تاريخ عروض كتب مختارات مقالات

دولة الإسلام في الأندلس

كتاب كل يوم جمعة (47)
حكاية الأندلس الحزين (4/4)

دولة الإسلام في الأندلس

بقلم: د. وسام محمد

لا يصح أن نخصص شهرًا لمناقشة أهم ما حوته المكتبة العربية – من وجهة نظري – عن حكاية الأندلس الحزين، دون أن نتوقف أمام كتاب (دولة الإسلام في الأندلس) للمؤرخ المصري الراحل محمد عبد الله عنان، والذي رصد فيه تاريخ الإسلام في الأندلس منذ تلك اللحظة التي سمع فيها البسطاء والمستضعفين من أبناء الأندلس عن الإسلام في الأندلس، وإلى تلك اللحظة التي تحول فيها الإسلام غريبًا طريدًا في الأندلس.

الكتاب سفر ضخم قسمه مؤلفه إلى أربعة أقسام رئيسة، أوقف كل قسم منها على عصر من عصور الأندلس الإسلامي الرئيسة.
القسم الأول من الكتاب، عنونه المؤلف (العصر الأول: من الفتح إلى بداية عصر الناصر)، ويشتمل هذا القسم على قسمين فرعيين، الأول قدم فيه المؤلف إلى حال شمال أفريقيا والأندلس، ودخول الإسلام إلى شمال أفريقيا، ثم دخول الإسلام إلى الأندلس، وحكومة ولاة بني أمية على الأندلس، وما لحقها من اضطراب، إلى أن بلغت حالة من الفوضى لا مثيل لها مع انهيار السلطة المركزية في نهاية عصر الأمويين وثورة بني العباس؛ ومن ثم يتناول مغامرة عبد الرحمن الداخل التي انتهت به أميرًا على الأندلس، ونضالاته السياسية والعسكرية في سبيل إعادة النظام للأندلس المسلم، ورد خطر مسيحيي الشمال؛ ثم ينتقل المؤلف إلى رصد أحوال أمارة بني أمية في الأندلس وبلوغها الذروة في عهد عبد الرحمن الأوسط، والانحطاط الذي شهدته في عصر خلفاء الأوسط معدومي الكفاءة؛ وينتقل في القسم الفرعي الثاني من القسم الأول؛ إلى ذلك العصر الذي تحولت فيه إمارة بني أمية الأندلسية إلى خلافة منافسة لخلافة بني العباس، تحت ظل عبد الرحمن الناصر الذي استطاع فرض النظام من جديد في الأندلس، ورد هجمات مسيحيي الشمال، وهاجمهم في قواعدهم في إيطاليا وسويسرا، وبلغت الأندلس في عهد ابنه الحكم أقصى حدود القوة السياسية والعسكرية والرقي الحضاري والثقافي، وقد استمر هذا التألق الحضاري بعد انقلاب الحاجب المنصور، والذي أخفت قوة دولته الظاهرية أعراض المرض المميت الذي ضرب الأندلس في حضارته وثقافته؛ قبل أن تبدأ موجة جديدة من الفوضى مع انهيار الخلافة الأموية تمامًا وفشل دولة بني حمود أن تشغل مكانة بني أمية في الأندلس.

القسم الثاني من الكتاب وعنوانه (العصر الثاني: دول الطوائف منذ قيامها وحتى الفتح المرابطي)، وكما هو واضح من هذا العنوان، فإن معظم هذا القسم يوقفه المؤلف على تتبع تشظي الأندلس إلى دول الطوائف، وما جرى من صراعات سياسية وعسكرية في زمانها، وحالها من التحضر والثقافة، ويفسح المجال لتبيين التهديد المسيحي الذي عصف بهذه الدول، ودخول المرابطين إلى حلبة الصراع لإنقاذ الأندلس، وما أنتهى به الأمر من القضاء على الطوائف استقرار الأندلس تحت حكم المرابطين.

