أدب و تراث مقالات

نزهة في الجنة

نزهة في الجنة

بقلم: طارق السكري

أطفأتُ المصباح لأنام .. وحين استلقيتُ على السرير .. أغمضتُ عيني سريعاً .. محاولا التخلص من جلسات المراجعة والمحاسبة. تلك التي عودت نفسي عليها ولم أستطع الفكاك منها. لكني شعرت بألم في معدتي . كانت أجواء القرية في الخارج هادئة كالمعتاد .. قرية من القرى لا يهم اسمها . تطل على سلسلة جبال .. تحيط بها غابات من النخيل .. وبمحاذاتها وديان كأنها ألواح من ضوء . شكلت السيول وهطول الأمطار المتواصل بقعا من الجروف والحفر . تتناثر على جوانبها الصخور وناعم الرمل . تتحرك الخنازير البريّة الكبيرة بين الغابات بالقرب من القرية .. الليل المدلهم ينبض بالظلام ونقيق الضفادع . حرتُ ماذا أفعل! حين تيقنت أن الألم قد تمكن من أعصابي .! حاولت أن أستمع للموسيقى ،ولكن السمّاعة مزعجة! كان لدي موضوع في الفلسفة أشتغل عليه منذ أسابيع ولكن .. هل هذا الوقت مناسب ؟ فقررت أن أقرأ .. فما إن أضاءت شاشة الجوال . حتى سرح بي الخيال بعيداً . إلى قريتي التي تغربت عنها منذ عشرين سنة .. وترامت إلى نفسي أجواء المرح ، والبنات في الفجر يذهبن إلى البئر على الحمير . وضوء الشفق الوردي يرسم أقواس السماء بكل وداعة وفن . نعم . لا أزال أتذكر مبسمها الصغير كل صباح في طريقي إلى المعهد ، وهي تكنس أمام بيتها ! لكن الألم لم يكن يتركني لأنعم في خيالاتي البعيدة تلك. بل لقد ظل يجرني جرا إلى سريري المشؤوم . وحين علمت أنه لا فائدة من محاولة النوم . قررت وأنا بين الغفوة والصحو أن أخرج من الغرفة . نزلت الدرج وفتحت باب البيت ،فاستقبلني هواء النسيم يغريني بأخذ جولة قصيرة . الجو صافي . فقلت : لم لا ؟ مشيت بتؤدة بين البيوت ، وتوغلت قليلاً باتجاه الوادي ، وأنا أجيل بعيني صوب الجبال مسبّحاً أهمس : يالجلال الملكوت ! وأخذت أمشي . لا أدري كم استغرقت من الساعات ،وأنا أمشي بين القرى . إلى أن سمعت صوتاً بين الأشجار ، فاعترتني قشعريرة ووحشة . فتوقفت . تمالكت نفسي وطمأنتها ، وتقدمت بحذر صوب الشجرة ، فرأيت شبحاً أبيض ! تحرك مسرعاً منزويا وهو يرتجف من الخوف . هدأت الأصوات الليلية تماما واستعذت بالله من شر هذه الليلة . وبين رغبة بالهرب ورغبة في الاستكشاف . دفعني الفضول : ما هذا المخلوق ؟ ولماذا هو خائف مني ؟ تقدمت نحو الشجرة قليلاً ، فرأيت شخصاً عارياً شديد البياض . قدمت له ردائي وغطيته ، ألقيت عليه السلام ، محاولا استدراجه بالكلام . قال لي : أنا ملك من السماء الخامسة ولكن الله عاقبني بسبب معصية ، ومكثت هنا ألف سنة لا يدري بي أحد ، يمر الناس ولا يشعرون بي، حتى مررت أنت الليلة ، ففتح الله لي ورضي عني . أنست نفسي ودار بيننا الحديث. قال لي الملك : الآن ستهبط إليَّ أجنحتي وأطير إلى موطني . قلت له : صف لي الجنة . فذرفت عين الملك . لقد اشتقت إلى موطني الجنة كثيرا . وفجأة برقت السماء بوهج عظيم ، حتى كاد يذهب ببصري . فتحت عيني فإذا بأجنحةٍ بيضاء كبيرة ممتدة بين المشرق والمغرب ، وتغير حال الملك ،فإذا هو عملاق كأنه برج ال KLCC خفت على عقلي. قلتُ متلعثماً وقد امتلأ قلبي بالرعب : ما شاء الله . على كل حال كان لقاء رائعا . مع السلامة . وهممتُ بالهرب ! وما إن رفعت ثوبي لأطلق للريح ساقي ،حتى رأيت نفسي في رفقة الملك صاعداً إلى السماء . وبعد تفكرٍ وروحي تتلقى رسائل إيجابية من الكون . قرّ في قلبي أنها مكافأة على صنيعي وإحساني إلى الملك . جزنا السحاب وطوينا السماء كلمح البصر. حتى وقفت على باب الجنة ، فسمعت أصوات الأغصان وخرير الأنهار ، وتدافع الهواء البارد إلى ثيابي يمسّدني ، فانفتح الباب على مصراعيه : أهلاً بالشاعر الثائر . كان أهل الجنة يستقبلوني بحفاوة والحور العين تتسابق إلي بأطاييب الفواكه والبخور الذي لا مثيل له في الدنيا . لم أقدر على الكلام . ظلت عيوني شاخصة .

