال منشورا على صفحتين في جريدة الفكر الجديد ، وعن طريق هذا المقال ارتبطت بصداقة مع الراحل عوني كرومي استمرت حتى لحظة مغادرته العراق . . بعد اشهر من محاولات عادل عبد الله الى ضمي الى جانبه عثرت على كتاب بعنوان ” الوجودية ” كتبه انيس منصور وهو كتاب خفيف وممتع ، وفيه ساقرا فصلا عن الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد ، وككان المقال مدخلا مهما لفهم حياة هذا الفيلسوف وماذا يريد ان يقول ؟، ولانني كنت اعمل في مكتبة تتجدد فيها الكتب والمجلات ، وقد كنت كنت شخصا فضوليا فيما يتعلق بالكتب . ما ان اجد كتاب جديد يحط رحاله على احد الرفوف حتى اذهب باتجاهه لا ستكشف مضمونه ؟ فقد عشقت عالم الكتب ، وبعكس جورج اورويل الذي يشتكي من هذه المهنة عندما كتب :” أتود ان تكون مهنتك بائعا للكتب ؟ على الاجمال – برغم لطف رب العمل معي ، وبعض أيام سعيدة قضيتها في المحل – لا . ” انا للاسف من الذين يتوقون للعمل مجددا في مهنة بائع الكتب ، فمع الكتب ينتابني احساس بالتفاؤل ، وعن طريق المكتبة ، وبعد احاديث عادل عبد الله الممتعة عن الوجودية ، كان لقائي الأول بهذه الفلسفة عن طريق مجلة مصرية اسمها ” المجلة ” يرأس تحريرها الروائي والقاص المصري يحيى حقي، فأثناء بحثي في المكتبة عثرت على اعداد من المجلة ، وأذكر انني وجدت في احد الاعداد مقالا كتبه عبد الرحمن بدوي بعنوان ” خلاصة الوجودية ” ، اخذت العدد معي الى البيت ، وكان لا بد ان ابارز الاصدقاء بمعلوماتي الجديدة ، يخبرنا عبد الرحمن بدوي في مقاله ان الوجودية لها مركز الصدارة في الفكر المعاصر ، وهي اصدق تعبير عن حالة القلق العام الذي تملَّك العالم بعد الحرب العالمية الاولى ثم الثانية . فلقد كان لهذين الحدين اثر بالغ في اشعار الانسانية بالمعاني الكبرى التي تؤلف نسيج وجودها ..ثم وجدت مقالا في مجلة الاداب اللبنانية كتبه شعبان بركات بعنوان ” كيركغارد ” وفي مقدمة المقال يكتب :” تخضع الفلسفة في الوقت الحاضر لتأثير فيلسوفين ألا وهما نيتشه وكيركغارد . ومع ان هذين الفيلسوفين لم يثيرا اي اهتمام في حياتهما بل ظلا بعيدين عن عناية الفلاسفة ، فان تاثيرهما اخذ يعظم شيئا فشيئا ” ، اذن فقد اتضح لي ان كيركغارد فيلسوفا مهما ما دام كاتب المقال يضع اسمه الى جانب نيتشه الذي كان كتابه ” هكذا تكلم زرادشت ” يلقى اهتمام كبير من رواد المكتبة ، وذات يوم وبسبب سؤالي المستمر عن الوجوية وكيركغارد وجدت الملرحوم ابو يعقوب صاحب دار الكتب التي كانت تتخذ من شقة في شارع الرشيد ، يقول لي ” عندي لك كتاب لكن سعره غالي شويه ” ، كان الكتاب بعنوان ” كيركجور .. رائد الوجودية ” المؤلف إمام عبد الفتاح إمام والكتاب بجزئين وبعدد صفحات تجاوز الـ ” 800 ” صفحة ، وهذه الصفحات كانت اشبه بعبارة افتح ياسمسم ، حيث كشف لي المؤلف عن خفايا مغارة هذا الفيلسوف الذي رفض كما يخبرنا عبد الفتاح إمام ان يطلق عليه لقب فيلسوف ،ف في الفصل الاول والذي عنونه المؤلف :” هل كان كيركجور فيلسوفا ” يكتب إمام عبد الفتاح إمام :” كان كيركجور يقول عن نفسه ان مهمته في هذه الدنيا ان يثير الاشكالات في كل مكان لا ان يجد لها حلا ، فهل يمكن ان يعد كيركجور فيلسوفا ؟ وهل هو جدير ببحث فلسفي متخصص ؟ اول ما يجيب بالنفي عن هذين السؤالين هو كيركجور نفسه ! فهو يرفض أن يكون فيلسوفا او ان توصف افكاره بانها فلسفة ، كما كان يخشى ان يتم تناوله بعد موته بالدراسة العلمية او البحث الاكاديمي ” ، اذن ها انا ادخل مغارة كيركغارد اخيرا ومن بابها الذهبي ، وسياخذني كاتب آخر اهتم ايضا بالفلسفة الوجودية وكان من انصار الوجودية وهوعادل كامل ترجم العديد من الكتب التي تناولت الوجودية ومنها كتاب كيركغارد ” خوف ورعدة ” وهو الكتاب الذي اعاد ترجمته عن الدنماركية الصديق قحطان جاسم تحت عنوان ” الخوف والرعشة .. انشودة ديالكتيكية ” والترجمة الجديدة صدرت عن دار الرافدين التي اتحفتنا بعدد من مؤلفات كيركغارد ، وكان آخرها الكتاب الذي حصلت عليه الجمعة الماضية بعنوان ” اللحظة ” وهو ايضا بترجمة الصديق قحطان جاسم مع دراسة مهمة عن الفرد والايمان في فكر” سورن كيرككورد ” كما جاء الاسم في الترجمات الاخيرة لكتبه..

كنت ولا ازال اؤمن ان كتابا جيدا لشخص ، هو بالتاكيد كتاب رديء لشخص آخر ، وهذا ما حصل معي ، فقد كنت أسأل العديد من الاصدقاء من قرأ كيركغارد ؟ فاجد البعض متحمس ، فيما البعض الآخر يجد ان كتبه صعبة ومن العبث ان يقضي المرء وقتا في حل الغازها ..قرأت مرة في احد الكتب ان بائع مجوهرات قدم نصيحة لصاحب مكتبة قال فيها :” اذا رايت شيئا ملفتا للنظر ، اشتريه ، سواء عشقته بالمطلق أو كرهته بالكامل ” ، وهذه النصيحة انفذها بدقة منذ سنوات طويلة ، وانا اجمع الكتب ، فلا يوجد عندي كتاب لا اهمية له ، سواء احببته ام لم اقع في هواه .. بعض القراء يختار التخصص . انا لا .للمكتبة عندي مفهوم واسع من عناوين واسماء .ولم ادخل مكتبة يوما من الايام واغادرها بايدٍ فارغة .

لا تزال الوجودية منذ لحظة ظهورها في القرن التاسع عشر وحتى اليوم تثير ضجة كبيرة وجدلاً كثيرا ، ولعل اكثر هذا الجدل يدور حول نقطة واحدة هل الوجودية فلسفة ام انها مجرد تقليعة مرت على حياتنا ثم انتهت بموت اشهر اعلامها جان بول سارتر ؟.. الكثير يعتقد ان الوجودية مجرد افكار فارغة مكانها الحقيقي عيادات الامراض النفسية ، لانها حسب رأيهم نوع من انواع الفصام العقلي .. والبعض الآخر يعتقد انها مرادفة للالحاد وايضا هي دعوة للانحلال الخلقي ..فهل هي حقاً كذلك ؟

ثم ما معنى هذه الكلمات ، العدم .. الكينونة .. الفراغ ..القلق .. العبث .. الغثيان .. الدوامة .. الجحيم هم الآخرون .. كلمات نسمعها ما ان ياتي ذكر كلمة وجودية .

