سياسة مختارات مقالات

اسرائيل في الخليج!

اسرائيل في الخليج!

بقلم: ا. عبدالامير المجر

ردود فعل البعض على خطوة دولة الامارات بإقامة علاقات مع اسرائيل، مؤيدة او معارضة، عكست بشكل جلي سوء فهم واضح لتطورات القضية الفلسطينية، وسبب ذلك هو ان الاعلام العربي بشكل عام اتسم بالديماغوجية وغياب الشفافية … العرب في اروقة الامم المتحدة والمحافل الدولية الاخرى، ليسوا هم في الاعلام، فهناك يؤكدون على مسألتين اساسيتين، هما حق عودة النازحين الفلسطينيين وحدود العام 1967 كشرط لحل القضية، لكنهم وتحت عنوان (رفع المطالب لتوسيع المكاسب) كانوا يرددون شعار تحرير كامل فلسطين، وهو مطلب لم يعد واقعيا، لاسيما بعد نكسة حزيران، بالاضافة الى ان القوى الكبرى المتنفذة مثل اميركا وروسيا وبقية الاعضاء الدائمين في مجلس الامن، يرفضون بشكل قاطع تدمير اسرائيل، وان اختلف بعضهم معها في مسائل اجرائية تتوافق مع بعض المطالب العربية، غير متناسين ان اسرائيل، عرفت كيف توظف هذا (التهديد العربي) لتدعم موقفها من خلال ميديا مؤثرة ولوبيّات نافذة في عواصم القرار الدولي وغيرها.

في العموم، كان قرار الدول العربية في قمة بيروت العام 2002 المتمثل بالاعتراف باسرائيل مقابل حل الدولتين واضحا، وكافيا لان يحرك المجتمع الدولي باتجاه حسم هذه القضية، التي عطّلت العرب لأكثر من ثلاثة ارباع القرن، الاّ ان بعض المنظمات الفلسطينية وغيرها من تلك المدعومة من قوى اقليمية رافضة لأي شكل من اشكال التسوية، رفع الحرج شكليا عن اسرائيل واعطاها المبرر في استمرار احتلالها للاراضي العربية، ليبقى قرار الجامعة العربية معلقا، بل اصبح بابا للضعف بدلا من ان يكون مصدرا للقوة، فالتنظيمات التي ظلت تطلق صواريخها على اسرائيل، اعطت مبررا للرد الاسرائيلي العنيف والمستمر، وصارت تداعيات هذه الافعال مادة اعلامية يستثمرها الطرفان للعمل على ابقاء الوضع على ماهو عليه. فلا اسرائيل تريد انهاء هذه التنظيمات كي لاتفقد مبرر استمرار احتلالها وتطويره وتكريسه، وتجلى هذا في جعل القدس عاصمة لاسرائيل وضم الجولان وغيرها من المناطق في الضفة الغربية والاردن ولبنان، ولا تلك الفصائل قادرة على حسم المعركة لصالحها .. العرب غير قادرين على ايقاف هذه التنظيمات التي تتلقى دعما خارجيا، وغير قادرين ايضا على مواجهة عسكرية شاملة مع اسرائيل، لان هذا بات بحكم المستحيل بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وفقدان التوازن الدولي الذي استثمره العرب في حروبهم السابقة التي ابقت على حالة المواجهة قائمة لعقود، وضمن حسابات دولية معروفة، على امل التوصل لحل شامل بعد ان يستنفد الطرفان وسائلهما لقهر احدهما الاخر.

بعد الربيع العربي انهارت اغلب الدول العربية المؤثرة، سبقها تدمير العراق، وحصل تنافس اقليمي محموم على ملء الفراغ فيها، جاء تحت عنوان تحرير فلسطين، لغرض الاستقطاب السياسي وتاجيج حماسة الشعوب التي انكشفت بسبب فقدانها لقدرات الدولة وباتت من دون عمق ستراتيجي حقيقي، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، بل وامنيا على مستوى الدولة الواحدة وانعكس هذا على الامن القومي. وقد كان هدف الهجمة الاقليمية واضحا، هو الانقضاض على الفريسة العربية الدسمة المتهاوية!

ماقامت به الامارات لم يفاجئ احد من المتابعين، فدول الخليج صارت تتحسس من قوة ايران المجاورة لها بعقيدتها الثورية الداعية الى تدمير اسرائيل، وتمددها عربيا في اطار ما يعرف بمحور المقاومة، صار يقلقها … تركيا هي الاخرى اخذت تتمدد في اكثر من بلد عربي، مستخدمة القضية الفلسطينية شعارا مع انها تقيم علاقات دبلوماسية مع اسرائيل!! وصارت تدعم بعض التنظيمات الفلسطينية المناوئة لعملية السلام .. هذه المعطيات جعلت دول الخليج الخائفة على مستقبلها وثرواتها، تعتمد ستراتيجية دفاعية ذاتية، باستثناء قطر التي شذت عن الصف الخليجي .. الاجماع العربي في قمة بيروت، المتضمن مباردة للحل لم يترجم على الارض ولم يؤخذ به دوليا، وبات العرب مشتتين اكثر من اي وقت مضى، بعد ان اثبتت اميركا والمجتمع الدولي عدم الجدية في الضغط على اسرائيل، كون الفصائل الرافضة للاعتراف بها لايمكنها تدميرها مهما فعلت، واذا ما فرض المجتمع الدولي السلام، ستصبح هذه الفصائل بلا مرجعيات خارجية ان ارادت القوى الكبرى عزلها، لان واقعا سياسيا جديدا سيفرض نفسه على الجميع .. اين المشكلة اذن..؟ انها في التكالب الاقليمي على العرب بعد ان باتوا ضعفاء وسط عالم متوحش .. وجريا وراء مقولة (لايفل الحديد الاّ الحديد)، ذهبت دول الخليج الى اميركا واسرائيل للتحالف معها كي تؤمن حمايتها من التهديدات الخارجية المستجدة، اقليمية كانت او دولية .. قد تشهد المنطقة واقعا امنيا جديدا بعد هذه الخطوة التي ستعقبها خطوات اخرى مماثلة في الخليج وغيره، ولن نستبعد ان تكون دول الخليج رسميا ضمن حلف الناتو الموسع مستقبلا، الذي جرى الحديث عنه قبل سنوات.

هذا ما افرزه غياب الرؤية الموحدة لدول المنطقة في حل القضية الفلسطينية والقضايا الاخرى، فتفرقوا ودفعت ببعضهم الاطماع الى مواقف وسياسات غير واقعية، فصارت هذه الدول ترى نتائج سياساتها اليوم وتقف مذهولة امام تداعياتها!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0 0