القسم الثالث من الكتاب وعنوانه (عصر المرابطين والموحدين في الأندلس)، ويقسمه المؤلف إلى قسمين فرعين، القسم الفرعي الأول وموضوعه (عصر المرابطين وبداية العصر الموحدي)، وفيه يتناول جهود المرابطين لإعادة النظام إلى الأندلس وكبح النشاط العسكري الصليبي، في الوقت نفسه الذي برزت فيه حركة الموحدين في شمال افريقيا ودخلت في صراع مع المرابطين، وهو الأمر الذي تزامن مع انحطاط حكم المرابطين في الأندلس وثورة الأندلسيين على حكمهم. القسم الفرعي الثاني يتناول فيه الحكم الموحدي في الأندلس في عصري أبا يعقوب يوسف، وولده المنصور، ثم تدهور الموحدين بعد المنصور، وما لحق الأندلس من تفسخ واضطراب إلى أن سقطت دولة الموحدين.

القسم الرابع وعنوانه (نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين)، وفي هذا القسم يرصد المؤلف دولة غرناطة التي قامت على حطام ما تبقى من الموحدين الأندلسيين، وكفاحها إلى أن أنهار؛ ثم ما لحق انهيارها من استسلام للمسلمين، وتحولهم إلى غرباء تحت حكم الإسبان، وما تعرضوا له من ظلم واضطهاد.

يتميز الكتاب بأنه، وعلى الرغم من تركيزه على النواحي السياسية، إلا أنه حاول تتبع تطور الأندلس على الصعيد الثقافي، وما أنجزه أبناء الأندلس في مجالات الحضارة المختلفة، وكيف تأثرت هذه الإنجازات بطبائع البيئة والعصر الذي أُبدعت فيه؛ كما يتميز من جانب آخر أنه يتناول الحوادث السياسية والعسكرية من وجهتي النظر المتصارعتين، وجهة النظر الإسلامية ووجهة النظر المسيحية؛ كما أنه يرصد نمو الممالك المسيحية سياسيًا وعسكريًا على التوازي مع انحطاط نظيرتها الإسلامية، ويلقي بالضوء على العمق والدعم السياسي الذي وفرته الكنيسة الكاثوليكية للممالك الإسبانية من خلال ربطها بالحملة الصليبية العالمية التي تشنها روما على كل مخالفيها ومنافسيها.

المؤلف، محمد عبد الله عنان، على الرغم أنه لم يتلقى تعليمًا كمؤرخ، إذ كانت دراسته الأصلية وحرفته القانون والمحاماة، إلا أنه التزم بمنهج نقدي وموضوعي قلمن يلتزم به من مؤرخي زمانه، وقد ألزم نفسه بالرجوع إلى مصادر تاريخ الأندلس الأصلية، سواء العربية أو الإسبانية، ولذا فقد زار إسبانيا أكثر من مرة، وقضى فترات طويلة ينقب في مكتبات الاسكوريال وغرناطة، ويقارن المصادر بعضها ببعض، وكأنها يمارس ما نسميه اليوم التفكيك والبناء، كما أحيا سنة ماتت بين المؤرخين خاصة والمثقفين عامة، إذ راح يتجول ويزور هذه الأماكن التي يكتب عنها، فزار مدن الأندلس، وأماكن المعارك والأحداث المشهورة، حتى يلم بالبيئة التي استضافت الحدث التاريخي.

صدر الكتاب في طبعته الأولى على نحو عشرين عامًا، ما بين عام 1945 وعام 1965، في ثمانية أجزاء مقسمة على أربعة مجلدات عن مكتبة الخانجي، وقد أعيدت طباعته في ثمانية كتب عام 2001 تحت مظلة مشروع مكتبة الأسرة؛ وللمؤلف إلى جانب هذا السفر الجليل مؤلفات تاريخية لا تقل أهمية مثل (تراجم إسلامية شرقية وأندلسية) و(الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية)، كما اسمهم مع نفر من علماء المغرب على فهرسة خزانة الكتب الحسنية في الرباط.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0