اثارت الوجودية منذ ظهورها الكثير من الجدل والمعارك ، مثلما حصدت الكثير من الشهرة والانتشار .. الفلاسفة الوجوديون انفسهم في جدال وخصام ، فعندما سئل الفيلسوف الوجودي الالماني كارل ياسبرز عن رايه بجان بول سارتر قال :” اني اقدر كثيراً عمله الادبي ، الا ان عمله الفلسفي يحتاج الى مراجعة دقيقة ” .
وكنت انا مثل كثيرين اسأل : من هو الوجودي ؟
قد يقال انه من يتصرف كأنسان عدمي !
ولكن قرأت ان شوبنهور كان عدمياً ، وايضا نيتشه فهل كانوا ضمن فلاسفة الوجودية ؟
والبعض يقول ان الوجودي هو الانسان العبثي .
ولكن هناك ادباء كتبوا مسرح العبث والقصة العبثية امثال صمويل بيكت وناتالي ساروت ويوجين يونيسكو ، ولكنهم لم يقولوا يوما انهم الى الوجودية .
اذن هل الوجودي من يكرس فلسفته لدراسة الوجود
ولكن ديكارت كان هو صاحب المقولة الشهيرة ” انا افكر اذن انا موجو د ، فهل كان اول من نادى بالفلسفة الوجودية ؟
وقال دي بيران انا اريد اذن انا موجود ، فهل ينتمي الى قبيلة الفلاسفة الوجوديون .
واصر برغسون ان يقول انا اشعر اذن انا موجود ،فلماذا ابتعد عنه الوجودية ؟
إذن من هو الوجودي ؟.
قد يقول البعض ان الوجودي هو من يقول ان الوجود يسبق الماهية ، وان اهتمام الفيلسوف الوجودي ينصب على تحديد معنى الوجود .
والفهم الشائع لمعنى الوجود ، إنه ما يجعل الكائن يتصف بالواقعية بحيث ان من يقول ” انا موجود ” يعني انه كائن واقعي .
، وكان ديكارت قد اعلن من قبل ان الفكر هو الحقيقة الأولى التي نستخلص منه وجودنا . وعبارته الشهيرة ” انا افكر اذن انا موجود ” اعتراف باسبقة الماهية على الوجود .. وجاء من بعده الفيلسوف الالماني هيغل ، ليعلن ان الفكر المطلق هو الأداة الوحيدة لحل مشاكل الوجود
وكان لابد من رد فعل يتجه بالبحث الفلسفي الى الوجود ، وقد قام فيلسوف دنماركي اسمه ” سورين كيركجارد ” ويدعى الاب الروحي للفلسفة الوجودية بالرد على مقولات هيجل بالقول :” تستطيع ان تقول كل ما تريد ، ولكنني لست مرحلة منطقية في مذهبك . انا موجود وانا حر ، وانا فرد ولست تصوراً ، لاتستطيع اية فكرة مجردة ان تعبر عن شخصيتي ، وان تعرف ماضيي وحاضري ، وعلى الأخص مستقبلي وان تستنفد امكانياتي .. ولايستطيع اي قياس ان يفسرني ، انا او حياتي او الاختبارات التي اقوم بها ، وان تعلل مولدي ومماتي ، ومن ثم فان افضل ما تفعله الفلسفة ان تدع ادعاءاتها المجنونة لتفسير العالم تفسيرا معقولا ، وان تركز اهتمامها على الانسان ، فتصف الوجود الانساني كما هو .. هذا وحده هو المهم اما الباقي فعبث ” .
ومعنى عبارة كيركغارد هذه ، ان الفلسفة ينبغي ان تهتم بالوجود الانساني من حيث هو ذات لا من حيث هو موضوع ، اي من حيث هو كائن يحيا تجارب حية وخبرات وجودية .
ولم يقدم كيركغارد لنا نظاماً فلسفياً بالمعنى المتعارف عليه ، إنما هو ظل يشن أعنف هجوم على فلسفة هيجل ، مؤكداً أولوية الوجود على الماهية . وربما كان هو أول من أعطى كلمة “وجود” معناها ” الوجودي”.
