سياسة مختارات مقالات

أردوغان يسعى إلى بعث أمجاد الدولة العثمانية في افريقيا

الرئيس رجب طيب أردوغان يسعى إلى بعث “أمجاد” الدولة العثمانية من خلال التوسع على الاراضي الإفريقية!

بققلم: ا. هبة داودي

في وقت لا تزال فيه منطقة شرق المتوسط وتفرعاتها جنوبا، لاسيما ليبيا، تشكل حالة استقطاب كبيرة وحرب تموقع وصراعا متعدد الابعاد، بدا واضحا أن التموقع التركي يعرف توسعا سواء على مستوى النظام الفرعي الإقليمي لغرب إفريقيا والقرن الافريقي، مع تواجد قاعدة عسكرية تركية في الصومال، ونشاط كبير في الشرق الإفريقي، منها في السودان، امتد نطاق التواجد التركي عبر وضع أنقرة موطىء قدم لها في الساحل الإفريقي، وبالتحديد في النيجر، الذي يشكل امتدادا جغرافيا لليبيا من جهة الجنوب، بتوقيع اتفاقية عسكرية شاملة، ما يفتح الباب على مصراعيه، للتساؤل حول الهدف من وراء هذا الاتفاقية، وخلفية سعي تركيا إلى التمدد في إفريقيا، شمالا وغربا، وحتى في الساحل، وما إن كان الأمر الظاهر للعلن، يخفي وراءه حسابات خفية، قد تؤدي إلى تشكل تحالفات لم تكن متوقعة.

وبموجب الاتفاقية، تقوم أنقرة بإنشاء قاعدة عسكرية استراتيجية برية وجوية، مع تدريب وتكوين وحدات من جيش النيجر، وتزويد نيامي بالأسلحة، في تحول له دلالات وارتدادات كبيرة، في منطقة ظلت تعد كعمق استرتيجي حيوي ومنطقة نفوذ فرنسية.

ولعل التوجه التركي الجديد كفيل بإقلاق باريس التي كانت ترى بعين غير الرضا للانخراط الأمريكي عبر افريكوم في المنطقة، وتوسع المصالح الصينية، وهي التي بدأت تعاني من استياء وامتعاض الأطراف الإفريقية الحليفة من دور بدا محدودا لباريس، أو غير ناجح، لاسيما على المستوى الامني، رغم توسيع عملية برخان لتشكل قوس الأزمات الافريقي ، ودعم مجموعة الخمس، في سياق مواجهة نشاط المجموعات المسلحة المتنامي .

ويعد النيجر نقطة ارتكاز مهمة جدا بالنسبة لباريس، كما يعتبر مصدر ثروات بداية باليورانيوم، ومن شأن تموقع تركيا الذي تحول إلى غريم ومنافس، خاصة بعد تدعيم أنقرة لموقعها في ليبيا، والاعلان عن انشاء قاعدتين الأولى بميناء مصراتة والثانية بالجفرة، أن يسبب ضغطا على فرنسا.

ويأتي التحرك التركي جنوبا ليشمل ببعديه الامني والاقتصادي عدة اطراف، اذ لا يقتصر الأمر على النيجر بقدر ما يشمل مالي ايضا، وحتى موريتانيا، فيما كانت تركيا قد عبرت عن طموحاتها في شرق إفريقيا، لاسيما مع إقامة قاعدة كبيرة بالصومال، ناهيك عن التواجد التركي بقطر، وفي اذربيجان في آسيا الوسطى.

وتتجه تركيا إلى الاستثمار في التحولات المسجلة في موازين القوى، وشبكة التحالفات القائمة، والتي وضعت أنقرة في موضع تفاوضي قوي تجاه الأطراف المنافسة، فقد برزت عدة مؤشرات تؤكد تموقعا تركيا في المشهد الليبي بداية، على حساب العديد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، والتي باتت هوامش حركتها تتقلص، حيث سمح التدخل التركي بقلب موازين القوى في ليبيا، مع استعادة قوات الوفاق الوطني التي تحولت من حالة الدفاع أمام زحف قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعومة إماراتيا ومصريا وروسيا إلى موضع الهجوم، مع توسيع دائرة السيطرة على الأرض بفضل الدعم اللوجستيكي والتغطية الجوية التي وفرتها القوات التركية، وعقب السيطرة الكاملة على المنطقة الغربية، كان حسم معركة سرت التي تعد نقطة تحول استراتجية مع ما تمثله من نقطة ربط وتقاطع بين المناطق الشرقية والغربية الليبية، وقربها من الهلال النفطي، ناهيك عن التوجه لحسم معركة لا تقل اهمية وهي الجفرة، التي تعني السيطرة تقريبا على اهم القواعد الجوية، تبعها الاعلان التركي على التحضير لاقامة قاعدتين عسكريتين، الاولى في الوطية والثانية في مصراتة، وهي نقاط حساسة جديدة فمصراتة واجهة بحرية، والوطية نقطة ارتكاز وعمق استراتيجي هام.