قلت في نفسي : وما أدراهم أني شاعر .لكن ماذا أقول ؟ بصراحة لقد غمرني السرور وغشيتني أنوار الرضى حتى أشرق وجهي ثم قلت : ولكن كيف ولا زالت اليمن في حرب ؟

وبينا أنا كذلك والجنة رياض خلابة تموج بالحركة والنور . إذ سمعت صوتاً رخيماً يقول :

لم يبق للظالمين اليوم من وزر ٍ

إلاّ أنوفٌ ذليلاتٌ ستنحطم ُ

قلتُ والله هذا صوت معروف . فالتفت سريعاً فإذا هو أبو الأحرار محمد محمود الزبيري بقامة فارعة ووجه شاب وقور، وجبة من الياقوت ونفيس الجواهر . يصحبه ألف ملك وألف جارية بأيديهن الحرير والكؤوس والأعواد يتغنين بشعره . يتهلل وجهه بِشراً وتنضح ثيابه عطراً . فانكببت على يديه أقبلهما والدموع تجري على خدي من شدة الفرح . فأخذ الزبيري رأسي بيديه ورفعهما قائلاً : ليس هنا تقبيل الأيادي .. ذلك في الدنيا.. يوم أن نصّب بعض البشر أنفسهم أسيادا على الناس . أما هنا فلا . بل سلام قولا من رب رحيم .

وكنت أتوق لسماع الشعر من فم الزبيري وأنا في الدنيا .. أتخيل كلماته وهو يقارع الإمام ونظامه البائس ، فكأنه أوحي إليه وما هو بوحي ، وإنما يبدو لي أنه من شدة بياض قلوب أهل الجنة وصفائها صار يرى الوهم يسري في نياطها !

فابتسم وحدّق ببصره في المدى ثم نظر إلي بلطفٍ قائلاً : حباً وكرامة فأنشد :

رفقاً بقلبك يا “عمرْ”
لم تُبقِ منه ولمْ تذرْ

حمّلتهُ عِبْءَ البشرْ
وحكمتهُ حُكمَ القدَرْ..

رفقاً به طال المسيرُ
عليه، واتصلَ السفرْ…

قلت له : أوه . هذه قلتها عندما كنت في باكستان . نعم . أهديتها لصديقك الشاعر السوري عمر الأميري . وضع الزبيري راحة يده على كتفي مبتهجا فخورا . وهز رأسه موافقاً

ثم قال لي : يابنيَّ عليك بالشعر فأنت شاعر عظيم . إن كل حرف تخطه في خدمة وطنك يرفعك الله به أرفع الدرجات ويفرج عنك أدهى الكربات . ثم تلا قول الله تبارك وتعالى : ” إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ” رفعت بصري . فإذا السماء على هيئة قصيدة باذخة الحروف ، مهيبة المعاني ، كأنها الديباج الخسرواني والوشي المنمنم . وإذا الأرض نوتاتٌ موسيقية وجناتٌ من أنهار ، وصفحات من جمال أبديّ . ثم أخذنا نتنزه في الجنة . كانت وشوشات الأغصان مع هدير صوت الزبيري تنكسب في أذني فياللروعة !