عندما نسمع كلمة وجودية نتذكر دوما جان بول سارتر وصورته الشهيرة وهو يجلس في المقهى يدخن الغليون .. وقد طغت صورة سارتر على معظم الفلاسفة الذين ظهروا في عصره ممن لهم افضال كثيرة على الفلسفة الوجودية ، وكان من بين هؤلاء الفيلسوف والكاتب المسرحي الفرنسي جابريل مارسيل الذي عرفناه من خلال ترجمات مسرحياته الى العربية – نشرتها دار الشؤون الثقافية العراقية في بداية الثمانينات ضمن سلسلة الاعمال المختارة بترجمة فؤاد كامل – ،بعد ذلك ترجمة له دار عويدات كتب صغيرة هي ” يوميات ميتافيزيقية وكتاب الخطوط الاولى لفلسفة ملموسة ..في الوقت الذي كان مارسيل أول من نبه الى اهمية كيركجارد كأب للوجودية ، واول من اطلق كلمة وجودي على كتابات جان بول سارتر .. ولد جبريل مارسيل قبل سارتر بستة اعوام – ولد عام 1889 ، ولد سارتر عام 1905 – وتوفي قبل سارتر بسبع سنين – توفي عام 1973 ، توفي سارتر عام 1980 .. عندما مات جبريل مارسيل لم يخرج في وداعه سوى العشرات ، لكن خبر وفاة سارتر شغل وسائل الاعلام التي خرجت بعبارة واحدة ” لن يموت سارتر” .. وكيف يموت وكتبه تتصدر المبيعات ، وما يكتب عنه كل عام عشرات الكتب
ولد سورين كيركيغارد في كوبنهاغن في الخامس من أيار عام 1813 ، حاول في سن الشباب ان يتخلص من جو الكآبة الذي عاشه في البيت مع أبيه ، فأقبل بكل قوة على حياة اللهو ، ورفع شعار “تلذذ بكل ما هو حسي” ، ونراه يحاول ايجاد اعذار لهذه المرحلة من حياته، فيكتب في يومياته :”لقد ولدت كهلاً حين أتيت الى الوجود ، ولكن يعزى إلي الفضل في إخفاء أحزاني بسعادة ظاهرة” .
يرسم لنا فريتيوف برانتي في كتابه “كيركغارد ” – ترجمه الى العربية مجاهد عبد المنعم مجاهد ، وهو من دراويش كيركغارد ترجم له العديد من الاعمال – صورة طريفة لصبي منعزل يرتدي سروالاً قصيراً وقميصاً ملوناً ، وجوارب طويلة ، حتى اطلق عليه زملاؤه في المدرسة لقب “صبي الجوارب” ، لم يكن يملك اية لعبة في منزله ، وحين كان يطلب الخروج من البيت كان والده يمنعه ، فالاختلاط خطر :”لقد سرقوا طفولتي ، وأعطوني وانا طفل هيئة رجل عجوز ، كان ذلك رهيباً”. كانت تسيطر على ابيه فكرة الخطيئة ، وقد قال لأولاده انه عندما كان شاباً يرعى الأغنام ، شعر باليأس والضجر ، فأنكر الله الذي لم يساعده في الحياة ، وانه رأى بعد ذلك في المنام ان عاصفة رعدية ضربته ، ومنذ ذلك التاريخ وهو يظن ان الله سينزل عليه في يوم من الأيام عقاباً رهيباً ، وحين ازدهرت تجارته ، بدت له الثروة والحياة المرفهة كنوع من الاختبار ، وحين وقع لابنه الأصغر سورين عدد من الحوادث ، اعتقد الأب ان لحظة سداد الدين قد حانت ، وان عليه ان يقدم آخر أبنائه قرباناً كما فعل النبي ابراهيم مع آخر أبنائه . ولعبت الأقدار دوراً في ازدياد كآبة الأب الذي دفن خمسة من أبنائه بالاضافة الى زوجته ، هذا المزاج السوداوي يصفه لنا كيركيجارد في يومياته :” تلك الحياة هي العالم معكوساً ، حياة قاسية وغير محتملة ، احيانا نقول الوقت يمر ، والحياة تتدفق ، ولكني لا أرى ذلك ، بل يبقى الوقت ساكناً ، وانا كذلك ، كل خطط المستقبل التي ارتبها ترتد الي ، وحين أرغب ان أبصق ، فأنا أبصق في وجهي”.