وجاء هذا التوجه تكريسا لاتفاقية وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق بشأن التعاون العسكري والأمني مع نهاية السنة الماضية، الى جانب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، أعقبه اعلان تركي ثاني يتمثل في مباشرة عمليات الاستكشاف على المحروقات في السواحل الليبية، و الذي قابلته ردود فعل مناوئة قبرصية ويونانية وحتى مصرية.

ويكتسي التواجد العسكري التركي في ليبيا أهمية بالغة من الناحية الاستراتيجية، وهو تموقع يشبه تقريبا الانتشار الروسي في سوريا، حيث اختارت موسكو قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، الأولى لضمان الانتشار الجوي والثانية لموقعها ومنفذها على البحر المتوسط.

ثم جاءت الخطوة التركية في النيجر، لتؤكد نية انقرة في توسيع فعلي لحدود ونطاق تدخلها، فالتواجد التركي بالنيجر يمنح بديلا عمليا لنيامي للمساومة السياسية لباريس من جهة، ويعطي لتركيا خلفية هامة، لاسيما وأن النيجر معروف بغناه بالثروات الطبيعية، واحتياطي بترول مهم، كما أن صادرات اليورانيوم من منجم أرليت إلى فرنسا لطالما شكلت جزء مهما من الدخل الخارجي للبلاد، مع الإشارة إلى أن حكومة النيجر وقعت سنة 2009 مع رئيس مجلس إدارة أريفا اتفاقية تعدين تمنح المجموعة النووية الفرنسية رخصة تشغيل على رواسب “إيمورارين”، التي قدمتها أريفا على أنها “أهم منجم لليورانيوم.

فضلا عن ذلك، فإن التحرك التركي تزامن مع تطورات بدت خطيرة، مع الإعلان عن تأسيس مجلس اقليم فزان الليبي، أوت الجاري، الذي يشمل مناطق هامة مثل سبهة وحقول نفطية مثل غدامس، علما بأن المنطقة يقطن فيها الطوارق والتبو، ولها امتدادات افريقية خاصة باتجاه التشاد والنيجر، وبروز مثل هذا التطور لا يخرج عن دائرة لعبة المحاور التي تعيشها ليبيا منذ فترة، ومن شأن التواجد العسكري التركي شمال المنطقة الجنوبية الليبية من جهة، وحسم الوضع في ليبيا لصالح حلفاء تركيا ان يضمن لانقرة موقعا مؤثرا وهاما ويؤدي الى خلط اوراق اطراف منها باريس، التي يمكن أن تساير مخططا لتقسيم ليبيا إلى ثلاثة اقاليم.

وتكتسي اهمية التواجد التركي في النيجر، في كونها تقريبا تشكل قلب افريقيا، فالنيجر تمثل نموذج الدولة الحبيسة ولكنها نقطة وصل مهمة جدا، اذ تتقاسم الحدود مع التشاد شرقا وليبيا والجزائر شمالا، ومالي وبوركينافاسو غربا، ونيجيريا والبنين جنوبا، وتمثل القاعدة التركية في النيجر نقطة ارتكاز وامتداد وترابط مع القواعد المتواجدة في ليبيا.

والى جانب البعد العسكري والامني كون النيجر يتواجد ايضا في قلب قوس الازمات في منطقة الساحل، فإن البعد الاقتصادي حاضر مع مشاريع خاصة الربط بالسكك الحديدية، منها مشروع ربط من ليبيا إلى النيجر فنيجيريا والتشاد غربا، ثم من التشاد إلى السودان فاثيوبيا والصومال، وهو ما يجعل لتركيا منافذ مهمة في البحر المتوسط من جهة، والمحيط الهندي من جهة اخرى، مع نقاط تواجد استراتيجية وقواعد في ليبيا والنيجر والصومال.. والسؤال الذي يطرح نفسه الان هو هل نحن أمام قيام دولة عثمانية جديدة، تقدم فيه تركيا مساعدات للدولة الأفريقية لتقيم قواعدها العسكرية في أهم المناطق الحيوية والإستراتيجية، بعد أن فشلت في فرض نفسها كلاعب في الفضاء الاوروبي؟ وهل نستطيع التأكيد اليوم على أن الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان يسعى إلى إعادة بعث امجاد الدولة العثمانية في افريقيا من جديد، من خلال مضيه على نفس خطى سلفه مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال اتاتورك، وهو الذي استشهد به عندما تطرق إلى تدخله العسكري في ليبيا، قائلا “إذا كانت ليبيا لا تعنينا، فماذا كان يفعل أتاتورك هناك؟ وأي نضال كان يخوض واضعا الموت نصب عينيه. إذن فليبيا مكان يجب أن نقف إلى جانبه، بالنسبة لنا، حتى لو كلفنا ذلك أرواحنا عند الضرورة”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
احمد دلول
كاتب وباحث سياسي