رأيت في الجنة مدارس حديثة وأبراجاً شاهقة من الكتب ، وصالات وملاعب ومسابح على أحدث طراز ، ورأيت طبيعة غنّاء ساحرة ، وأشجاراً طول كل شجرة مسيرة ألف سنة . قلت للزبيري : أنا أحبك كثيرا . وأشعارك أصبحت رمزا للوطنية وسفراً للأحرار . قال يابني : الكلمة الحية تعرف طريقها إلى القلوب . ثم إني سألته : ما الشعر ؟ قال لي : الشعر يعرف بأثره وجماله .. ولا يقدر أحد على تعريف الشعر . لكنه قضية إنسانية .. يحمل همّ المظلومين على عاتقه ، ويزلزل بها عرش الطغاة .

ثم مررنا على شعراء أعرفهم وشعراء لا أعرفهم .. مررنا على زيد الموشكي وعبدالعزيز المقالح ومحمود درويش وسميح القاسم ونزار قباني والسياب ونازك الملائكة وكانوا في خيمةٍ سميكة من لؤلؤ مطرزةٍ بالزنابق والشقائق والزمرد الأخضر . ورأيت ما هم فيه من نعيم مقيم . ألقينا عليهم التحية وأخذنا موعداً للقاء . ثم انصرفنا . حتى مررنا على البردوني وقد رد الله له بصره كأجمل ما يكون ، وإذا هو في مجموعة من الشعراء والكتاب والمثقفين الأحرار يتندر كما كان يتندّر في الدنيا . فعرفني البردوني وقال : أهلا بالشاعر الصالح ، ودعاني لاحتساء النبيذ . قلت له : النبيذ في الدنيا . ففهم قصدي وأشار إلى غيمة سكَّريَّة ، فإذا بها تجتمع وتمطر فوقنا عنباً وأقداحا كالنجوم وصبايا فقال لي ضاحكاً : اشرب حتى تستغيث . فمددت يدي إلى الخمر وأنا أرتجز :

مثلما يبتدئ البيتُ المقفّى
رحلةً غيميةً تبدو وتخفى

مثلما يلمس منقارُ السّنا
سحَراً أرعش عينيهِ وأغفى

هكذا أحسو يديكِ .. إصبعاً
إصبعاً أطمع لو جاوزن ألفا

مثل عنقودين أعيا المجتنى
أيّ حباتهما أحلى وأصفى

فاستوى البردوني جالساً وقال لي : أحسنت . تلك اللغة السريالية التي هدمت بها المألوف وخرجت بها على السائد ، لم يقف الناس على تجربتها الوقفة الجادة التي تمكنهم من فهم دلالاتها . وإنما مروا بها مرور الأطفال . لقد كان غرضي منها أن يتمدّن المجتمع من جذوره فينفض عن كاهله ركام القرون البائدة . وأن لا نظل معزولين عن حركة الشعر العالمية . لكن الناس وقفوا على عجائب التركيب وشكل القصيدة وإيقاعها الخليليّ ! لقد كتبت مدينة الغد . وها هي مدينة الغد . بهذه التجربة الحداثية جعلني الله في طليعة المصلحين وأدخلني الجنة بلا حساب . ثم أخذت البردوني الرقةُ فبكى وبكى من حوله وقال : الحمدلله الذي رحم ضعفي وبلغني بالشعر رضاه . ولو أني رجعت إلى الدنيا لرميت بالشعر العمودي وراء ظهري ، وكتبت القصيدة المعاصرة حتى أستوعب من قضايا الإنسان وقضايا العصر أكثر وأكثر . فعانقته ثم استأذناه على أمل اللقاء وانصرفنا . وسمعت أصوات غناء من بعيد . أصواتا عذبة تنبعث من بين الأسواق ، فلا ألذ منها ولا أطرب . وإذا به أيوب طارش عبسي يدندن بالعود وبجواره الشاعر الفضول على سررٍ من سندس وإستبرق .. يغني بنشوة :