وكان كيركيغارد يذكر الماضي الذي عاشه مع أبيه ويتعذب ، لكنه لايريد ان يغادر هذا الماضي ، انه يصر ان يجعل من عذابه نقطة انطلاق نحو فهم للحياة :”مهمتي ان أصرخ وأدعو الناس ، ان أخلق المشاكل والصعاب في كل مكان”.
في السابعة عشرة من عمره ينهي تعليمه الثانوي ويستجيب لرغبة والده بدراسة اللاهوت ، وتبدأ مرحلة جديدة من حياته كان فيها مولعاً بقراءة اعمال الفلاسفة المثاليين الألمان، فنراه يبدي سعادة كبيرة حين يلتقي الفيلسوف الألماني شيلينغ :” انا سعيد سعادة لاتوصف لسماعي محاضراته ، حتى انني تنهدت طويلاً بما فيه الكفاية ، وتنهدت الأفكار بداخلي”. وقد اتفق مع هجوم شيلينغ على هيغل .
عندما بلغ الخامسة والعشرين من عمره توفى والده ، الأمر الذي أحدث تحولاً كبيراً في حياته ، :” لقد توفى والدي قبل ان يتم العقاب حباً لي ، وذلك حتى اتحمل وحدي العقاب ” .وبعد عامين حصل على شهادة في اللاهوت وخطب “رجينا اولسن” ، لكنه فسخ خطوبته بعد عام ، معلناً بوضوح انه لاينفع للحياة الزوجية ، فقد اصبح مقتنعاً بأنه انسان لديه رسالة عظيمة ، وان الزواج والعائلة يتعارضان مع هذا الهدف .
في العام 1843 ينشر اول كتبه “إما – أو” وفيه يعبر للمرة الاولى عن موقفه من الحياة ، وهو موقف المتشائم :”لندع الآخرين يشتكون من هذا العصر الذي هو عصر الشر ، إنني اشكو لأنه عصر تعس ، عصر بلا عاطفة ، وافكار الناس نحيلة وهشة كرباط الحذاء ، ان نفسي مثقلة حتى انه ما من فكرة بقادرة على تعزيتها “. بعدها بأشهر ينشر كتابه الثاني “خوف ورعدة” ، وتبع هذين العملين في عام 1844 كتاباه “مفهوم التهكم” و “شذرات فلسفية”. وبعد عام نشر كتابه الخامس “مراحل على طريق الحياة” ، ويبدو انه كان يشعر ان حياته قصيرة فأخذ يكتب بشكل محموم ، فنشر خلال ثلاثة أعوام أكثر من مؤلف واصدر مجلة خاصة حاول من خلالها ان يبث افكاره التي اراد ان يقول من خلالها ان على الكنيسة ان تعود الى جوهر المسيحية ، اذ يجب على المسيحية الكنسية ان تعترف بأنها ليست مسيحية .. وقد اتهم الكهنة بأنهم يتلاعبون بالدين ، وجعلوا من الكنيسة مصدر كسب للعيش ، لكنهم لم يفهموا ان الدين هو الولاء ، وقبل كل شيء “في الارتفاع عن هذا” ، وعن الكهنة الذين وصفهم بأنهم :”أكلة لحوم البشر” .
في احد الأيام من شهر تشرين الاول عام 1855 وبينما كان كيركيجارد يسير باتجاه الصحيفة ، وقع مغشياً فنقل الى المستشفى ،حيث رقد شهرا كاملا ، والغريب ان اول عبارة قالها عند دخوله المستشفى :” لقد جئت هنا لاموت ” .
وفي المستشفى طُلب منه بعض اصدقائه ان يتراجع عن هجومه ضد الكنيسة فكان جوابه :”لقد أردت ان اموت وحينئذ استطيع ان أتاكد انني قد أنجزت مهمتي ، وسوف يكون الناس أكثر إنصاتا الى كلمات انسان ميت عن الإنصات الى كلمات الانسان الحي”. وحين يسأله الطبيب المعالج اذا ما كان يريد ان يتلقى المغفرة ، فيجيب “نعم، ولكن ليس من قس ، بل من انسان عادي ، ان الكهنة موظفون رسميون ، والموظفون ليست لهم علاقة بالكنيسة” ، ويوصي الطبيب قائلاً : لو سئلت عن العبارة التي اتمنى ان تكتب على قبري ، فلن أطلب إلا عبارة واحدة هي : “ذلك الفرد”.

كانت نتاج كيركيغارد على الرغم من وفاته في سن الحادية والاربعين ، نتاجاً ضخماً وميادين البحوث التي تعرض لها تبلغ من الاتساع ما بلغته تلك التي ناقشها هيغل ، وبما ان الوجود يعني القبام باختبارات اخلاقية فهو ” إما- أو ” مستمر وحياة عمل ، ان نظرة كيركيجارد للفلسفة تعتقد انه لاتوجد باستمرار حدود حاسمة او واضحة المعالم للحياة ، فخبرتنا ومعرفتنا هما باستمرار شذرات غير مكتملة ، ‎ ربما تكون رسالة كيركيجارد الأكثر اهمية هي أن فهم العالم والعمل على النفس يتطلب وجودك الكامل.لقد كان لعمله وحياته عمق أخلاقي حقيقي، إلى جانب السخرية التي اتسمت بها حياته : ” فالشك للعلم، مثل السخرية للحياة الشخصية ” .

قبل يوم من وفاته يكتب كيركيغارد رسالة الى خطيبته السابقة ريجينا اولسن : ” سلامي الى جميع البشر لقد احببتهم وحرصت عليهم كثيرا ، قولي لهم ان حياتي كانت عذابا هائلا لم يعرفه ولم يفهمه الاخرون ، ربما كانت تبدو كبرياء وغرور ، لكنها لم تك قط شيئا من ذلك ، لقد استنتجت طوال حياتي ان مهمتي غير عادية ولقد حاولت ان اقوم بهذه المهمة قدر استطاعتي”.

في بداية تاسيسها ظلت الوجودية فلسفة يعبر عنها من خلال الكتب والروايات والمسرحيات ، حتى كانت الثلاثينيات من القرن الماضي ، حيث شهدت الحضارة الغربية أهوال حربين عالميتين . فوجد الانسان ان الحكومات والدول راحت تتخذ قرارات تؤدي إلى الخراب والدمار. وساد الوسط الثقافي القلق والمعاناة والرفض لكل ما هو موضوعي جمعي عقلاني ، وآمن الفلاسفة والكتاب أنه لا أمل إلا في الخلاص الفردي . فكان ان ازدهرت الوجودية في البلدان الأوروبية ووصلت أيضاً إلى أمريكا . خرجت من الأروقة الاكاديمية وأصبحت الثقافة اليومية بل الحياة اليومية واكتسب العديد من فلاسفتها من خلال كتاباتهم ومسرحياتم ورواياتهم شهرة واسعة وجمهور كبير ، حتى اصبحت هذه الفلسفة شعارا لجيل الأربعينيات والخمسينيات والستينيات ، وامتد تاثيرها حتى وقتنا الحاضر لتساهم في اثراء الفكر الانساني .

في الاسابيع الاخيرة عدت من جديد الى المرحوم ” كيركغارد ” وانا استمتع بقراءة سيرته الذاتية التي كتبها يوكيم غارف وصدرت عن دار المدى بترجمة عبد الله النعيمي الذي رحل عن عالمنا بعد معاناة مع المرض دون ان يشاهد الكتاب الذي امضى سنوات في ترجمته ، واسترجع مع كتب كيركغارد ذكريات سنوات جميلة مضت ، وانا اشاهد كتب صديقي قحطان جاسم تصدر الواحدة بعد الآخرى وبعنوان واحد وثابت ” سورن كيرككورد ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0