الهتافاتُ لمن بين الجموعِ
إنها للشعب وحده

ولمن فرحتنا ملء الربوعِ
إنها للشعب وحده

ولمن يقظتنا دون هجوعِ
إنها للشعب وحده

ورأيت أنهاراً من ماء أصفى من الضوء ، وأصقل من صدور الغواني . تنحدر إليها الجداول بأشكال هندسية عبقرية ، والشلالات تدفق تدفقا بديعاً ، تفيض بالخمر والعبير ، قد زينت نواحيها بأباريق من العسجد ، وأكواب من الزبرجد، وهي كما قال الله في القرآن : ” مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ” ورأيت من الحسان الغيد ما يفلق لجمالهن الصخر ، ويضيء بوجوههن الظلام ، ويجعلن ضيق الدينا سعة ، وماء البحر حلواً وسكراً .. لطيفات الخصور .. رشيقات القوام .. كأنهن بيض مكنون . كواعب أترابا .. حور عين . كأمثال اللؤلؤ المكنون . أصابعهن أمطار وموسيقى وأبشارهن النضارة والشباب . ولو رآهن شعراء أهل الدنيا لخجلوا أن يكتبوا شعر غزل ، ولضاقت بهم أنفسهم .

ولخجل نزار قباني أن يقول :

أيتها الأنثى التي في صوتها
تمتزج الفضّة..بالنّبيذ..بالأمطار
ومن مرايا ركبتيها
يطلع النّهار
ويستعدّ العمر للإبحارْ

ورأيت أبناء المقاومة من تعز ومأرب الأحرار في نعيمٍ يغبطهم عليه الأنبياء والصالحون .

مرّ الوقت كسهم من ضوء ، وحان وقت هبوطي ، فقيل لي : ألا تود أن ترى أهل النار ؟ فصمت من شدة الخوف . حتى إذا دنوتُ من شفير النار ، رأيت مقامع من حديد وأغلالا وأعمدة .. وسمعت صراخا عظيما كاد يغمى عليّ . قيل لي : أولئك أعداء الشعب. الذين باعوا اليمن بثمن بخس . هتكوا أستار المسلمين وفجروا بيوت الله . وهم يصيحون في النار : ” ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ” ثم يأتي الرد القاسي مع هوي المطارق على رؤوسهم : ” اِخسئوا فيها ولا تكلمون ” . فلم يمر عليهم عذابا أشد من هذا الرد القاسي . قلت إذا كان ذلك شأن الأتباع ، فأين القادة الذين طغوا في البلاد ؟ فزفرت النار زفرة عظيمة . فعلمت أنهم في أودية لا يصل إليها البصر تستغيث جهنم من حرها . فاستعذت الله من النار وبطشها . وتمنيت أني لم أر شيئا من عذاب أهل النار . فقد تبدل حالي وخرب مزاجي وتكدّر خاطري .

وحين تهيأت مودعا والحسرة تأكل قلبي رأيت شعراء المقاومة من مختلف أنحاء العالم يقفون صفاً واحداً لوداعي فسلمت عليهم جميعاً .. سلام الشعراء للشعراء . أغمضت عيني للهبوط وإذا بزوجتي توقظني لصلاة الفجر . فعلمت ساعتها أني كنت في عالم اللاشعور ، حيث تعيش الأفكار الفاضلة والأماني النبيلة والأحلام الندية بمدينة الغد. فقمت إلى الصلاة مسرعا .. مسروراً وأنا أردد من شعر الزبيري :

يا قوم هبّوا للكفاح وناضلوا
إن المنام عن الذّمام حرامُ

طارق السكري
ماليزيا . أوسان الأدبي

28/8/2020

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0